اطبع هذه الصفحة


شرح أحاديث عمدة الأحكام
الحديث 133 في التسبيح بعد الصَّلاة

عبد الرحمن بن عبد الله السحيم

 
 ح 133
عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه : أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ , قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ . قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالُوا : يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي , وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ , وَيَتَصَدَّقُونَ وَلا نَتَصَدَّقُ ، وَيُعْتِقُونَ وَلا نُعْتِقُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : أَفَلا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ , وَتَسْبِقُونَ مَنْ بَعْدَكُمْ ، وَلا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ , إلاَّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى , يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ : ثَلاثاً وَثَلاثِينَ مَرَّةً . قَالَ أَبُو صَالِحٍ : فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ , فَقَالُوا : سَمِعَ إخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا , فَفَعَلُوا مِثْلَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ .
قال سُمَيّ : فَحَدَّثْتُ بَعْضَ أَهْلِي هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ : وَهِمْتَ ! إِنَّمَا قَالَ : تُسَبِّحُ اللَّهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ ، وَتَحْمَدُ اللَّهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ ، وَتُكَبِّرُ اللَّهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ .
فَرَجَعْتُ إِلَى أَبِي صَالِحٍ ، فَقُلْتُ لَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ ، حَتَّى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ .

في الحديث مسائل :

1= حرص الصحابة رضي الله عنهم على فِعْل الخير ، وتنافسهم في ذلك . والْحُزْن على فَوات مَوَاسِم الخيرات ، وعلى فَوات الطَّاعات .
قال ابن رجب : فَكَان الفقراء يَحزَنُونَ على فواتِ الصَّدقة بالأموال التي يَقدِرُ عليها الأغنياء ، ويَحْزَنُون على التخلُّف عن الخروجِ في الجهاد ؛ لِعَدَم القُدْرَة على آلَتِه . اهـ .

2= الـتَّنَافُس في أمور الآخرة ، هو التنافس المحمود ، بِخلاف التنافس على الدنيا ، فإنه سبب الهلاك ، وفي الحديث : " أخشى عليكم أن تُبْسَط عليكم الدنيا كما بُسِطَتْ على من كان قبلكم ، فَتَنَافَسُوها كما تَنَافَسُوها ، وتهلككم كما أهلكتهم " . رواه البخاري ومسلم .

3= أَهْلُ الدُّثُورِ . في رواية للبخاري : أَهْلُ الدُّثُورِ مِنْ الأَمْوَالِ .
أَهْلُ الدُّثُورِ " جمع دَثَـر ، بفتح الدال ، وهو : المال الكثير " . قاله النووي وابن رجب .

4= إن قِيل : إن الْمُتَمَنِّي للْخَير يُكْتَب له مثل أجر فاعله إذا صَدَق في تَمنِّيه ، فَلِم سأل الصحابة ذلك السؤال ، وطَلَبُوا ذلك الطلب ؟
فـ " َيَظْهَر أَنَّ الْجَوَاب وَقَعَ قَبْل أَنْ يَعْلَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مُتَمَنِّي الشَّيْء يَكُون شَرِيكًا لِفَاعِلِهِ فِي الأَجْر " قاله ابن حجر .

5= في رواية في الصحيحين : " ذَهَب أَهْلُ الدُّثُورِ بالدَّرَجَات العُلا " .

6= الـنَّظر في أمور الدِّين إلى من هو أعلى ، والنَّظر في أمور الدنيا إلى من هو أقَلّ .
لأنَّ النّظر في أمور الدِّين إلى من هو أعلى يَحْمِل صاحبه على عُلو الهمّة والتنافس في الخيرات .
والنظر إلى من هو أقَلّ في أمور الدنيا يَحْمِل الإنسان على شُكْر الـنِّعْمَة ، ولذا جاء في الحديث :

7= فَضْل الذِّكْر .
ففي الحديث : أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى . قَالَ : ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى . رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه .

قال ابن دقيق العيد : وَقَوْلُهُ : " لا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ " يَدُلُّ عَلَى تَرْجِيحِ هَذِهِ الأَذْكَارِ عَلَى فَضِيلَةِ الْمَالِ ، وَعَلَى أَنَّ تِلْكَ الْفَضِيلَةَ لِلأَغْنِيَاءِ مَشْرُوطَةٌ بِأَنْ لا يَفْعَلُوا هَذَا الْفِعْلَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ الْفُقَرَاءُ . اهـ .

8= قوله : " أَفَلا أُعَلِّمُكُمْ " استعمال أسلوب السؤال ليكون أدْعَى لتهيؤ النفوس لمعرفة الجواب .

9= مُنافسة الأغنياء للفقراء ، وعدم ترك شيء مِن العمل الصَّالح اعتِمادا على ما عند الإنسان من نفقة ونفع الناس ، بل يُنافس في جميع الخيرات ؛ لأن الراغب في الدار الآخرة لا يَتْرُك شيئا مِن الأعْمَال ؛ لأنه لا يَدري ما هو العمل الذي يُدخِله الجنة .

10= اخْتُلِف في عدد التسبيحات . وسبب الاخْتِلاف ما جاء في الحديث :
" تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ : ثَلاثاً وَثَلاثِينَ مَرَّةً "
فمن فَهِم أنه يَكون مَجْمُوع التسبيحات ثلاثا وثلاثين ، جَعَل مِن كل واحدة إحدى عشرة !
ففي رواية للبخاري : تسبحون في دُبُر كل صلاة عشرا ، وتحمدون عشرا ، وتكبرون عشرا . قال : فَاخْتَلَفْنَا بيننا ، فقال بعضنا : نُسَبّح ثلاثا وثلاثين ، ونحمد ثلاثا وثلاثين ، ونكبر أربعا وثلاثين . فَرَجَعْتُ إليه ، فقال : تَقُول : سبحان الله ، والحمد لله ، والله أكبر ، حتى يكون منهن كلهن ثلاثا وثلاثين .
وفي رواية لمسلم : وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ يَقُولُ سُهَيْلٌ : إِحْدَى عَشْرَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ ؛ فَجَمِيعُ ذَلِكَ كُلِّهِ ثَلاثَةٌ وَثَلاثُونَ .

ومَن فَهِم مِن كل واحدة ثلاثا وثلاثين ، احتاج إلى زيادة واحدة لتَكْتَمِل بها المائة .

وفي حَدِيث أَبِي ذَرٍّ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ قَالَ أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ . رواه مسلم .
ويُنْظِر شرحه في " جامع العلوم والْحِكَم " لابن رجب .

والرَّاجِح في هذا الحديث أن يَقُول : سبحان الله ثلاثا وثلاثين ، والحمد لله ثلاثا وثلاثين ، والله أكبر أربعا وثلاثين ، ويُؤيِّده ما رَوَاه كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مُعَقِّبَاتٌ لا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ أَوْ فَاعِلُهُنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ : ثَلاثٌ وَثَلاثُونَ تَسْبِيحَةً وَثَلاثٌ وَثَلاثُونَ تَحْمِيدَةً وَأَرْبَعٌ وَثَلاثُونَ تَكْبِيرَةً . رواه مسلم .
وفي حَدِيث أبي الدرداء : ألا أخبرك بشيء إذا أنت فَعَلْتَه أدْرَكْت مَن كان قبلك ولم يَلحقك من كان بعدك إلا من قال مثل ما قُلتَ ؟ تُسَبِّح الله في دُبُر كُل صلاة ثلاثا وثلاثين ، وتَحْمَده ثلاثا وثلاثين ، وتُكَبِّر أربعا وثلاثين تكبيرة . رواه النسائي في الكبرى .
ورَوى أبو يَعلى حديث أبي هريرة هذا بلفظ : تُسَبِّحُون الله في دُبُر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ، وتَحْمَدُونه ثلاثا وثلاثين ، وتُكَبِّرُونَه أربعا وثلاثين . وهكذا رواه النسائي في عمل اليوم والليلة .

11= صِفَة الـتَّسْبِيح بعد الصلاة :
جاء عِدّة صِفَات للـتَّسْبِيح بعد الصلاة ، منها :
الأولى :
سبحان الله 33 ، والحمد لله 33 ، والله أكبر 33 ، وتمام المائة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير .
ففي حديث أبي هريرة : من سبح الله في دُبُر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ، وحمد الله ثلاثا وثلاثين ، وكَـبَّر الله ثلاثا وثلاثين ؛ فتلك تسعة وتسعون ، وقال تمام المائة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير . غُفِرَتْ خَطَاياه وإن كانت مثل زَبَد البحر . رواه مسلم .
الثانية :
سبحان الله 25 ، والحمد لله 25 ، والله أكبر 25 ، و لا إله إلا الله 25
فتلك مائة .
كَمَا في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه ، وهو في المسند وعند الترمذي والنسائي وغيرهم ، وصححه الألباني
الثالثة :
سبحان الله 10 ، والحمد لله 10 ، والله أكبر 10
ودَلّ عليها حَدِيث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ : خَصْلَتَانِ أَوْ خَلَّتَانِ لا يُحَافِظُ عَلَيْهِمَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ ، هُمَا يَسِيرٌ وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ ، يُسَبِّحُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ عَشْرًا ، وَيَحْمَدُ عَشْرًا ، وَيُكَبِّرُ عَشْرًا .. الحديث . رواه الإمام أحمد وأبو داود .

الرابعة :
سبحان الله 33 ، والحمد لله 33 ، والله أكبر 34
فتلك مائة .
كما تقدم في حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه .

12= مِن قوله : " فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ " إلى آخِر الحديث رواه مسلم دون البخاري .

 

عمدة الأحكام
  • كتاب الطهارة
  • كتاب الصلاة
  • كتاب الصيام
  • كتاب الحج
  • شرح العمدة
  • مـقـالات
  • بحوث علمية
  • محاضرات
  • فتاوى
  • الصفحة الرئيسية