اطبع هذه الصفحة


شرح أحاديث عمدة الأحكام
حديث 178 في زكاة الركاز

عبد الرحمن بن عبد الله السحيم


عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ . وَالْبِئْرُ جُبَارٌ . وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ . وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ .
الجبار : الهدر الذي لاشيء فيه . والعجماء : الدابة البهيم .

في الحديث مسائل :

1= العجماء – كما فسّرها المصنف – هي : الدابة . قال النووي : وَسُمِّيَتْ الْبَهِيمَة عَجْمَاء ؛ لأَنَّهَا لا تَتَكَلَّم

2= معنى : جُبَار : أي : هَدَر .
وفي رواية في الصحيحين : الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ .
وفي رواية للبخاري : الْعَجْمَاءُ عَقْلُهَا جُبَارٌ .
والمقصود بالعقل : الدِّيَة . قال الإمام مالك : وتفسير الجبار أنه لا دِية فيه .

3= اخْتُلِف في ضَمان ما أتْلَفَتْه الدَّوَاب .
قال الإمام البخاري : بَاب الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ . وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : كَانُوا لا يُضَمِّنُونَ مِنْ النَّفْحَةِ ، وَيُضَمِّنُونَ مِنْ رَدِّ الْعِنَانِ . وَقَالَ حَمَّادٌ : لا تُضْمَنُ النَّفْحَةُ إِلاَّ أَنْ يَنْخُسَ إِنْسَانٌ الدَّابَّةَ . وَقَالَ شُرَيْحٌ : لا تُضْمَنُ مَا عَاقَبَتْ أَنْ يَضْرِبَهَا فَتَضْرِبَ بِرِجْلِهَا . وَقَالَ الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ : إِذَا سَاقَ الْمُكَارِي حِمَارًا عَلَيْهِ امْرَأَةٌ فَتَخِرُّ لا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : إِذَا سَاقَ دَابَّةً فَأَتْعَبَهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ ، وَإِنْ كَانَ خَلْفَهَا مُتَرَسِّلا لَمْ يَضْمَنْ .

وقال النووي : فَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْعَجْمَاء جُرْحهَا جُبَار " فَمَحْمُول عَلَى مَا إِذَا أَتْلَفَتْ شَيْئًا بِالنَّهَارِ أَوْ بِاللَّيْلِ بِغَيْرِ تَفْرِيط مِنْ مَالِكهَا ، أَوْ أَتْلَفَتْ شَيْئًا وَلَيْسَ مَعَهَا أَحَد فَهَذَا غير مَضْمُون ، وَهُوَ مُرَاد الْحَدِيث ... وَالْمُرَاد بِجُرْحِ الْعَجْمَاء : إِتْلافهَا ، سَوَاء كَانَ بِجُرْحٍ أَوْ غَيْره . قَالَ الْقَاضِي : أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ جِنَايَة الْبَهَائِم بِالنَّهَارِ لا ضَمَان فِيهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا أَحَد ، فَإِنْ كَانَ مَعَهَا رَاكِب أَوْ سَائِق أَوْ قَائِد فَجُمْهُور الْعُلَمَاء عَلَى ضَمَان مَا أَتْلَفَتْهُ .
وقال الحافظ العراقي : قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ : إنَّمَا لا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى أَصْحَابِ الْبَهَائِمِ إذَا كَانَ ذَلِكَ نَهَارًا ، فَأَمَّا إذَا كَانَ بِاللَّيْلِ فَإِنَّ عَلَيْهِمْ حِفْظَهَا ، فَإِذَا انْفَلَتَتْ بِتَقْصِيرٍ مِنْهُمْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَتْهُ ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةُ الأَنْصَارِيِّ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : كَانَتْ لَهُ نَاقَةٌ ضَارِيَةٌ فَدَخَلَتْ حَائِطًا فَأَفْسَدَتْ فِيهِ ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا ، فَقَضَى أَنَّ حِفْظَ الْحَوَائِطِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهَا ، وَأَنَّ حِفْظَ الْمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلَى أَهْلِهَا ، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ .

4= قوله : " وَالْبِئْرُ جُبَارٌ " ، أي : البئر التي يحفرها الإنسان في أرضه ثم يسقط فيها أحد ، فإنه لا يضمن .
وبوّب عليه البخاري : بَاب مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ لَمْ يَضْمَنْ .
قال النووي : " الْبِئْر جُبَار " مَعْنَاهُ : أَنَّهُ يَحْفِرهَا فِي مِلْكه ، أَوْ فِي مَوَات فَيَقَع فِيهَا إِنْسَان أَوْ غَيْره وَيَتْلَف فَلا ضَمَان ، وَكَذَا لَوْ اِسْتَأْجَرَهُ لِحَفْرِهَا فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ فَمَاتَ ، فَلا ضَمَان .

5= قال ابن حجر : قَوْلُهُ : " وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ " أَيْ : هَدَرٌ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لا زَكَاةَ فِيهِ ، إِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ اِسْتَأْجَرَ رَجُلا لِلْعَمَلِ فِي مَعْدِنٍ مَثَلا فَهَلَكَ فَهُوَ هَدَرٌ ، وَلا شَيْءَ عَلَى مَنْ اِسْتَأْجَرَهُ .
ويُؤيِّد هذا ما جاء في رواية لمسلم : وَالْمَعْدِن جَرْحهَا جُبَار .
قال النووي : " وَالْمَعْدِن جُبَار " مَعْنَاهُ : أَنَّ الرَّجُل يَحْفِر مَعْدِنًا فِي مِلْكه أَوْ فِي مَوَات فَيَمُرّ بِهَا مَارّ فَيَسْقُط فِيهَا فَيَمُوت ، أَوْ يَسْتَأْجِر أُجَرَاء يَعْمَلُونَ فِيهَا فَيَقَع عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُونَ ، فَلا ضَمَان فِي ذَلِكَ . اهـ .
وقال ابن حجر : وَيَلْتَحِق بِالْبِئْرِ وَالْمَعْدِن فِي ذَلِكَ كُلّ أَجِير عَلَى عَمَل ، كَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى صُعُود نَخْلَة فَسَقَطَ مِنْهَا فَمَاتَ . اهـ . أي : أنه لا يُضمَن .
وقالت الشافعية : إن مراده عدم الخمس في المال الحاصل مِن المعدن .

6= قال مالك : الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا ، والذي سمعت أهل العلم يقولون إن الركاز إنما هو دفن يوجد مِن دفن الجاهلية ما لم يُطلب بِمَال ، ولم يُتكلّف فيه نفقة ، ولا كبير عمل ، ولا مؤونة ، فأما ما طُلِب بِمَال وتكلف فيه كبير عَمل ، فأُصِيب مرة ، وأخطئ مرة ؛ فليس بركاز .
قال ابن عبد البر : يريد مالك بِقوله هذا أنه ما لم يكن رِكازا فَحُكْمه حُكْم المعادن . اهـ .

ومذهب الْجُمْهُور في الرِّكاز أَنَّهُ الْمَالُ الْمَدْفُونُ .

ويَجب فيه الْخُمس إذا كان كَما قال الإمام مالك ، أي : إذا وُجِد مِن دفن الجاهلية ما لم يُطلب بِمَال ، ولم يُتكلّف فيه نفقة ، ولا كبير عمل ، ولا مؤونة

7= الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لا فَرْقَ فِي الرِّكَازِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، وَلا يُعْتَبَرُ فِيهِ الـنِّصَابُ . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ . قاله ابن دقيق العيد .
ولا يُعتبر فيه حُلول الْحَوْل .

8= قال الحافظ العراقي :
لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ مَنْ يُصْرَفُ لَهُ الْخُمُسُ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الزَّكَوَاتِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنَّهُ يُصْرَفُ مَصْرِفَ خُمُسِ الْفَيْءِ ، وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيّ ، وَهُوَ قَوْلٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ . وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ : وَالثَّانِيَةُ أَصَحُّ وَأَقْيَسُ عَلَى مَذْهَبِهِ .

والله تعالى أعلم .

 

عمدة الأحكام
  • كتاب الطهارة
  • كتاب الصلاة
  • كتاب الصيام
  • كتاب الحج
  • شرح العمدة
  • مـقـالات
  • بحوث علمية
  • محاضرات
  • فتاوى
  • الصفحة الرئيسية