اطبع هذه الصفحة


رموز العطاء وملوك التضحية

أ. عبدالله بن محمد بادابود


بسم الله الرحمن الرحيم


نخرج لهذه الحياة بصرخات صاخبة ودموع حارقة.

نخرج بعد رحلة تسعة أشهر، رحلة معاناة اختلطت بدفء وعطاء، رحلة ألم مُزِجت بأملٍ، رحلة عذاب تحوَّلت لحب عذبٍ!

فارس الرحلة وقائدها هي الأم، التي تحمَّلت المتاعب لأجل طفلها، طغى حبها على ألمها، الحب العذب النقي لم يكن حبًّا زائفًا، أو حبًّا لغرض دنيوي ظاهر!

هو حب فطري، فَطَر الرحيم - عز وجل - قلبها عليه؛ لتستمر عجلة البناء، وتنتظم دائرة البقاء، بقاء الإنسان بتكاثره وتوالُده على هذا الكون؛ ليكون خليفة في الأرض.

تمر الأيام سريعة، لتكبر أجسامنا، وتنمو أفكارنا!

مع مرور الأيام يزداد حب الأم لطفلها، حب يجعلها تضحي عن أبسط حقوقها، يجعلها تتغاضى عن أخطاء ابنها، يجعلها تصبر على زلاَّت وليدها!

الأم المدرسة العظيمة، التي تخرج أجيالاً وأجيالاً، دورها أكبر من دور الأب الذي قد يشغل بعمل وكدحٍ طوال اليوم، دورها أكبر من مدرسة يقضي فيها الابن بعض اليوم!

حقها عظيم، وفضلها علينا أعظم، ليتنا نؤدي الحق ونذكر الجميل!

لا تريد منا شكرًا؛ فهي تقدِّمه لنا حبًّا، وتريد منا قربًا واتصالاً ووصالاً.

أحبتي، ليكن شعارنا مستقى من هذا الحديث، قال رجل: يا رسول الله، مَن أحق الناس بحُسن الصحبة؟ قال: ((أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك))؛ رواه مسلم.

الأب مَلِك التضحية، ونبراس يضيء لنا دروب الحياة؛ يكدح طوال اليوم، قطرات عرقه الطاهرة تتساقط، ويمسحها بفرحة العامل الذي يسعى ليكفَّ نفسه وأهلها ذلَّ السؤال.

الأب الذي يعود آخر اليوم رغم تعبه وألمه، رغم الجهد الذي بذله، رغم ذلك - لا يبخل بوقت لطفله، يداعبه يلاعبه، يعيش معه لحظات سعيدة.

الأب الذي يقدِّم الكثير، ولا ينتظر من ابنه أي شيء!

الأب الذي يريد ابنه أفضل منه، علمًا وخلقًا!

الأب الذي يتعاهد بناء شخصية ابنه، يَسقيها بالأخلاق الحسنة، وينتظر الحصاد بعد عناء السنوات، وكدْح الأيام.

ليفاجَأ أحيانًا بابنٍ عاقٍّ، يكسر قلبًا أحبه، ورُوحًا تشتاق له، يهجر والدَه لا يَصِله باتصال، ولا يرهق نفسه السؤال عن الحال!

ولا يجرؤ الأب على رفع كفيه ليدعو عليه؛ لأنه يحبه، ليردِّد الدعوات الصادقة: يا رب، احفظ ابني من كل سوء، واكفِه شرَّ صحبة السوء.

الأب والأم: يقدمان دورةً مجانية للتضحية، يقدمان دروسًا في الحب، يقدِّمان أعلى مراتب الحب الصافي النقي.

باختصار: إن كان والداك على قيد الحياة، فسارِع وقبِّل الأرجل والأيدي!

سارع واطلب الرضا؛ لتسعد سعادة الدنيا والآخرة، قدِّم لهما الهدية الرائعة, والكلمة الراقية، والابتسامة النقية.

رحلة معهما لتجديد رُوح الشباب لديهما، عشاء في مطعم؛ لتُشعرهما بقربك منهما، دعوة صادقة لهما بطول العمر وحُسن الختام.

إن فقَدت أحدهما، ووُسِّد التراب، فباب البِرِّ مفتوح، قدِّم الدعاء، وقدِّم الصدقة، وقدِّم الحج والعمرة؛ ليصل له الثواب في قبره، يُنير قبره ببركة عمل ولده البار.

يا رب، ارزقنا بِرَّ والدينا!

هدى:
قال - تعالى -: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا * رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا ﴾ [الإسراء: 23 - 25].

نور من السنة:
عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغِم أنف))، قيل: مَن يا رسول الله؟ قال: ((مَن أدرك أبويه عند الكِبَر أحدَهما أو كليهما، فلم يدخل الجنة))؛صحيح مسلم.



بقلم : عبدالله بن محمد بادابود
A.Badabood@gmail.com
تويتر
@ABADABOOD



 

عبدالله بادابود
  • مقالات
  • كتب
  • دورات
  • الصفحة الرئيسية