اطبع هذه الصفحة


شرح أحاديث عمدة الأحكام
الحديث 155 في الاستسقاء في خُطبة الجمعة

عبد الرحمن بن عبد الله السحيم


عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ , وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمٌ يَخْطُبُ , فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمًا , ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , هَلَكَتِ الأَمْوَالُ , وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ ، فَادْعُ اللَّهَ تَعَالَى يُغِثْنَا , قَالَ : فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ أَغِثْنَا , اللَّهُمَّ أَغِثْنَا , اللَّهُمَّ أَغِثْنَا. قَالَ أَنَسٌ : فَلا وَاَللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلا قَزَعَةٍ , وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلا دَارٍ . قَالَ : فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ . فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ , قَالَ : فَلا وَاَللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا .
قَالَ : ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ , وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمٌ يَخْطُبُ , فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِما , فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , هَلَكَتِ الأَمْوَالُ , وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ , فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُمْسِكَهَا عَـنَّا . قَالَ : فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلا عَلَيْنَا , اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ , قَالَ : فَأَقْلَعَتْ , وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ .
قَالَ شَرِيكٌ : فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ : أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ ؟ قَالَ : لا أَدْرِي .
الظِّرَاب : الجبال الصغار .

فيه مسائل :

1 = سبب ذلك : وُقوع القحط في زمن النبي صلى الله عليه وسلم .
ففي رواية في الصحيحين : أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَبَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ قَامَ أَعْرَابِيّ ..
وفي رواية له : قحط المطر فاسْتَسْقِ رَبَّك .
والسَّنَة : هي الْجَدْب .
وعند البخاري من طريق جبلة بن سحيم قال : أصابنا عامُ سَنَة مع ابن الزبير .
قال القاضي عياض : قوله : " أصابنا عامُ سَنَة " أي : عام شِدّة ومَجَاعة .

2 = " دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةِ " أي : بعد دُخول رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه قال : " وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمٌ يَخْطُبُ " .

3 = " دَارِ الْقَضَاءِ " قال القاضي عياض : سُمِّيَت بذلك لأنها بِيعت في قضاء دَيْن عمر بن الخطاب الذي كَتبه على نفسه لِبيت مال المسلمين ، وأوصى أن يُباع فيه ماله ، وما عَجز استعان ببني عدى ثم بِقُريش ، فَبَاع عبد الله بن عمر داره هذه مِن معاوية ، وباع مَاله بالغَابة ، وقَضى دينه ، فكان يُقال لها : دار قضاء دَين عُمر ... ثم اختصروا فقالوا : دار القضاء ، وهى دار مروان ، وقال بعضهم : هي دار الإمارة ، وغَلِط لَمّا بلغه أنها دار مروان ظن أن المراد بالقضاء الإمارة ، إنما هو ما قُلناه . اهـ .
وقد يُشكل على هذا وقوع القصة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنس يُخبر عن باب نحو دار القضاء، وهي إنما سُمّيت بذلك بعد زمن عمر رضي الله عنه .
ولا إشكال في ذلك ؛ لأن أنس يُحدِّث الناس بِما يعرفونه آنذاك .

4 = جواز سؤال الإمام الدعاء ، وتكليم الإمام للحاجة .
قال القرطبي في " الْمُفْهِم " : وظاهر هذا الحديث يَدُلّ على جواز كلام الداخِل مع الخطيب في حال خطبته، ويُحْتَمل أن يكون إنما كلّمه في حال سكتةٍ كانت من النبي صلى الله عليه وسلم ؛ إما لاستراحة في النطق ، وإما في حال الجلوس . اهـ .

5 = قوله : " هَلَكَتِ الأَمْوَالُ " أي : المواشي . وأصل المال : كل ما يُتَمَوَّل ، وعُرْفُه عند العرب : الإبل ؛ لأنها معظم أموالهم .
و"انقطعت السبل " ؛ أي : الطُّرُق ؛ لِهَلاك الإبل ، ولعَدم ما يؤكل في الطُّرُق . قاله القرطبي في " الْمُفْهِم " .
وقال ابن دقيق العيد : وَأَرَادَ بِالأَمْوَالِ : الأَمْوَالَ الْحَيَوَانِيَّةَ . لأَنَّهَا الَّتِي يُؤَثِّرُ فِيهَا انْقِطَاعُ الْمَطَرِ ، بِخِلافِ الأَمْوَالِ الصَّامِتَةِ . وَ " السُّبُلُ " الطُّرُقُ وَانْقِطَاعُهَا : إمَّا بِعَدَمِ الْمِيَاهِ الَّتِي يَعْتَادُ الْمُسَافِرُ وُرُودَهَا . وَإِمَّا بِاشْتِغَالِ النَّاسِ وَشِدَّةِ الْقَحْطِ عَنْ الضَّرْبِ فِي الأَرْضِ . اهـ .
وقال ابن حجر :
في رواية كريمة وأبي ذر جميعا عن الكشميهني : "المواشي " ، وهو المراد بالأموال هنا لا الصامت ، وقد تقدم في كتاب الجمعة بلفظ : "هلك الكُراع " وهو بضم الكاف : يُطْلَق على الخيل وغيرها . وفي رواية يحيى بن سعيد الآتية : " هلكت الماشية ، هلك العيال ، هلك الناس " ، وهو مِن ذِكْر العام بعد الخاص ، والمراد بهلاكهم عدم وجود ما يَعيشون به مِن الأقوات المفقودة بِحَبْس المطر . اهـ .
ولا يمنع أن يَكون المراد بـ " الأموال " العموم حتى الصامت منها ؛ لأن القحط يقضي على الجميع ، فإذا قلّ المرعى والسُّقْيَا ، استهلَك الإنسان ما عنده مِن مال ، فيكون فيه هلاك ماله حتى الصامت منه . أو يكون تأثير انقطاع المطر على الأموال الصامتة ؛ فلا يُباع منها شيء ولا يُشتَرَى .

6 = اخْتِلاف نَقْل ألفاظ الرجل الداخل بناء على نَقْل الرواة لِقوله بالمعنى .
قال ابن حجر بعد أن ذكر بعض ألفاظ الرجل : وهذه الألفاظ يُحْتَمَل أن يكون الرجل قال كلها ، ويحتمل أن يكون بعض الرواة روى شيئا مما قاله بالمعنى ؛ لأنها متقاربة ، فلا تكون غلطا ، كما قال صاحب المطالع وغيره . اهـ .
وأما ما جاء في رواية في الصحيحين : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ جُمُعَةٍ ، فَقَامَ النَّاسُ فَصَاحُوا ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! قَحطَ الْمَطَرُ ، وَاحْمَرَّتِ الشَّجَرُ ، وَهَلَكَتِ الْبَهَائِمُ ، فَادْعُ اللَّهَ يَسْقِينَا .
فهو محمول على قول الرجل أولاً ، ثم مُتابعة الناس وتأييدهم لقوله ، تصديقا له .
قال ابن حجر : يُحْتَمَل أن يكونوا سألوه بَعد أن سَأل ، ويُحْتَمل أنه نُسِب ذلك إليهم لموافقة سؤال السائل ما كانوا يريدونه مِن طلب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم . اهـ .

7 = قوله : " فَادْعُ اللَّهَ تَعَالَى " هذا مما استقرّ وعُلِم عند الصحابة رضي الله عنهم أنهم لا يَستغيثون بالأشخاص ، وإنما بِدُعائهم ، كما فعل عمر رضي الله عنه مع العباس رضي الله عنه ، حيث قدّم الْحَيّ للدعاء مع كَونهم بالمدينة وقُرب مسجده صلى الله عليه وسلم وحيث كان قبره عليه الصلاة والسلام ؛ فلم يلجأوا إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عِظمه في نفوسهم .
ومثله فِعْل هذا الرجل الداخل ، وهو إنما سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما يَقْدر عليه ، وهو الدعاء .
ولا يُعرف عن الصحابة الكرام ولا عن التابعين وأتباعهم أنهم سألوا الحاجات مِن الأموات ، ولا سألوا الحاجات التي لا يَقْدر عليها إلاّ الله إلاّ مِن الله تبارك وتعالى .
وفي رواية للبخاري : قحط المطر فاسْتَسْقِ ربك .
وفي رواية للبخاري : فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلَكَ الْمَالُ ، وَجَاعَ الْعِيَالُ ؛ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا .

8 = فيه جواز طلب الدعاء مِن الصالحين الأحياء ، لقوله : " فَادْعُ اللَّهَ تَعَالَى " ، و " فَادْعُ اللَّهَ لَنَا " و " فاسْتَسْقِ ربك " .
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : يا رسول الله إن الله قد عَوّدك في الدعاء خيرا ، فادْع لنا ، فقال : أتحب ذلك ؟ قال : نعم ، فرفع يده فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأظْلَمَت ثم سَكَبت ، فملؤوا ما معهم ، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جازت العسكر . رواه ابن خزيمة والحاكم وصححه هو والذهبي .
وطلب أبو هريرة رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له ولأمه ، ففعل عليه الصلاة والسلام ولم يُنكِره . كما في صحيح مسلم .
وفي صحيح مسلم من طريق صفوان بن عبد الله بن صفوان قال : قَدِمْتُ الشام فأتيت أبا الدرداء في منـزله فلم أجده ، ووجدت أم الدرداء ، فقالت : أتريد الحج العام ؟ فقلت : نعم . قالت : فادع الله لنا بخير ، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول : دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة ، عند رأسه ملكٌ موكَّل ، كلما دعا لأخيه بخير ، قال الملك الموكل به : آمين ولك بمثل .
قال صفوان : فخرجت إلى السوق ، فلقيـت أبا الدرداء ، فقال لي مثل ذلك ، يرويه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

9 = قوله : " يُغِثْنَا "
قال النووي : هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( أَغِثْنَا ) بِالأَلِفِ ، وَيُغِثْنَا بِضَمِّ الْيَاء مِنْ أَغَاثَ يُغِيث رُبَاعِيّ ، وَالْمَشْهُور فِي كُتُب اللُّغَة أَنَّهُ إِنَّمَا يُقَال فِي الْمَطَر : غَاثَ اللَّه النَّاس وَالأَرْض يَغِيثهُمْ بِفَتْحِ الْيَاء ، أَيْ : أَنْزَلَ الْمَطَر . اهـ .

وقال ابن حجر : قوله : "فادع الله يغيثنا" أي : فهو يُغيثنا ، وهذه رواية الأكثر ، ولأبي ذر " أن يُغِيثنا " ، وفي رواية إسماعيل بن جعفر الآتية للكشميهني : "يُغِثْنا " بالجزم ، ويجوز الضم في يُغيثنا على أنه من الإغاثة ، وبالفتح على أنه مِن الغيث ، ويُرَجِّح الأول قوله في رواية إسماعيل بن جعفر : " فقال : اللهم أغِثنا " ، ووقع في رواية قتادة " فادع الله أن يَسْقِينا " . اهـ .

10 = مشروعية الاستسقاء في خُطبة الجمعة .
وبوّب عليه الإمام البخاري : " باب الاستسقاء في المسجد الجامع"
قال ابن حجر : أشار بهذه الترجمة إلى أن الخروج إلى المصلى ليس بِشَرط في الاستسقاء ؛ لأن الملحوظ في الخروج المبالغة في اجتماع الناس ، وذلك حاصل في المسجد الأعظم بناء على المعهود في ذلك الزمان مِن عدم تعدد الجامع ، بخلاف ما حَدث في هذه الأعصار في بلاد مصر والشام ، والله المستعان . اهـ .
وسَبَق في شرح الحديث السابق التفصيل في أنواع الاستسقاء .

11 = مشروعية رفع اليدين في خُطبة الجمعة إذا طَلب سُقيا المطر .
وفي هذا الحديث : " فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَيْهِ " .
قال أنس رضي الله عنه : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعُ يديه في الدعاء ، حتى يُرى بياضُ إبطيه . رواه البخاري ومسلم ، واللفظ له .
وعند البخاري : لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلاَّ في الاستسقاء ، وإنه يرفع حتى يُرى بياض إبطيه .
قال الحافظ ابن حجر - بعد أن أشار إلى بعض الأحاديث الواردة في رفع اليدين - : فَيَتَعَيَّن حينئذ تأويل حديث أنس أنه أراد الرفع البليغ بدليل قوله : "حتى يُرى بياض إبطيه " . اهـ .
ومشروعية رفع اليدين في دعاء الاستصحاء ؛ أخذا مِن قوله : " فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلا عَلَيْنَا , اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ . قَالَ : فَأَقْلَعَتْ , وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ "
وفي رواية في الصحيحين : " فَقَالَ : اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلا عَلَيْنَا . فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ السَّحَابِ إِلاَّ انْفَرَجَتْ ، وَصَارَتِ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْجَوْبَةِ ، وَسَالَ الْوَادِي قَنَاةُ شَهْرًا " وفي رواية لمسلم : وسَال وادي قناة شهرًا .
وفي رواية : قَالَ فَلَقَدْ رَأَيْتُ السَّحَابَ يَتَقَطَّعُ يَمِينًا وَشِمَالاً يُمْطَرُونَ وَلا يُمْطَرُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ .
قال ابن الأثير : " مِثْلَ الجَوْبَة " هي الحُفْرة المسْتَديرة الواسعة . وكُلُّ مُنْفَتِق بلا بناء : جَوْبَة ، أي : حَتَّى صار الغَيْم والسحاب مُحيطاً بآفاق المدينة . اهـ .

وعدم مشروعية رفع الأيدي في خُطبة الجمعة فيما عدا ذلك .
ففي صحيح مسلم عن عمارة بن رؤيبة رضي الله عنه أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه فقال : قبّح الله هاتين اليدين ! لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا ، وأشار بإصبعه المسبحة .

12 = استقبال القبلة ليس شرطا في الدعاء .
قال الإمام البخاري : بَابُ الاسْتِسْقَاءِ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةِ .


13 = مشروعية تكرار الدعاء ثلاثا : " اللَّهُمَّ أَغِثْنَا , اللَّهُمَّ أَغِثْنَا , اللَّهُمَّ أَغِثْنَا " .
قال النووي : فِيهِ اِسْتِحْبَاب تَكَرُّر الدُّعَاء ثَلاثًا .
وكَانَ النبي صلى الله عليه وسلم إِذَا دَعَا دَعَا ثَلاَثًا . وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلاَثًا . كما في صحيح مسلم .

14 = لا يُشرع تحويل الرداء في الاستسقاء في خُطبة الجمعة .
قال البخاري : بَاب مَا قِيلَ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُحَوِّلْ رِدَاءَهُ فِي الاسْتِسْقَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ .
ثم روى بإسناده إلى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلا شَكَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلاكَ الْمَالِ وَجَهْدَ الْعِيَالِ ، فَدَعَا اللَّهَ يَسْتَسْقِي . وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ حَوَّلَ رِدَاءَهُ ، وَلا اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ .

15 = قوله رضي الله عنه : " مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلا قَزَعَةٍ "
قال النووي في " القَزَعة " : هِيَ بِفَتْحِ الْقَاف وَالزَّاي ، وَهِيَ الْقِطْعَة مِنْ السَّحَاب ، وَجَمَاعَتهَا قَزَع كَقَصَبَةٍ وَقَصَب . اهـ .
وفي رواية للبخاري : وَلاَ وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلاَ قَزَعَةً وَلاَ شَيْئًا .
والمراد نفي السحاب كثيره وقليله .

16 = " وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ "
قال النووي : هُوَ بِفَتْحِ السِّين الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللام ، وَهُوَ جَبَل بِقُرْبِ الْمَدِينَة . اهـ .

17 = " مِنْ بَيْتٍ وَلا دَارٍ "
يُشترط في الدار أن تكون مَبنية .
وأما البيت فهو المكان الذي يعتاد الإنسان أن يبيت فيه ، أي : يقضي الليل نام أمْ لم يَنمَ . ولا يشترط فيه أن يكون مَبْنِيًّا .
قال ابن دقيق العيد : وَقَوْلُهُ " وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلا دَارٍ " تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ " وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلا قَزَعَةٍ " ؛ لأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ السَّحَابَةَ طَلَعَتْ مِنْ وَرَاءِ سَلْعٍ . فَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ لأَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ الْقَزَعَةُ مَوْجُودَةً ، لَكِنْ حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رُؤْيَتِهَا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ دَارٍ لَوْ كَانَتْ . اهـ .

18 = " فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ "
قال القاضي عياض : قوله : سحابة مثل الترس " ظاهره بِقَدْر الترس . وقال ثابت : ليس كذلك ولكنه أراد أنها مستديرة كالترس ، وهو أحْمَد السحاب . اهـ . أي : أفضله .
وقال ابن حجر : قوله : "مثل الترس" أي : مُسْتَدِيرة ، ولم يرد أنها مثله في القَدْر ؛ لأن في رواية حفص بن عبيد الله عند أبي عوانة " فنشأت سحابة مثل رِجْل الطائر وأنا أنظر إليها " فهذا يُشعر بأنها كانت صغيرة . اهـ .
والترس : آلة تُستخدم في الحرب ، يَتَتَرَّس بها الْمُقاتِل .

19= " فَلا وَاَللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا ": أي : أسبوعا .
وفي رواية : فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ وَمِنْ الْغَدِ وَبَعْدَ الْغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ حَتَّى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى .
وفي رواية : ما رأينا الشمس سِتّا . فإما أن تكون على الغالب ، وإما أن تكون تحرّفت مِن سَبتا .

20 = كيف الجمع بين قوله في حديث الباب : " فَلا وَاَللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلا قَزَعَةٍ , وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلا دَارٍ . قَالَ : فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ . فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ "
وبين قوله في رواية للبخاري : فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً ، فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟

يُحتَمَل أن وصفهم لذلك وَهُم في المسجد ، لا يَرون سحابة ولا شيئا ، ثم نشأت سحابة رأوها وَهُم في المسجد ، لأنه لم يكن يَحجبهم شيء عن الجبل . ثم أمطرت ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُكمل خُطبته.

21 = قوله : " فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ " فيه : جواز نسبة الفِعل إلى الْمُبَاشِر .
ومثله : قول عائشة رضي الله عنها : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى مَخِيلة في السماء أقبل وأدبر ودخل وخرج وتغيّر وجهه ، فإذا أمطرت السماء سُرِّي عنه . رواه البخاري ومسلم .
وحديث أبي سعيد رضي الله عنه ، وفيه : فَمَطَرت السماء فَوَكَف المسجد .
فقول " أمطرت السماء " ليس مِن نسبة الفعل إلى السماء ، ولكن مِن نسبة الجهة ؛ لأن السماء تُطلَق على العلوّ .
وقال ابن حجر : قوله : " فإذا أمطرت السماء سُرِّي عنه " فيه : رَدّ على مَن زعم أنه لا يُقال أمطرت إلاّ في العذاب ، وأما الرحمة فيقال مطرت . اهـ .

22 = قال القرطبي في " الْمُفْهِم " : وقوله في الثانية : " هلكت الأموال ، وانقطعت السبل " ؛ أي : لامتناع الرعي والتصرف ؛ لكثرة المطر . اهـ .
وفي رواية للبخاري : فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ ، وَغَرِقَ الْمَالُ ؛ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا .

23 = " اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ " قال ابن عبد البر : الآكام هي الكُدى والجبال مِن التراب ، وهي جمع أكَمَة ، مثل رقبة ورِقاب ، وعَتبة وعتاب ، وقد تجمع على آكام مثل آجام . ومنابت الشجر مَواضِع المرعَى حيث تَرعى البهائم . اهـ .
قال القرطبي في " المفهِم " : و" الآكام" : جمع أكمة ، وهي : دون الجبال .
وقال الخليل : الأكَمة : هو تل . و"الظِّراب" : الروابي ، واحدتها : ظرب .
وقال الثعالبي : الأكَمة : أعلى مِن الرابية . اهـ .

24 = بركة دعائه عليه الصلاة والسلام ، وكَرامته على الله ، ومعجزاته الظاهرة الباهرة .
فقد أجاب دعاءه في إنزال المطر ، وأجاب دعاءه في كشف تواصل المطر .
قال النووي : فِي هَذَا الْفَصْل فَوَائِد مِنْهَا الْمُعْجِزَة الظَّاهِرَة لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِجَابَة دُعَائِهِ مُتَّصِلًا بِهِ حَتَّى خَرَجُوا فِي الشَّمْس . وَفِيهِ أَدَبه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدُّعَاء ، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْأَل رَفْع الْمَطَر مِنْ أَصْله ، بَلْ سَأَلَ رَفْع ضَرَره وَكَشْفه عَنْ الْبُيُوت وَالْمَرَافِق وَالطُّرُق بِحَيْثُ لا يَتَضَرَّر بِهِ سَاكِن وَلا اِبْن سَبِيل ، وَسَأَلَ بَقَاءَهُ فِي مَوَاضِع الْحَاجَة بِحَيْثُ يَبْقَى نَفْعه وَخِصْبه ، وَهِيَ بُطُون الأَوْدِيَة وَغَيْرهَا مِنْ الْمَذْكُور .
وقال أيضا : وَمُرَاده بِهَذَا الإِخْبَار عَنْ مُعْجِزَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَظِيم كَرَامَته عَلَى رَبّه سُبْحَانه وَتَعَالَى ؛ بِإِنْزَالِ الْمَطَر سَبْعَة أَيَّام مُتَوَالِيَة مُتَّصِلاً بِسُؤَالِهِ مِنْ غَيْر تَقْدِيم سَحَاب وَلا قَزَع ، وَلا سَبَب آخَر لا ظَاهِر وَلا بَاطِن ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْله : " وَمَا بَيْننَا وَبَيْن سَلْع مِنْ بَيْت وَلا دَار " أَيْ نَحْنُ مُشَاهِدُونَ لَهُ وَلِلسَّمَاءِ ، وَلَيْسَ هُنَاكَ سَبَب لِلْمَطَرِ أَصْلاً . اهـ .

25 = في روية : فضحك " ، وفي رواية ثابت : " فتبسم " ، زاد في رواية حميد : " لسرعة مِلال ابن آدم". أفاده ابن حجر .

26 = هل الداخِل في الجمعة الثانية هو نفس الرجل الذي سأل في الجمعة الأولى ؟
اخْتُلِف في ذلك .
في حديث الباب : قَالَ شَرِيكٌ : فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ : أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ ؟ قَالَ : لا أَدْرِي .
وفي رواية للنسائي : قال شريك : سألت أنَسًا : أهو الرجل الأول ؟ قال : لا .
وقال النووي : قَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة لِلْبُخَارِيِّ وَغَيْره أَنَّهُ الأَوَّل .

27 = فيه أن الله عزّ وَجَلّ يُنشئ السحاب كيفما شاء متى شاء ، ولا يرتبط ذلك بعملية تبخّر ولا بِغير ذلك مما يعتقده أهل الطبيعة .
قال الله عزّ وَجَلّ : (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ) .
وقال عزّ وَجَلّ في خبر يوم بَدْر : (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ) .
وفي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ربه الغيث ، فأغاثهم في الحال .
وكذلك في قصة سؤال أبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه : فرفع يده فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأظْلَمَت ثم سَكَبت . وقد تقدّمت القصة .
وسيأتي أيضا في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ .
وفي قصص ووقائع كثيرة ؛ حصل ووقع نحو هذا .

وبالله تعالى التوفيق .

 

عمدة الأحكام
  • كتاب الطهارة
  • كتاب الصلاة
  • كتاب الصيام
  • كتاب الحج
  • شرح العمدة
  • مـقـالات
  • بحوث علمية
  • محاضرات
  • فتاوى
  • الصفحة الرئيسية