اطبع هذه الصفحة


المناعة الفكرية

أ.د. عبدالكريم بكار

 
(1)

زود الله –تعالى- أجسامنا بجهاز للمناعة، يساعدها على المحافظة على آلية عملها، وعلى صيانتها من الوافدات الأجنبية التي يمكن لها أن تضرَّ بها، وتقضي على سلامتها. وجهاز المناعة لدى الإنسان قوي إلى حد مدهش، فالجسد بسبب ذلك الجهاز يظل يقظاً حيال ما يدخل في نسيجه مهما طال الزمان، فالذي تُزرع له كلية – مثلاً – يظل في حاجة إلى أن يأخذ أدوية لتثبيط المناعة في الجسم مدى الحياة!.
نحن على المستوى الفكري في حاجة إلى جهاز مناعة مماثل من أجل حماية فكر الأمة من التدمير، ومن أجل إبقائه في حالة من النشاط المكافئ للتحديات التي تواجهنا. وعلينا أن نسلَّم منذ البداية بأننا لن نحصل على نظام لحماية تفكيرنا وأفكارنا كالنظام الذي زوّد الله – تعالى- به أجسامنا، فهذا هبة تامة كاملة. أما ما سنصل إليه باجتهادنا فإنه جهد بشري فيه كل نقائص البشر وكل أشكال قصورهم. وإنما علينا أن نصل إلى أفضل ما يمكن الوصول إليه. وإذا تأملنا في هذه القضية وجدنا أننا في حاجة إلى فهم أمور والعمل بها، إلى جانب حذر أمور واجتنابها. ولعلي أتحدث في هذه وتلك بما يقرَّب هذه القضية إلى الأذهان على نحو ملائم.

أولاً: الأمور التي ينبغي استيعابها:
إن الفكر الإسلامي هو عبارة عن مجموعة الرؤى والتحديدات والطروحات والاجتهادات التي توصل إليها العقل المسلم من خلال اشتغاله على النصوص والأحكام والأدبيات الشرعية والإسلامية، وذلك بغية استيعاب الواقع الموضوعي والارتقاء به وحل مشكلاته. والأفكار هي ثمرات تشغيل العقل، وهي أشبه بالزبدة التي يحصل عليها الفلاح حين يقوم بخضّ اللبن. والتفكير هو ذلك الخضّ التي تقوم به عقولنا لمجموعة ما نملك من مبادئ ونعرف من نواميس وسنن ومعلومات ومعطيات معرفية. إنه بعبارة أخرى انطلاق من معلوم من أجل الوصول إلى مجهول. ومن المهم أن ندرك أن إحاطة عقولنا بما نعدّه معلوماً من مبادئ ومعارف... تظل إحاطة ناقصة وقاصرة، كما أن الجهود العقلية التي نبذلها في سبيل التوصل إلى بلورة رؤى ومفاهيم جديدة تظل هي الأخرى نسبية في اكتمالها ونضجها؛ مما يعني أن عمليات الاجتهاد يجب أن تظل مستمرة؛ لأنها لن تبلغ في أي يوم من الأيام المستوى الذي ينقطع عنده الجدل، وتظهر فيه الحقائق على نحو كامل. ويعني هذا أيضاً شيئاً آخر هو تفاوت الآراء والاجتهادات التي سنتوصل إليها. وهذا التفاوت ناتج من تفاوت إدراكنا لجوهر المعطيات التي تشتغل عليها عقولنا، ومن تفاوت عمليات التفكير التي نقوم بها، حيث لا نملك ما يمكن أن يجعلها موحدة ومتجانسة. ومن هنا فإن اتفاق الناس في الفروع و الجزئيات لا يكون أبداً فضيلة أو شيئاً يُطمأن إليه. إنه يدل على أن العقول توقفت عن العمل لتقف على أرضية مشتركة من التلاشي والعدم فالحياة دائماً متنوعة وملوَّنة . أما السكون والموت فهو شيء واحد بإطلاق.
ومن هنا فإن الاختلاف في إطار المبادئ والقواعد الكبرى يعبرّ دائماً عن حيوية فكرية، نحن في أمس الحاجة إليها. ولكن علينا دائماً أن نسعى إلى جعل الخلاف يقوم على أصول عقلية وشرعية معتبرة ومعترف بها.
كما أن علينا أن نشجع الحوار والنقد المؤطر والمحلى بالأدب والخلق الإسلامي الرفيع، بعيداً عن التجريح والاتهام ومحاسبة الناس على نواياهم. ومن المهم في هذا السياق أن نحذر شيئين: الجهل والظلم. كما أن من المهم كذلك أن نفصل بين المعطيات والأمنيات وألا نطلق العبارات الرنانة إذا كنا لا نملك من البراهين ما يوفر لها تغطية منطقية واستدلالية مقبولة. إن هذا يساعد مساعدة كبيرة على بناء جدار المناعة الفكرية الذي علينا جميعاً أن ننهض لتشييده.
إن العقل في الرؤية الإسلامية عبارة عن قوة إدراكية عظمى، امتنّ بها البارئ – جل ثناؤه- على بني الإنسان. ومع أنه يملك بفطرته مجموعة من المبادئ التي تساعده في إنجاز بعض المهمات إلا أنه يظل غير قادر على الاستقلال بنفسه في محاكمة الأشياء ورسم طريق المستقبل، بل إنها نفسية يسهل خداعها، واستسلامه أمام الخبرة العريقة مشاهد وملحوظ.
إن العقل لا يستطيع من غير إرشاد من خارجه الوصول إلى معرفة العلل الأولية ولا الغايات النهائية للوجود. وهو لا يملك محكّات جيدة لتحديد المهم من غير المهم، ولا يستطيع الفرز بين النافع والضار والخير والشر وتحديد ما هو نافع حالاً ضار مآلاً في كثير من الأحيان... وقد شبَّه بعض علمائنا القدامى العقل بوصفه آلة الإدراك بالعين بوصفها آلة الإبصار. وكما أن العين مهما كانت سليمة وجيدة لا ترى الأشياء إلا إذا غمرها النور، فإن العقل لا يرى الأشياء إلا إذا غمرتها المعرفة، ولهذا فرؤية المشكلات تحتاج إلى معرفة، ولا مشكلات بدون معرفة كما أن لا حلول لها أيضاً من غير علم. الأشياء لا تُرى إلا إذا وجدت العين ووجد النور، والأمور لا تدرك على النحو المطلوب إلا إذا وجد العقل ووجد العلم. والمعرفة دائماً هي خبز الدماغ الذي يقتات عليه. ومن غير ذلك الخبز تنهار عمليات الدماغ، وتنحط إلى المستوى الأدنى. وحين نفكر في مسألة دينية محضة فإن المعرفة المطلوبة آنذاك تكون معرفة إيمانية شرعية. وحين نفكر في مسألة دنيوية، فإننا نحتاج بالإضافة إلى ذلك إلى معرفة فنية مهنية متخصصة. وهذه الرؤيا للعقل والتي تمت بلورتها قبل ما يزيد على عشرة قرون هي آخر ما توصل إليه العقل والعلم في العصر الحديث، حيث يجري اليوم تشبيه العقل البشري بالعقل الإلكتروني أو الحاسب الآلي والذي قال فيه أحدهم إنه في آن واحد أذكى وأغبى آلة اخترعها الإنسان. وكما أن الحاسب الآلي لا يعمل من غير برامج نحمّلها عليه؛ فإن العقل البشري لا يعمل من غير معرفة جيدة نزوده بها.
وقد قال أحد المفكرين – بحق-: إن الذكاء لا ينفع الذين لا يملكون سواه شيئاً. وكما أن الحاسب الآلي لا يستطيع إدخال تحسينات جوهرية على البرامج التي نزوده بها ويشتغل عليها، فإن العقل البشري كثيراً ما يقف عاجزاً عن القيام بعمليات نقدية شاملة وعميقة للأصول والمعطيات التي نزوده بها ولهذا شرح طويل، لا يتسع المقام لبسطه.
وقد وقع الخلل لدينا في طبيعة الموقف من العقل من قبل طائفتين كبيرتين : طائفة وثقت بالعقل وثوقاً مطلقاً، فحملته مسؤوليات، لا يستطيع القيام بها، ووصل الوثوق إلى درجة الإعراض عن هدي الشريعة الغراء في بعض الأحيان وكانت النتيجة هي استناد العقل إلى معارف واجتهادات وخبرات بشرية متراكمة وإلى العادات والتقاليد والمألوفات السائدة. ولا يمكن لهذه وتلك أن تؤمَّن للعقل حاجاته الأساسية من المبادئ الكبرى والمعارف الصُّلبة والحكمة البالغة والرؤى الشاملة.
أما الطائفة الثانية فإنها استهانت بدور العقل، وبخسته حقه، حيث ظنت أنها من خلال معرفتها بالمنهج الرباني الأقوم – تستطيع فهم الواقع الموضوعي وتطويره والاستجابة لمتطلباته وابتلاءاته.وهي لا تدرك – في غالب الظن- الفارق الجوهري بين المنهج الرباني وفقه الحركة به، وهو فقه يعتمد أساساً على تشغيل العقل بطريقة جيدة وعلى النفاذ إلى الاطلاع على القوى الأساسية التي تشكل الواقع وتدفع به في اتجاه دون اتجاه. كما أن هذه الطائفة ربما كانت لا تدرك أن المبادئ والأحكام التي تشكل رؤيتنا الشرعية والحضارية للحياة، لا تعمل في فراغ وإنما تحتاج إلى بيئة وشروط موضوعية محددة. وتأمين تلك البيئة وهذه الشروط من مهامنا نحن، وليست من مهام المنهج الرباني.
بالعقل الذكي المسلح بالمنهج وبالخبرة والمعرفة الممتازة نستطيع توظيف المنهج وتوفير الأدوات التي تمكنه من ترشيد حركة الحياة.
في المحصلة النهائية لموقف الطائفتين وإن اختلفت على المستوى الشرعي والأخلاقي لكنها على المستوى العملي متقاربة، وهي وجود الانفصام النكد بين أمور الدنيا وأمور الدين، وبين الرؤية النظرية والواقع العملي على ما هو مشاهد في معظم أصقاع عالمنا الإسلامي . وفي حالة كهذه يكون الحديث عن المناعة الفكرية ضرباً من التفاؤل غير المسوَّغ، حيث لا تحصل الأفكار على الصلابة المرجوة إلا من خلال توازن عميق ودقيق بين المعقول وبين المنهج وآليات تطبيقه وتوظيفه .

(2)

إن كثيراً من القضايا التي تشغل المفكرين المسلمين اليوم تتصل على نحوٍ ما بالواقع الذي تعيشه أمّة الإسلام. وهم يعملون على نحو أساسيّ في إيجاد حلول للمشكلات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة من أفق ثوابت الإسلام ومبادئه الكبرى، وإنّ أولئك المفكرين لن ينجحوا في مساعيهم النجاح المنشود إلا إذا استطاعوا إيجاد تيار شعبيّ يتجاوب مع طروحاتهم، ويشارك في علميات التغيير والإصلاح التي يقومون ببلورتها ورسم حدودها. وهذا في الحقيقة يتطلب –فيما يتطلب- أمرين أساسين:
الأول: أن يتمكن المفكّرون المسلمون من إبراز أفضل وأوضح صورة ممكنة للواقع الذي يريدون معالجته، تماماً كما يفعل الطّبيب قبل أن يصف أيّ دواء. وإنّ بعض الأمراض يستغرق شهوراً من هيئة طبية متخصصة حتى يتمّ تشخيصه وتحديده على نحو جيّد. ويجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن تشخيص الدّاء الأخلاقيّ أو الاجتماعيّ... هو أصعب -بما لا يقارن- من تشخيص الدّاء الجسديّ. وذلك يعود إلى أنّ أيّ توصيف لوضعيّة اجتماعيّة أو أخلاقيّة... يعتمد أساساً على التعريف لتلك الوضعيّة. والتعريفات في الشأن الإنسانّ تعاني دائماً من القصور الذاتّي، وتعاني من الانتقائيّة والنسبيّة والغموض. ومع هذا فإنّنا حين نتعامل مع مشكلاتنا بعقل مفتوح وبمرونة ذهنيّة جيدة؛ فإنه يمكن الاستدراك والتلافي لكثير من النقص في عمليات التّشخيص والتقويم.
الأمر الثاني: يتجسّد في بلورة خطاب يمكن وصفه بأنه من قبيل السّهل الممتنع. خطاب يصور الواقع بعمق الفكرة وبساطة الأسلوب. وعمق الفكرة يأتي من الفهم العميق والشّامل لذلك الواقع. وتأتي بساطة الأسلوب من فهم مستويات المخاطبين، وخلفياتهم الثّقافية، ومن المهارة في تطويع الكلمات والدلالات، وسوقها على نحو يلامس المفاهيم السائدة في أذهان المُخَاطبين.
إن من الصّعب في أجواء شديدة العمليّة وشديدة المصلحيّة – المحافظة على مناعة تفكيرنا إذا لم نُثْبِت أنّنا نملك الأفكار والطّروحات والبدائل التي تخفف من وطأة المشكلات التي يعاني منها الناس، وإذا لم نُثبت أنّ الأفكار التي نقدّمها لا تجافي روح العصر إلى حدّ بعيد، أو قل لا تتجاهل تشوّقات الناس وطموحاتهم على نحو كامل. وإنما أقول هذا الكلام لأنّ الناس – ولو كانوا ملتزمين- إذا لم يجدوا لدينا ما يحسَّن مستوى عيشهم وأوضاعهم الأدبيّة والماديّة؛ فإنهم سوف يلتمسون ذلك لدى الآخرين، وسوف يدفعنا ذلك –بالتالي- إلى تقديم تنازلات غير مؤصلة وغير منضبطة بضوابط الشريعة. وإني ألمح شيئاً من هذا يجري اليوم في عدد من المجالات!
الإبداع في الحلول، وعدم ترك المشكلات تتراكم، والشّجاعة في تقديم البدائل.. شروط أساسيّة لإبقاء أنظار الجماهير متعلقة بالرُّؤية الإسلاميّة للإصلاح، ومتعلقة بمن يقدمون تلك الرؤية من مفكرين وعلماء ومصلحين.
هذا يتطلب أول ما يتطلب فهْم الواقع الذي نريد علاجه؛ فأحكام الإسلام وآدابه ومراميه الحضاريّة ورُؤاه الإصلاحية موجودة في عقولنا ومكتباتنا، تماماً مثل الألوف من أنواع الأدوية الموجودة في (الصيدليات) ومخازن الأدوية. والطّبيب الماهر هو الذي يأمر بإخراج دواء من تلك المخازن دون دواء بحسب رؤيته لداء مريضه.
إنّ كثيرين منا – ولا سيّما الشباب- يسارعون إلى الإدّعاء بفهم الواقع والإحاطة به، مع أنهم لم يبذلوا أيّ جهد متميز في فهمه ومقاربته، ولا يُعرف لهم أيّ اختصاص دقيق في معالجة شؤونه!
إن الواقع أشبه بمادة هُلاميّة فهو شديد الطّواعية والقابليّة للتّشكيل؛ لكن تلك الطواعية خادعة؛ فهو يطاوعنا حتى نظنّ أنّنا قد سيطرنا عليه سيطرة تامة؛ وهو في حقيقة الأمر محتفظ بطبيعته الخاصة، تماماً كما تفعل ذلك المواد الهلاميّة. إنّ الواقع العام يحتفظ بقدرته على البقاء في حيّز الغموض والتعقيد والتشابك والتّداخل، إنه أشبه بأخطبوط له ألف رأس وألف رجل وألف يد. وتكون ثمرة كل ذلك القابليّة للقراءات والتأويلات والتفسيرات المختلفة. ومن هنا تأتي صعوبة التعامل معه. وتستطيع أن تدرك ذلك بسهولة إذا سألت خمسة من الدّعاة أو العلماء أو المصلحين أو المفكرين – توصيف وضعيّة معينة في أحد المجتمعات أو إحدى البيئات الإسلاميّة، كالالتزام أو العدل أو العفة أو الحرية....
وأنا لا أريد من وراء هذا الكلام سوى شيء واحد هو إدراك حجم المهمات التي نُقْدم عليها؛ فلا نتهاون ولا نتعسف ولا نتعجَّل.

إذا صحَّ هذا التحليل وهذا التنظير؛ فإن السؤال الذي يقفز أمامنا هو: ما الأدوات وما المناهج التي يجب أن نستخدمها حتى نحصل على صور مقاربة لحقيقة الأوضاع التي نريد معالجتها؟
في تصوُّري أنّ أيّ جواب سأقدّمه عن هذا التساؤل سيكون قاصراً؛ لأنّ النّظام اللغويّ الذي نستخدمه في تصوير ما نريد تصويره يظلّ دائماً في حالة من القصور الذاتّي؛ إنه ناقل غير جيّد وغير كُفء. فإذا أضفنا إلى ذلك أن تصوري عن المناهج والأدوات التي يجب استخدامها في اجتراح ذلك الواقع هو الآخر غير تام وغير واضح وغير دقيق – فإنك ستدرك كم يحتاج جوابي إلى تكميل وإلى نقد وتمحيص. لكن لا بد أن نقول ما توصّلنا إليه، وسنعتبر ذلك أفضل ما هو ممكن إلى أن يتوفر لدينا ما هو أفضل منه.
1- نحن نحتاج في بداية الأمر إلى تعريف ما نريد معرفته، فإذا كنا نريد أن نُعَرَّف سوية الالتزام في مجتمع من المجتمعات – مثلاً-؛ فإن علينا أن نُعرَّف الالتزام وأن نذكر مقصودنا من هذه الكلمة. إنّ الذي ضاع منه ولده في إحدى الأسواق الكبرى، ويطلب مساعدة الناس على العثور عليه في حاجة -كي يستطيعوا مساعدته- إلى أن يذكر لهم اسمه وحِلْيته من لون وطول وشكل، وأن يذكر لهم لون ونوع الثّياب...؛ وإلا فإنهم قد لا يستطيعون تقديم أي خدمة له.
ونحن بسبب الطريقة التي تعلمنا بها في المدارس والجامعات – قد أدمنَّا الحلول السَّهْلَة؛ ولذا فإننا لا نملك رصيداً ذا قيمة على صعيد التّعريفات والمصطلحات؛ لأنّ الوصول إلى تعريف أو توصيف جيد ليس بالأمر اليسير، ويمكن القول: إنّ التّوصيف الجيّد لأيّ مشكلة يشكّل نصف الحلّ المطلوب. ويتمثل النّصف الثّاني في العثور على العلاج الملائم.
سيكون من المفيد جداً أن نبدأ في كل جلسة حوار أو جلسة تفكير وعصف أو إمطار ذهنّي وفي كل معالجة لقضية شائكة- بذكر التّعريف لما نريد بحثه وتحديد معاني المصطلحات التي سنستخدمها أثناء البحث. وعندما نتخذ من هذا تقليداً ثقافيًّا فسيتَّضح لنا شيئان مهمان:
الأول: صعوبة وضع التّعريفات وصعوبة الحصول على توصيفات جيّدة.
أما الثّاني فهو: عظم الفائدة التي سنحصل عليها من وراء ذلك.
وللحديث صلة..
ومن الله – تعالى- الحوْل والطَّوْل..

(3)

ذكرت في المقال السابق أن أول خطوة علينا أن نخطوها على صعيد فهم الواقع والإلمام به، تتمثل في تحديد التعريفات والمصطلحات بوصف ذلك الركيزة الأساسيّة لكل ما سيأتي بعده من جهد على هذا الصّعيد. ولعلي أتابع في هذا المقال باقي الخُطُوات في هذا الشأن.
أعتقد أن علينا بعد التعريف الجيد للمسألة التي نريد فهمها أن نقوم بتفتيتها إلى أصغر وحدات ممكنة. والحقيقة أن هذا الأسلوب هو ما اتبّعه العالم على مدار التاريخ في التعامل مع الكثير من المعطيات. المعرفة البشريّة – مثلاً- كانت واحدة، ونظراً لضخامتها وصعوبة تعامل العقل البشريّ معها؛ فإنّه تمَّ تقسيمها إلى علوم متباينة من أجل أفضل استيعاب لها. إذا أردنا فهم أو (تقييم) الوضع التربوي في بلد من البلدان – مثلاً- فإن علينا أن نقوم بالآتي:
1- فصْل وضع التربية في الأسر عن وضع التربية في المدارس، وعن وضع التربية في الأُطُر الخاصة مثل الجماعات الإسلاميّة. وعليك أن تقوم باستقصاء منهجي داخل كل قطاع من هذه القطاعات لفهم الأداء التربوي فيها على أفضل وجه ممكن.
2- في المدارس لا بد في سبيل العلاج وفي سبيل (التقييم) قبل ذلك من القيام بعملية تفتيت للقوى والأدوات المستخدمة في التربية والتعليم؛ فيتمّ النظر في كلٍّ منها على حدة. إن حُسْنَ التربية في مدرسة من المدارس لا يأتي من الكتب المقررة؛ لأنها موحدَّة على مستوى البلاد في غالب الأمر. ولذا فإن الجودة فيها قد تأتي بسبب تفوق إدارتها، أو الهيئة التدريسيّة، أو الأنشطة اللاصفيّة، أو بسبب حُسْن اختيار الطلاب ووضع شروط لقبولهم لا تضعها مدارس أخرى. وقد يكون بسبب البيئة السكانية للمدرسة. وقد يكون تفوق تلك المدرسة بسبب جودة مبانيها وتجهيزاتها المعمليّة والمخبريّة... وقد يكون بسبب حسن كل ذلك. ويمكن القيام على صعيد التفتيت بنحو ذلك في المجال الأسريّ وفي المجالات التربويّة الأخرى.
من غير هذا التفتيت لن نستطيع معرفة أسباب حسن أو سوء التربية في أي مدرسة من المدارس. وعلينا أن نلاحظ أننا هنا لا نمارس إصدار الأحكام على كل مدارس الدولة ولا المنطقة ولا المدينة. فإذا أردنا شيئًا من ذلك فإن علينا -بعد فهم واقع المدارس في منطقة- أنْ نقوم بعملية حسابيّة من أجل التوصل إلى المعدل الوسطي لحال التربية المدرسيّة في تلك المنطقة؛ حيث يمكن من خلال الدرجات التي تمنحها كل مدرسة أن نقول: إن 80% من مدارس تلك المنطقة ممتازة أو جيدة أو سيئة. ومن غير القيام بهذا فإن أحكامنا ستكون تقديرية وجزافية إلى حد بعيد. ومن هنا ندرك كم تكون درجة تعميمنا عالية وكبيرة حين نقول: إنّ التعليم في العالم الإسلاميّ هو أسوأ تعليم في العالم أو هو أحسن تعليم في العالم أو ... وبسبب هذا التعميم نُتِيح دائماً مجالاً للفهم المتعدّد وللتأويل الخاطئ والحكم البعيد عن الصّواب. إنّ تجزئة أية مشكلة إلى أصغر وحدات ممكنة يُعَدُّ خطوة أساسيّة ضمن خطوات البحث المنهجي الموثوق. البحث المنهجي مكلف جداً وشاقّ جداً. وفي العالم اليوم عشرات الألوف من مراكز البحث التربوي، وكلها يهدف إلى فهم الواقع التربوي على حقيقته، ثم العثور على وسائل لإصلاحه. ونستطيع أنْ نقول بناءً على هذا: إنّ الدول التي لا تملك – وكذلك الجماعات والمؤسسات- مراكز بحوث تربويّة جيّدة، لا تستطيع التعرف على واقعها التربويّ على النحو المطلوب.
3- بما أنّه ليس هناك تفوق تربويّ مطلق ولا تخلف تربويّ مطلق، بمعنى أنه ليس هناك مؤسسة تربويّة كاملة ولا مؤسسة تربويّة كلّها عيوب وسيئات- فإن علينا في سبيل رؤية عقلانيّة لواقع المدارس أن نستخدم (المقارنة) أداة لمعرفة ما عندنا. وقد يكون أفضل ما نُجري فيه المقارنة هو مستوى الخريجين. وفي اعتقادي أن على كل دولة إسلاميّة أن تبلور معايير دقيقة وممتازة لمعرفة مستويات الخريجين لديها. وعلى مستوى الأمة وعلى مستوى العالم يجب أنْ تكون هناك مقارنات تتعرف من خلالها كل دولة على سويّة مُخْرَجات التعليم لديها. وأذكر في هذا السياق أنّه أقيم امتحان عالميّ منذ بضع سنوات لطلاب الصف الثاني في المرحلة المتوسطة في مادّتي الرياضيات والعلوم. وقد شارك في ذلك الامتحان طلبة مختارون بعناية من أربعين دولة. ولم يشارك في ذلك المؤتمر من العالم الإسلاميّ سوى إيران والكويت. وكان ترتيب طلابهما قريباً من المؤخرة أي بعد السادسة والثلاثين – فيما أذكر- وهذا يعطي مؤشراً غير حاسم لوضع تعليم الرياضيات والعلوم لدى نموذجين في بلدين مسلمين!
ولا أريد هنا أنْ أشعَّب البحث أكثر فأكثر فيما تتم فيه المقارنة؛ فذاك حديث طويل وشائك؛ لكن وجود مراكز أبحاث تربوية جيدة لتذلل الكثير من الصعوبات.
يمكن لهذه المنهجيّة في التفتيت أنْ تُؤتي ثمارها في أي مجال أو جزء من الواقع الذي نود التعرف عليه. وعلينا ألا ننسى في كل مرحلة أننا لن نخرج من وراء كل ذلك إلا بنتائج ظنية تقديرية؛ لأنّ كل أدوات البحث وكل مفردات منهجيّته لا تتمتع بالصّلابة الكافية، لكن مع هذا نرضى بما نحصل عليه من ذلك بوصفه مساعداً لنا على اتخاذ القرار الراشد.
من الأدوات الأساسية في اكتشاف الواقع (الإحصاء) والاعتماد على الأرقام. والحقيقة أن دلالة الأرقام تتمتع ببلاغة عالية جدًا . وهذا يعود –أساسًا- إلى أنّ البنية العقليّة للإنسان تتعامل بكفاءة جيدة مع كل ما هو من قبيل (الكم) كما أنها ترتبك ارتباكاً شديداً مع كل ما هو من قبيل (الكيْف). وقد قال أحدهم : "أَعطني رقمًا أُعطِك كتابًا" فالرقم حين يقع في يد خبير يشكل بالنسبة إليه محورًا هامًّا لاستدعاء الكثير من المعطيات والدلالات والتحليلات. حين نقول لاقتصاديّ – مثلاً- ماذا تفهم من قولنا: إنّ دخل الفرد في أفغانستان لا يتجاوز خمسمائة دولار في السنة؟ وذلك الاقتصادي يعرف أنّ دخل الفرد في سويسرا يتجاوز (37) ألف دولار، وفي فرنسا (22) ألف دولار، وفي إسرائيل (18) ألف دولار . إنّه يستطيع أنْ يستشفّ وجود إدارة سيئة للموارد، ووجود جهل وأميّة وكسل وفوضى لدى الناس هناك. كما يستطيع أنْ يستشفّ وجود سرقات، ومتاجرة بالممنوعات، وأمورًا سيئة أخرى؛ لأن كل هذا وذاك يكون عادة من ضمن أسباب الفقر أو لوازمه أو نتائجه.
في حديث في صحيح مسلم ورد قوله – صلى الله عليه وسلم- : " أحصوا لي من يلفظ الإسلام" أي اعرفوا عدد من يلفظ بكلمة الإسلام وهي الشهادة. وكان جواب بعض الصحابة: "أتخاف علينا ونحن ما بين الستمئة إلى السبعمئة". إنّ هذا الطلب منه صلى الله عليه وسلم ينطوي على إشارة هامّة علينا أن نلتقطها بذكاء ووعي.
أمريكا أول دولة في العالم على مستوى توفر الأرقام والإحصاءات. وهذه الوضعية أدت إلى حضورها المتميز في كل الدراسات العالمية، حيث إن الباحثين يحتاجون إلى أرقام تساعدهم في عملهم، وهم كثيراً ما يجدون بُغيتهم لدى الأمريكيين. في العالم المتخلف ليس هناك أرقام كافية، حيث يكون الغموضُ والإبهام وسيلةً جيدة لستر الفضائح! والأرقام المتوفرة كثيراً ما تفتقر إلى الدقة والمصداقية. وفي تصوري أن على كل مؤسسة إسلامية مهما كان حجمها ومهما كان شأنها أن تحاول القيام بمسح دقيق لأوضاعها وأنشطتها وحاجاتها وميادين عملها حتى تستطيع أن توفر شرطاً هامّا لتفوقها واطّراد تقدمها.
ولا بدّ لي من الإشارة هنا إلى أن الأرقام – ربما بسبب أهمتها وحساسيتها- كثيراً ما تتعرض للتزوير والتزييف والمتاجرة. وعلينا أنْ نكون على وعي من ذلك.
لدينا ملايين الشباب المسلم العاطل عن العمل، وملايين بل مئات الملايين من الناس الذين لا يجدون عملاً نافعاً يملؤون به أوقات فراغهم. لماذا لا يقوم هؤلاء بتشكيل دوائر تطوّعيّة بسيطة لإجراء مسوحات واستطلاعات للواقع المسلم في بيئتهم الخاصّة من أجل توفير الأرقام الضروريّة لفهم أوضاعنا وإصلاحها؟!
إني لآمل أنْ ندرك -قبل فوات الأوان - أنّ هناك ضرورات منهجيّة وبحثيّة تجب مراعاتها بكل شفافية إذا ما أردنا - فعلاً - أنْ نعيش عصرنا بكرامة وكفاءة. وإنّ عمل شيء ما في الاتجاه الصحيح أنفع لنا وللأمة من التّفرغ للتّشكي وتوزيع الاتهامات ولَطْم الخدود وإطلاق الأُمنيات. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه ا لله- : إنّ بعض المسلمين يشكو وينوح كما تنوح الثّكلى إذا رأَوْا تغيّر أحوال المسلمين وما هم فيه من كَرْب. وذلك مَنْهِيٌّ عنه. وإنّ الواجب على المسلم أنْ يصبر ويحتسب ويعمل ويتّكل على الله تعالى.
وللحديث صلة

(4)

الفِكر الإسلاميّ فكر في حالة من التشكّل الدائم والصّيرورة المستمرّة، وهو في تشكّله يتأثّر بالواقع ومتطلباته، ويتأثر كذلك ببعض ما لدى التّيارات والوضعيّات الأخرى. وهذا يجعل حركة تطوّره أسرع من حركة تطوّر الفقه وحركة تطوّر الفتوى أيضاً. وهذا الفكر حتى يحافظ على مناعته وصلابته وتميّزه واستمرار نموه- مطالب إلى جانب فهم الواقع- كما ذكرت في المقالين السابقين – بفهم متطلبات الحركة الاجتماعيّة، والتي كثيرًا ما تنبعث من عمق الطبيعة البشريّة، ومن عمق الثّقافة السائدة اليوم، فهم متطلبات هذه الحركة يقتضي الانفتاح عليها. وهذا الانفتاح هو نفسه الذي يطور رُؤانا و طروحاتنا الإصلاحيّة؛ إذْ طالما كان الانفتاح على الواقع وتلمس تداعياته وإحالاته مصدرًا لكل تطور وتطوير. وإذا عَجَزنا عن فهم متطلبات تلك الحركة، وعَجَزنا عن الاستجابة لها في صورة مبادرات تنمويّة وخدميّة، فإننا سنجد أنفسنا نُدفَع نحو الهامش شيئًا فشيئًا مهما ملكنا من الأصوات الجهوريّة المدوّية، ومهما ملكنا من مواقع الهيمنة الثقافيّة ومن أدوات التأثير والإقناع.
فما الذي علينا أنْ ندركه على هذا الصعيد؟ وما الذي علينا أنْ نعمله أو نساعد على عمله؟
إنّ ما علينا في هذا الشأن كثير وكثير جدًا، لكن لعلّي أُلقي ضوْءًا خاطفًا على شيء منه عبر المفردات الثلاث الآتية:
-طبائع الناس ثابتة، فأشواقهم وطموحاتهم وما يرتاحون إليه، وما يُشعرهم بالأذى، وما يرجونه، ويخشونه ... كل ذلك ثابت ومستمر، لأنّه متصل بالفِطرة التي فطرهم الخالق –جل وعلا- عليها؛ لكنَّ وعي الناس ليس ثابتاً، إنّه متحرّك ومتقلّب، وهو كثيراً ما يكون صدًى لمصالحهم ورَغَباتهم، إلى جانب حاجاتهم الروحيّة والجسديّة والمعيشيّة.
وإحساس الناس بالثوابت أو بالحدود -والتي يجب أنْ تتوقف عندها طموحاتهم وسلوكاتهم - ضعيف وأحيانًا معدوم. ومن الواضح أنّنا كلما مضيْنا خُطوة إضافية إلى الأمام في ميادين الحضارة، ازداد وعينا تفتّحًا على مصالحنا، وصار حرصنا عليها أشد. وفي ظل الافتقار الروحيّ والأدبيّ الذي تمارسه العلومة صار الناس يشعرون -كما لم يحدث لهم في أي وقت مضى- أنّ مصالحهم تتجسّد في المزيد من فرص العمل والتملّك، والرفاهية، وراحة الأبدان، والصّعود الاجتماعيّ والبحبوحة الماليّة... وحين تترسّخ هذه الوضعيّة، وتقوى جذورها فإنّ الفوارق بين أهل التدين والالتزام وبين غيرهم في هذه الأمور لا تزداد مع الأيام إلا تضاؤلاً وانكماشًا.

ما الذي يعنيه كل هذا للمناعة الفكريّة؟
إنّ من شأن المفكر والمصلح أنْ يحتفظ بمسافة فاصلة بينه وبين الناس الذين يوجههم، ويسعى إلى مساعدتهم. وفي تلك المسافة تتبدّى صلابة المنهج الذي نؤمن به، فنسعى جاهدين إلى ردّ الناس إليه وإلى الجادّة الصّحيحة. ويتجلى فيها أيضاً الفهم الدّقيق لِعِلَل المجتمع، فيتصرف كما يتصرف الطبيب الخبير الناصح، والرحيم في تقديم الدّواء الناجع بأرفق أسلوب ممكن.
في تلك المساحة تظهر لباقتنا وحسن سياستنا وقيادتنا وحسن مجادلتنا ومداراتنا. إنّنا نخطو نحو الناس خُطُوات حتى نجذبهم إلينا خُطوة.
في تلك المسافة تظهر المرونة الذهنيّة لدينا، ويظهر ترتيبنا للأولويّات، وفهمنا العميق لطبيعة المطالب والحاجات التي لا تستقيم الحياة العامة من غيرها، ويأتي على رأس تلك المطالب صيانة حقوق الناس وكرامتهم إلى جانب مناصرة الضعيف والوقوف إلى جانبه حتى يسترد حقه. كلّنا يذكر الاختراقات التي حقّقها المذهب الاشتراكي وفرح كثير من الجماهير به أملاً في أنْ يحسَّن أحوالهم الاقتصاديّة، وأوضاعهم القانونيّة والسياسيّة، وحين وجدوا أنّ الدّعاوى أكبر من الحقيقة بل ضدّ الحقيقة المتحصّلة في كثير من الأحيان انفضّوا عنه، وثاروا عليه.

2- يحتاج الناس حاجة ماسَّة إلى من يساعدهم على تحقيق التوازن في حياتهم الشخصيّة. إنه يُهيَّأ لي في بعض الأحيان أنّ التطرّف والميل عن القصد والاعتدال، إنما هو شيء متوضع في التراث الجيني للبشريّة.
إنّنا نرى فعلاً الكثير من أنشطتنا ومواقفنا وتوجهاتنا قائمًا على ردود الأفعال أكثر من قيامه على رُؤية شاملة ومتوازنة. إنّ مسايرة الناس في كل ما يتجهون إليه، يُعَدُّ خطأ فادحًا، ولا يليق أبدًا بقادة الفكر والإصلاح أنْ يتحركوا وفق رمزيّة (ما يطلبه المستمعون أو المشاهدون). إنّ المنهج الربانّي الذي أكرمنا الله – تعالى – به قد ملّكنا الدّليل الذي يرشدنا إلى الوضعيّة الصّحيحة والآمنة. وإنّ الذين يجهرون اليوم بتحقيق رغبات الجماهير – دون تمييز- يخونون أمانة الرّيادة العلميّة والاجتماعيّة ويجرّون الجماهير الغافلة إلى حتفها!
في الناس اليوم سعي حثيث للحصول على المكاسب الماديّة، وهذا شيء لا يُسبّب مشكلة في الأصل، لكنه حين يتمّ على حساب الأنشطة الروحيّة والأدبيّة والإنسانيّة، فإنّه يرمز إلى خَلَل في حياة الأمّة. وألمس في كثير من المثفقين اليوم حرصًا منقطعَ النظير على التقدّم العقلي وعلى النجاح في الأعمال الدنيويّة، وهذا شيء جيّد لولا أنّه يصاحب إهمالاً للفلاح والطّيبة والصّفاء والتألّق الخُلُقي.
وفي الناس اليوم اهتمام واسع النطاق بالعاجل والمباشر وإهمال للآجل مما جعل قِصَرَ النظر أحدَ أهمّ الأدْواء التي نُعاني منها. وصرنا عبارة عن مجتمعات لا تعرف ما تريد، ولا تمدّ قرون الاستشعار في جوف المستقبل على نحو ما هو مطلوب، وعلى نحو ما هو موجود لدى الآخرين!
وهناك أمور أخرى من هذا القبيل. وإنّ من واجبنا أنْ نطلق من الأفكار والمفاهيم والأدبيّات وصيحات التحذير ما يساعد الناس على استعادة التوازن والاعتدال في هذه المسائل وغيرها؛ بوصف ذلك خطًّا متّصلاً يجب التزامه والمحافظة عليه في كل الأحوال.
3- إنّ زماننا هذا هو زمان البغْي وتجاوُز الحدود. وهذا مفهوم، فألصقُ شيء بالقوّة هو الطُّغيان. ونحن نعيش اليوم في عصر القوّة.
يقول الله – جل وعلا- : ( كلا إنّ الإنسانَ ليطغى أنْ رآه استغنى) [العلق: 7.6]، ويقول- سبحانه- : ( ولو بسطَ اللهُ الرّزقَ لعباده لبغَوْا في الأرض)[ الشورى:27] .
إنّ الناس بما فطرهم الله عليه من حب البقاء يسعَوْن دائمًا إلى التمدّد، ويميلون إلى التغوّل. وكثيراً ما تُهزم المبادئ الواضحة والراسخة أمام هذه الغريزة؛ وقد قال عليه الصلاة والسلام : " لو كان لابن آدم واديان من ذهب لأحبّ أنْ يكون له ثالث". ومن هنا فإنّ مستلزمات المناعة الفكريّة أنْ ننتج المفاهيم والأفكار والنظم التي تمنع تمدّد ذوي القوة: قوّة المال، وقوّة الجاه، والسلطة، وقوّة العلم، والجسم... إنّنا لا نسيء الظّن بالناس، ولكنّ أمور الأمم- أيضًا- لا تُبنى عل حسن الظنّ، وإنما تُبنى على مُعْطَيات ملموسة ومنظّمة، ويمكن الاحتكام إليها. ونحن في العالم النّامي نُعاني أكثر من غيرنا من القهر والإذلال وغَمْط الحقوق. وذلك لا يعود إلى أنّ التربية السائدة لدى الأمم المتقدمة أفضل من التربية السائدة لدينا، وإنما يعود على نحو جوهري إلى أنّ من تدعوه نفسه إلى البَغْي هناك يواجَه بحواجز وسدود منيعة من النظم والقوانين والأعراف والمؤسّسات التي توقفه عند حده، وتُوقع به العقوبة إذا تجاوز ذلك أو احتال عليه.
إنّ التّنمية الجيدة مشروطة دائماً بسيادة الأمن، والاستقرار، واحترام النظم، ووقوف كل واحد من الناس عند الحدّ الذي يجب أن يقف عنده.
ولن يستطيع أيُّ فكر مهما كان لونه، وعمقه، ورسوخه أنْ يصمد لعاديات الزمان وتقلّبات الأحوال، إذا لم يأخذ هذه الأمور التي أشرت إليها، وما يشبهها بعين الاعتبار.
والله ولي التوفيق

(5)

قِيمة ما لدينا من طروحات وأفكار إصلاحيّة لا تنبع من جوهريّة ما نقدّم وصوابه وشفافيّته فحسب؛ وإنّما لا بدّ - إلى جانب ذلك- من كونه ملائمًا للمستجدّات الحضاريّة وللمشكلات التي يعاني منها الناس، بالإضافة إلى تناغمه مع الأشواق والتطلّعات التي تحملها الأجيال الجديدة نحو المستقبل. وإنّ علينا أنْ ندرك هذه المسألة بسرعة كبيرة وعلى نحو جيد؛ لأنّ المناعة الفكريّة التي ننشدها ونحرص على التمتّع بها لن تتوفر من الآن فصاعدًا إلا من خلال فتح العين جيدًا على هذه المسائل.
كنّا في الماضي نفهم الحصانة الفكريّة على أنّها المحافظة على ما لدينا، وإغلاق كل المنافذ والأبواب التي قد يدخل منها ما يخالف أو يعكّر ما نعتقد أنّه أثمن شيء لدينا، وهو مبادئنا وأصولنا. وهذا في أساسه ليس خطأً؛ لكن كثيرًا ما كنّا نتوسّع في هذا الشأن حتى طال الحجْر والمنع النقد للفرعيّات والخلافيّات والسياسيّات والاجتهادات، وصار هناك في الساحة الإسلاميّة نوع من المزايدة في هذا الشأن، فكلّما مال المرء إلى التشدّد مع المخالفين دلّ ذلك على غيرته وصلابة دينه، وزاد -مع ذلك- الوثوق به والرّجوع إليه. إنّ الثوابت يجب أنْ تظلّ مصونة وواضحة، ويجب أنْ نتخذ منها محاور للتربية الاجتماعيّة. أمّا ما هو من قبيل الاجتهاد، وما هو من قبيل الخبرة البشريّة في تنظيم الحياة وإدارة المشكلات، وما هو من قبيل الأساليب والأدوات ... فينبغي أنْ يتعرض (باستمرار) للنّقد والمراجعة والغربلة؛ وإلا وجدنا أنفسنا ندفع نحو الهامش باستمرار. إني أتطلّع إلى اليوم الذي نلمس فيه إحساسًا جديدًا وقويًّا بقصور اجتهاداتنا ورؤانا وتنظيراتنا وتنظيماتنا ومبادراتنا... كما أتطلّع إلى اليوم الذي نجد فيه في تنظيم كلّ هيئة أو مؤسّسة شيئًا يتحدّث عن طريقة مراجعة تلك الهيئة، وطريقة نقدها وتطويرها وتنميتها... كما أتطلّع إلى اليوم الذي نتعوّد فيه - معاشر الكتّاب، ومعاشر الدّعاة، ومعاشر المصلحين، والتربويّين- نتعوّد فيه الإعلانَ عن النّقاط غير الواضحة وعن الأفكار غير النّاضجة وغير المختمرة، وعن الخطط غير المكتملة التي نقدمها ونضعها بين يدي الناس, وهذا ليس كرمًا ذاتيًّا نفخر به، وإنّما هو شيء تفرضه طبائع الأشياء، ويفرضه الحرص على مقاومة التكلّس والتحجّر ثم الانهيار. إنّ جزءًا أصيلاً في كل طرح، وفي كل نظام عظيم يكمن في قبوله للمراجعة، والنّقد والإنماء والتّغيير. وهذا أهم عامل من عوامل استمرار الحضارة الغربيّة طوال القرون الماضية على ما فيها من نواقص وانحرافات وأزَمَات...

إنّ من المهم أنْ ندرك أنّك حتى تحافظ على الأصول والثوابت والأساسيّات، فلا بدّ لك من حركة لا تهدأ في تطوير تنظيرك وطرحك الفلسفي، وفي تحسين الأطر والأساليب والأدوات التي تخدم تلك الأصول... إنّ كبار المفكرين المسلمين وكبار المصلحين والدّعاة لا يستطيعون حين يطرحون مشروعاتهم الإصلاحيّة، وحين يبلورون رؤاهم في التغيير والتجديد أنْ يقدموا شيئًا مكتملاً ونهائيًّا؛ وذلك لأنّ عقولنا لا تكتشف الحقائق والمتطلّبات والمشكلات، وما ينبغي أنْ نصير إليه إلا على وجه التدرّج. إنّ كلّ شكل، وكلّ فكرة، وكل وضعية تفتح لنا أفقًا جديدًا ما كان في الإمكان أنْ نراه قبل رُؤية سابقة؛ وهذا هو الأساس الذي يجعل التطوير والتجديد سنّة الحياة. إنْ أيّ جماعة، أو دولة، أو جهة لا تملك آليّات المراجعة ستجد نفسها في أوحال الجمود الذي لا يؤدي إلا إلى فقد الوزن والتحلل الذاتيّ. أضف إلى هذا أنّنا حين نفكر، وننظّر، ونخطّط، ونصمم، نقوم بذلك في جوّ من الطّلاقة الكاملة، وحين يدخل ذلك في مضمار التّطبيق والتنفيذ يكون الأمر مختلفًا جدًّا، حيث يفرض الواقع دائمًا حدودًا للعمل، فهناك الإمكانات المحدودة والنّظم والقوانين المقيّدة، وهناك الأعراف والتقاليد الاجتماعيّة الضاغطة، وهناك المنافسون والخصوم.... ومن هنا تنشأ مفارقة قد تكبر وقد تصغر بين النظريّة والتطبيق، وهذه المفارقة هي التي تمنح المشروعيّة الفكريّة والأخلاقيّة للنقد والمراجعة والمحاسبة.

إذا تأمّلنا في أحوالنا وأوضاعنا وجدنا حرصًا كبيرًا على أنْ تكون أشعّة النّقد موجّهة نحو الخارج، ولذلك أسبابه المفهومة؛ فنقد الآخرين سهل لأنّه لا يتطلّب منّا أيّ تغيير في أوضاعنا. ثمّ إنّنا كثيرًا ما نستخدمه من أجل إظهار فضائلنا وجعل أتباعنا يثقون بما لدينا. ثم إنّ النقد يستخدم أحيانًا جزءًا من حرب شعواء ضد الخصوم والمخالفين؛ مع أنّ أدبيّاتنا الإسلاميّة تحثّنا على أنْ نوجّه أكبر قدر من النّقد والفحص لأنفسنا وأوضاعنا، وأنْ ننشغل بعيوبنا عن عيوب الآخرين. من المهم في مسألة النّقد أنْ نحاول القيام بثلاثة أمور جوهريّة:
1- أنْ يكون النقد وواضحًا وأنْ نسمّي الأشياء بأسمائها في إطار من الأدب الإسلاميّ، وفي إطار الشعور بالمسؤوليّة الأخلاقيّة. إنّ لغة الغمغمة لن تؤدّي إلا إلى تأزّم الأمور. وإنّ كثيرين جدًّا لا يفهمون ماذا نريد، وبماذا نطالب، وماذا ننقد، وذلك بسبب ا لإبهام المعتمّد.
2- تحديد المسؤولين عن الأخطاء و التّقصيرات التي تقع هنا وهناك. في أحيان كثيرة نكون واضحين في بيان حجم المشكلة، لكنْ حين يصل الأمر إلى تحديد الأسباب والمتسبّبين نجد أنّنا غير قادرين على وضع النقاط على الحروف. وقد اكتشفنا مؤخرًا أسلوبًا خادعًا في هذا الشأن، وهو القيام بتوزيع المسؤوليّة على أكبر عدد ممكن من الناس، وكأنّنا نحاول أنْ نفرّق دم القتيل على القبائل كما كانت تحاول ذلك العرب قديمًا. ولهذا فإنّ كثيرًا من التقارير والتّوصيات وملفّات المراجعة والمحاسبة يجعلك تخرج بانطباع الخذلان والإحباط ؛ حيث ينتهي الأمر إلى ضرورة أنْ نقتنع بأنّ الكلّ مسؤول، وبأنّ الكلّ أيضًا غير مسؤول!. إذا كنّا غير قادرين على توضيح تقسيم المسؤوليّة عن أزماتنا على نحو جيّد فهذا يعني أنّنا لن نستطيع التخلّص من تلك الأزَمَات ولو بعد حين. ويعني أنّ إيجاد نظام للمحاسبة عادل ودقيق يشكل إحدى الأولويّات الحضاريّة لأمّة الإسلام.
3- تقديم البدائل وإغناء الساحة بالأفكار الإيجابيّة: إنّه لا يكفي أنْ نقول: إنّ في إدارة فلان للمؤسّسة الفلانيّة خللاً كبيرًا. كما لا يكفي أنْ نقول: إنّ هذه اللفظة في بيت الشّعر الفلاني قلقة ونسكت. لا بدّ من أنْ نحاول أنْ نقترح ما هو أجمل وأنفع وأفضل مما هو موجود، ويجب أنْ نمتلك القدرة على الشرّح، والتفسير، والتعليل، لما ننقده إذا أردنا للنّقد ألا يكون نوعًا من اللّغو، أو نوعًا من التكميل الشكليّ لحياة فقيرة في معانيها وإنجازاتها.
إنّ المراجعة عبارة عن مساهمات لإعادة التكيّف والتأقّلم، وإنّ الهيئات الكبرى والمؤسّسات الضخمة أحوج إلى التكيّف من أجل البقاء من غيرها. وإنّ التاريخ ليشهد على أنّ أنواعًا من الحيوانات، والأشجار، الضّخمة هلكت وانقرضت بسبب عدم قدرتها على التكيّف مع الأحوال المناخيّة الطارئة والجديدة.
نحن في ظروف جديدة كلّ الجِدّة، ولهذه الظّروف متطلبات لا عهد لنا بها، وإنّ من جملة تلك المتطلبات النّظر إلى حاجتنا إلى النّقد على أنّها لا تقل أهميّة عن حاجتنا إلى البناء، والنّظر إلى الأخذ والتمثّل على أنّه لا يقلّ أهميّة عن العطاء، والنظر إلى الانفتاح وخوض المعركة ببسالة وإقدام على أنّه لا يقلّ أهميّة عن اللجوء إلى الحصون والاختباء خلف الأسوار.
ولله الأمر من قبلُ ومن بعدُ.

(6)

إن ملامح القصور في العقل البشري أننا لا نستطيع في كثير من الأحيان وضع حدود فاصلة بين الثبات على المبدأ والتمسك بالأصول والثقة بالمنهج وبين التصلب الفكري المذموم، والذي يعني -فيما يعنيه- النقص في تطورنا الذهني بما يلائم المتطلبات والتحديات الجديدة. وهذه الوضعية العالمية الشاملة تجعل الناس دائمًا مُهدَّدين بالعجز عن مسايرة الواقع والملائمة بين المنهجيات التي يؤمنون بها وبين الأسئلة المطروحة عليهم؛ وإن شئت فقل: العجز عن الإجابة عن الأسئلة المطروحة من خلال المنهج الذي يعتقدون بصوابه. بعبارة أخرى: أعتقد أن علينا أن نتلمس دائمًا حجم المرونة الذهنية والمرونة في الطرح وفي الخطاب وفي برامج الإصلاح والمعالجة؛ فالضغوطات التي تمارس علينا من مختلف الجهات، وأوضاع التأزم والتخلف المختلفة تولّد لدينا الكثير من الخوف غير السائغ، وتدفعنا باتجاه الجمود والانغلاق، كما تدفعنا باتجاه استخدام الضغط وسيلة في ترشيد مسيرتنا عوضًا عن الثقة والإقناع دون أن نشعر بذلك، ودون أن نشعر بعدم ملاءمة هذا لروح العصر وللذائقة الثقافية الجديدة. ولهذا فإن الخطاب الإسلامي -والذي يقوم في مفاصله الأساسية على الفكر الإسلامي المعاصر- يميل إلى أن يكون سلبيًّا ضابطًا أكثر من أن يكون مبادرًا محفِّزًا ومنتجًا للأفكار والمفاهيم والمشروعات والبدائل؛ مع أن الحضارات لا تقوم في أول انطلاقها أبدًا على المنع والسلب والضبط.. إنها تقوم بناء على المبادرة والانطلاق والعطاء والمساهمة.. إنها أشبه بينابيع صغيرة، تتجمع فتشكل نهرًا متدفقًا، ثم نجد أنفسنا بعد مدة في حاجة إلى تصفية ذلك النهر وتنقية مائه من الشوائب.

إن الفكر الإسلامي سوف يكتسب من المناعة والحصانة والقابلية للاستمرار على مقدار ما يملك من التوازن في بنيته العميقة بين الثوابت والمتغيرات وبين المثالية والواقعية، وعلى مقدار ما يملك من المرونة في الفهم والاستيعاب وفي تقديم الحلول. إن العواصف الهوجاء تقتلع وتحطم الأشجار العملاقة على حين أن السنابل والحشائش تُبدي قدرة أكبر على الصمود والمقاومة والسبب في هذه المفارقة هو المرونة التي في الأخيرة والتصلب الذي في الأولى. واليوم توضع قواعد وكتل مطاطية في أسفل الأبراج والعمارات الشاهقة كي تقاوم الزلازل الأفقية؛ حيث يمنحها المطاط المرونة الكافية للتجاوب مع اهتزازات الزلازل على شكل امتصاص لها. إن المرونة لا يصح أبدًا أن تعني التنازل عن المبادئ ولا التساهل تجاه المحرمات، كما لا يصح أن تعني إقرار الباطل وممالأة الظلم، ولا أن تعني تغيير الاتجاه... إن هذه الأشياء لا تشكل أبدًا مرونة أو تكيفًا صحيحًا، إنها انحراف واضح تجب مقاومته والتصدي له. إن المرونة المنهجية تعني في نظري الآتي:
1- حسن الاستماع وحسن تفهم ما لدى الآخر. إن الأمة في أزمة متشعبة ولو لم يكن من معالم تلك الأزمة سوى ابتعاد عدد كبير من أبنائها عن جادة الالتزام بتعاليم الشريعة الغرّاء وسوى تدني مكانتها العالمية بين الأمم لكان ذلك كافيًا . حين يكون المرء في أزمة؛ فإن عليه أن يفتح عشر عيون وعشر آذان لالتقاط أي فكرة أو أي حل أو أي أسلوب أو أي أداة في إمكانه أن يخفف من غلواء الأزمة التي يعاني منها. إن مشكلة: كمشكلة البطالة، أو رداءة مستوى خريجي الجامعات، أو مشكلة تسلط الحكومات، أو انتقال السلطة بسلاسة وعلى أسس مشروعة، أو مشكلة ضعف الالتزام، أو تفكك الأسرة المسلمة بالتدريج... أقول: إن مشكلة كهذه المشكلات لن نستطيع الحصول لها على حلول من خلال استعراض التاريخ وتجارب الأجداد والآباء لأن سنة الله – جلّ وعلا- مضت ألا تتسع رحلة حضارية سابقة لمرحلة لاحقة. فالحلول التي عثر عليها الناس لأي مشكلة من هذه المشكلات قبل خمسة قرون لن تصلح لحلها اليوم. كما أن ما نحصل عليه من حلول ناجعة وعبقرية لمشكلاتنا لن تحل عين المشكلة بعد قرنين من الزمان.

ولن نجد حلاًّ لأي مشكلة من المشكلات آنفة الذكر لدى الغرب أو لدى اليابان أو الصين...؛ لأن أي حل من الحلول يرتكز على نوعية معينة من المعطيات الثقافية والسياسية وهذه النوعية تختلف اختلافًا واسعًا عن عالمنا الإسلامي وبين الدول غير الإسلامية المعاصرة لنا. لكن سنجد في التاريخ وسنجد لدى الآخرين نواة لحلٍّ؛ تحتاج إلى إنضاج وإنماء أو نجد فكرة ذكية تحتاج إلى تطوير أو أقلمة وتوطين. وهذه وتلك تحتاجان إلى عقل مرن ومحترف في الاقتباس ودمج الأفكار والطرق والمنهجيات المتفاوتة والمتباينة. ولن ينفع الذكاء وحده في الشأن بل لا بد من البحث العلمي المتقن والمتخصص والمستفيض، وهذا ما لم يتم الاعتراف به حتى الآن!

2- تعني المرونة الذهنية والمنهجية -أيضًا- القدرة على إدراك الفرق بين ما هو موجود في حياتنا بسبب الالتزام بالأمر الشرعي وبدافع من الالتزام بأمر الله، وبين ما هو موجود نتيجة عادات وتقاليد أنتجتها ظروف واعتبارات تاريخية، أو أنتجها التوسع في مبدأ (سد الذرائع) بسبب فهم جزئي أو زمني أو مؤقت للمصالح والمخاطر التي تترتب على سلوك معين.
ويقدم لنا وضع المرأة المسلمة نموذجًا لهذا؛ حيث إن كثيرًا مما يحتاج إلى الإصلاح في حياة المرأة المسلمة ومهامها العامة نشأ نتيجة مواصفات اجتماعية معينة مالت بها نحو الغلو أو نحو التفريط والتساهل بعيدًا عن المنهج الرباني الأقوم. قد يكون من الأسس النافعة في تصور إصلاح أوضاع المرأة المسلمة النظر إلى أن الأصل هو تطابق كل ما يُطلب من النساء، وكل ما يحل لهن، وكل ما يصح لهن عمله وممارسته مع ما هو ثابت للرجال؛ إلا ما جاءت النصوص الصريحة بإثبات خصوصية لهن فنصير إليه، ونأخذ به. وإذا اختلف أهل العلم الموثوقون والمتخصصون في مسألة هل هي خاصة بالرجال أو النساء – نظرنا إلى خلافهم على أنه باب من أبواب التوسيع على الأمة ورفع الحرج عنها. ومثل ذلك يقال في اختلاف أهل العلم في كون عمل من الأعمال – يجرّ مفسده أوْ لا. والذي يظن أن الأخذ بالأحوط وبالقول الأشد حذرًا وبالأميل إلى التشدد- يحل مشكلات الأمة أو يساعد الناس على مزيد من الالتزام – يكون واهمًا؛ حيث إن مثل هذا قد يدفع كثيرًا من الناس بعيدًا عن منطقة التدين كلها بما فيها من ألوان صفراء وحمراء، وواقعنا مملوء بالشواهد على هذا.

3- تعني المرونة كذلك القدرة على إعادة ترتيب الأولويات الدعوية والإصلاحية والإنمائية. حين نقول: إن إصلاح هذا الأمر يشكل أولوية فإن هذا يعني أننا ندرك خطورة استمراره، وعظم حاجة الناس إليه، وارتباط صلاح مسائل أخرى بصلاحه. وهذه مهمة شاقة جدًّا، وتحتاج إلى فهم عميق للسنن الربانية وللتداعيات المنطقية القائمة بين جوانب الحياة المختلفة. في معظم البلاد الإسلامية تتمثل الأولوية الإصلاحية في تعليم الناس أمور دينهم ، وفي حل أزماتهم الاقتصادية المتراكمة والمتعاظمة. وفي بعض البلدان الإسلامية يشكل الإصلاح السياسي أولوية. ويشكل إصلاح النظام التعليمي في بعض الدول أولوية مطلقة وهكذا... ولا يعني القول بأولوية شيء من الأشياء تعطيل الاهتمام بغيره من جوانب الحياة المختلفة؛ لكنه يعني أن نصرف عليه من الوقت والجهد أكثر مما نصرفه في غيره.

موضوع المرونة المنهجية موضوع طويل وقد أعود إليه في يوم من الأيام.
ومن الله الحول والطول.

 (7)

الفكر المنيع فكر قادر على الاستمرار ومناعته نابعة من طبيعته ومقوماته الذاتية، ومقومات الفكر الإسلامي ليست شيئًا يصنعه الناس جريًا وراء أهوائهم أو اجتهاداتهم الشخصية، فالفكر لا يكون إسلاميًا إلا إذا كان تكونه في إطار تعاليم الإسلام ومقاصده العامة، ولا يكون نموه صحيحًا إلا إذا كان عن طريق حبل سري متصل بالمصالح المنضبطة للأمة وبالطبيعة البشرية، وما نعرفه من سنن الله –تعالى- في الخلق. وشيء من هذا الكلام ينطبق على الفكر الإنساني أيضًا؛ حيث إن صناع الأفكار يستطيعون أن يقولوا – على مستوى التفاصيل الدقيقة- الكثير مما يريدون، لكن تظل حيوية ما يقال وقدرته على تشكيل الحضارة مرهونة لاتصالها بالسنن الربانية وبتشوقات البشر وتطلعاتهم.

وتأسيسًا على كل هذا يمكن القول: إن الغلو بكل سماته وأشكاله ومظاهره ومنطلقاته يشكل إحدى الآفات والعلل المزمنة والخطيرة التي طالما أصابت الفكر الإنساني والإسلامي في مقتل، والحقيقة أن البعد عن القصد والميل إلى المنازع والاتجاهات الغالية المتطرفة يشكِّل جزءًا من التراث الحضاري لكل الأمم؛ وإني لأكاد أزعم أن ذلك متصل بالتكوين العقلي والنفسي لبني الإنسان. وإذا صح هذا فإنه يكون جزءًا من أدوات الابتلاء في هذه الحياة. إن الغلو مصطلح شرعي، لكن تطبيقاته واسعة جدًا إلى درجة أن بعضها يتصل بالذوق وبالخبرة البشرية وبالتراكمات الثقافية المتنوعة، ولهذا فإننا حين نتحدث عن الغلو أو الإفراط أو التطرف أو التشدد في أمر من الأمور المتصلة بالتدين والالتـزام فإن علينا ألا نتجاوز الأحكام الشرعية. وفي هذا الإطار فإننا نجد اليوم في الساحة الثقافية العامة صنفين ممن يتحدث عن الغلو: صنف يهرف بما لا يعرف، حيث ينطلق من خبرة محدودة جدًا بالشريعة وبالفقه الإسلامي لكنه يملك جرأة تصل إلى حد الوقاحة في إطلاق الأوصاف والنعوت النارية على سلوكات ومواقف لا ينبغي أن يتحدث فيها إلا أهل الاختصاص وهم الفقهاء، وهذا شيء طبيعي فكما أنه لا يتحدث في الأمور الهندسية الدقيقة إلا مهندس، وكما لا يتحدث في المسـائل الفيزيائية العويصة إلا فيزيائي فكذلك لا يتحدث في مسائل التدين والالتـزام والتعبد والسلوك الإسلامي عامة إلا فقيه خبير. أما الصنف الثاني فإنه ينطوي على سوء نية وعلى انحراف في الوجهة، إنه يريد من خلال الحديث عن الغلو هدم الإسلام ذاته؛ فالذي يمتنع عن إيداع أمواله في البنوك الربوية متـزمت غال، والمرأة التي تستر وجهها أو تمتنع عن مجالسة الرجال الأجانب متخلفة ومعقدة، والمسلم الذي يستدل بالآيات والأحاديث في التنظير للقضايا حرفّي محدود. والمسلم الذي لا يستمع للموسيقى غليظ المشاعر، ومفتقر إلى نوع من التهذيب لا يأتي إلا عن طريق الموسيقى...!!

وقد كثر هذان الصنفان في الساحة الثقافية والإعلامية، وكثير منهم يظنون أنهم يساعدون الأمة على النهوض والارتقاء، وهم في حقيقة الأمر يمارسون عملية تخريب واسعة النطاق ولا تظهر آثارها إلا بعد عقد من الزمان.
وعلى كل حال فإن من واجب المفكرين والمنظِّرين وأهل كل الاختصاصات العلمية أن يشيعوا في الجماهير المسلمة مفاهيم الوسطية والاعتدال والتسامح واليسر، وأن يقاوموا نزعات الغلو التي تجتاج كل الشرائح والفئات وكل الدوائر والتخصصات؛ فهناك غلوّ في السياسة وفي الاجتماع وفي التدين وفي الاقتصاد والتربية والتعليم والتعامل مع التاريخ والتخطيط للمستقبل.. وأهل كل تخصص هم الذين يقررون الاتجاهات والأقوال الغالية في تخصصهم، وهم الذين يحددون درجة ذلك الغلو، وعليهم تقع مسؤولية معالجته وتخليص الناس منه، وهذه نقطة مهمة حيث يظن بعض الناس أن الغلو عبارة عن مشكلة دينية محضة، وهذا غير صحيح. قد كانت الشيوعية مغالية حين أعطت دورًا استثنائيًا للدولة في إدارة شؤون الناس، وقد أدى ذلك تهميش المجتمع وتعطيل كثير من وظائفه، وكانت النتيجة هي انهيار الدولة والمجتمع معًا.

ومن المربين من يغالي فيجعل دور البيئة حاسمًا في تقرير ثمار الجهود المربية. ومن المؤرخين من فسّر التاريخ تفسيرًا عرقيًا عنصريًا، ومنهم من فسره على أساس عبقرية المكان والدور الحاسم للجغرافيا وهكذا وهكذا.. وكلما تقدم العلم خطوة إلى الأمام يتضح لنا أكثر فأكثر أن المراهنة المبالغ فيها على بعد من الأبعاد أو قول من الأقوال أو عنصر من العناصر أو تفسير من التفسيرات أو دليل من الأدلة معلومة من المعلومات... هي شيء بعيد عن القصد وعن الواقع، وقريب من أن يكون مجازفة علمية، فالتعقيد الذي نكتشفه اليوم في طبيعة كل البنى الثقافية يحتم علينا أن نبلور دائمًا رؤى ونظريات واجتهادات ذات طبيعة تركيبية. والطبائع التركيبية تساعد دائمًا على الحد من الغلو والانجراف خلف وجهات أحادية ضيقة. إننا –كما أخبر سبحانه- ولا نعرف إلا القليل. وكثير من معارفنا هش وغير مكتمل، ومنفتح على آفاق مجهولة، مما يعني أن علنيا أن نحذر أشد الحذر من الاعتـزاز باجتهاداتنا الشخصية ومن المغالاة في انتماءاتنا الحزبية والحركية، وأن نظل إلى جانب ذلك في حالة من البحث المستمر عن الرؤى المتوازنة البعيدة عن الإفراط والتفريط، فالمتقدم على الصف والمتأخر عنه يسهم كلٌّ منهما في اعوجاجه. إن اليهود فرّطوا في موقفهم من الرسل -عليهم الصلاة والسلام- بل من رب العالمين –جل وعز- فقد قالوا: يد الله مغلولة، ووصفوه بما لا يليق بإنسان فضلاً عن أن يليق بالخالق، وكذّبوا الرسل وأهانوهم وقتلوهم. أما النصارى فقد أفرطوا في هذا الشأن حيث قدّسوا عيسى -عليه السلام- حتى جعلوه إلهاً. أما أمة الإسلام الوسطية فقد نجت في موقفها العقائدي العام من هذا و ذاك.

ونحن اليوم في حاجة إلى أن نتلمس المزيد من المواقف والتطبيقات التي تعكس وسطيتها في مجالات الحياة كافة. وقد ابتلى الإسلام على مدى عهوده المتطاولة بفئتين من أبنائه : فئة تتفلت من تعاليمه، وتتقاعس عن أداء مقتضياته وواجباته. وفئة تحمل الناس على المكاره، وتدفعهم في اتجاه العسر والحرج والضيق. والفئة الأولى خاضعة غالبًا للشهوة أما الفئة الثانية فإنها في الغالب خاضعة للشبهة. ومن هذه وتلك تتكون وضعية بائسة تجمع بين القصور والانحراف.
وللحديث صلة.. والله وفي التوفيق.

(8)

الإسلام هو رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- الأخيرة التي تتلقاها البشرية من الله –جل شأنه-؛ ولهذا فهي رسالة عامة وشاملة، فيها ما يحتاجه صلاح الناس مهما اتسعت أمداء الزمان والمكان، ومهما تنوعت الظروف والأوضاع والأحوال. وهذا يتطلب بداهة سعة الأطر، ورحابة الأحكام، ومراعاة شيء من التنوع الثقافي، وترك بعض التفصيلات أو كثير منها لتقدير علماء الأمة وباحثيها، ليستنبطوا من الأصول العامة للشريعة السمحة ما يغطيها ويوضح للناس أحكامها.

ويلاحظ في هذا السياق ثلاثة أمور مهمّة:
1- معظم نصوص الكتاب والسنة ظنيّة الدلالة، مما يفتح باستمرار مجالاً للاجتهاد واختلاف الآراء. ولو شاء الله –تعالى- لجعلها جميعاً محكمة قطعية الدلالة؛ لكن ما هو ماثل الآن ينسجم مع خلود الرسالة وختمها وعمومها. ومن شأن الاختلاف توفير إمكانات واختيارات وبدائل. كما أنه يعكس رؤى المجتهدين وتنوع ثقافاتهم وتقديرهم للحالة أو الوضعية موضع النظر. وهذا يضفي على الأحكام طابع اليسر والسهولة، ويجعلها قريبة من معاناة الناس ومشاعرهم. وكل هذا جزء صغير من رحمة الله –تعالى- ولطفه بعباده.
2- النصوص على نحو عام في المسائل التي تختلف باختلاف الزمان والمكان قليلة، وفيها توجيهات عامة. وقلة النصوص ترمي إلى إفساح المجال للمجتهدين كي ينظروا ويستنبطوا في ظلال المقاصد العامة للشريعة وفي إطار حاجات المجتمع المسلم. ونجد هذا واضحاً في المسائل السياسية والإدارية والعلاقات الدولية والمسائل التنظيمية عامة وقد عتب الإمام الجويني في كتابه (الغياثي) على الماوردي في أنه ساق في كتابه (الأحكام السلطانية) الأحكام المتعلقة بالسياسة الشرعية بلغة فيها الكثير من الجزم واليقين أو بعبارة أخرى: ساق الظنيات في موارد وسياقات القطعيات. وهذا لا يليق بمجال، النصوص فيه قليلة والاجتهادات كثيرة مع امتداد آفاقه وتنوع مستجداته. وهذه الملاحظة ملاحظة ذكية من عقل كبير.
3- في صميم المنهج الاجتهادي والاستنباطي شيء يثير الإعجاب، وهذا الشيء هو ما يقوم به الأصولي والفقيه من نظر وتفكر وتحقق قبل إصدار حكم في واقعة من الوقائع أو وضعية من الوضعيات.
إن المجتهد قبل أن يصدر حكماً في واقعة جديدة، لا نص فيها ولا إجماعاً سابقاً، يحتاج إلى كثير من التأمل والبحث، فإذا كان بصدد قياس الواقعة الجديدة على واقعة سابقة أو كان في سياق الحكم على شيء جديد بعين الحكم الصادر في شيء سابق منصوص عليه؛ فإن عليه أن يكتشف علة الحكم في الأصل وهذه العلة قد تكون جلية وقد تكون غامضة، وقد يحتمل الحكم في الأصل أكثر من علة واحدة، ويكون عليه آنذاك أن يقوم بعملية أطلقوا عليها (السبر والتقسيم) أو (تنقيح المناط)، وذلك من أجل اكتشاف العلة المؤثرة فعلاً في الحكم. وهذا العمل عمل اجتهادي عظيم يقوم به الأصوليون والفقهاء الكبار المتمكنون.

ونتائج هذا التمحيص كثيراً ما تكون موضع نزاع وموضعاً لتباين الآراء والاجتهادات. فإذا عُرفت العلة المؤثرة في الحكم، فإن هناك عملية أخرى لا تقل شأناً عما سبق، وهي التأكد من أن العلة موجودة في الحادثة الجديدة، وأن الشروط المطلوبة لجعل الفرع مساوياً للأصل أو الشروط المطلوبة لصحة إصدار الحكم موجودة ومتوفرة. وهذا ما سماه الأصوليون (تحقيق المناط) إذا قلنا إن إنكار شيء من المعلوم بالدين بالضرورة يجعل المنكر كافراً كما هو الشأن في منكر فرضية الصلاة أو حرمة الزنا، وإن بلغنا عن شخص شيء من ذلك؛ فإن علينا قبل الحكم بكفره أن نتأكد من صحة ما نسب إليه ودقته في الدلالة على الإنكار. وعلينا أيضاً أن نتأكد أنه عالم بإخراج ذلك الإنكار من الملة، وأنه لم يتراجع عنه ويتب منه وعلينا وعلينا... إن تحقيق المناط أو التأكد من انطباق الحكم على الواقعة يشتمل على رحمة عظمى للأمة حيث جعل الله –تعالى- شيئاً من التشريع في النوازل إلى الأمة ممثلة في مجتهديها.
إذا تأملنا في الملاحظات الثلاث التي سقناها وجدنا أنها جميعاً تدفع في اتجاه واحد هو الرفق واللطف بالمكلفين، وهو الأناة والتريث قبل إصدار الأحكام. وهو التيسير ورفع الحرج ورفع التشدد والغلو.
وهذا الاتجاه في الحقيقة هو سبيل المؤمنين الفاقهين، وسبيل العارفين بأسرار الشريعة ومقاصدها، والخبراء بطبائع الأشياء وسنن الله تعالى في الخلق. إن الغلاة لا يساعدون فكر الأمة على الانتشار، ولا يساعدون المسلمين على بناء منطق عالمي قابل للشرح والتوضيح وقابل للتفهم من قبل الآخرين؛ إنهم على العكس من هذا يتركون لدى الناس انطباعاً بأن الدين جاء لأولي العزم من الناس وليس لعامتهم. وهم إلى جانب هذا يحيدون عن قواعد المنهج الرشيد الذي بلوره علماء الأمة من أجل فهم كيفية الاستجابة لأمر الله في المناشط والاستجابة له في المكاره. وذلك المنهج يأخذ بعين الاعتبار حالات الضعف البشري وحالات القصور الإنساني، كما يأخذ بعين الاعتبار الظروف الموضوعية التي يمر بها العباد. كيف لا والله تعالى يقول في وصف نبيه محمد –صلى الله عليه وسلم-: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ) ؟ [سورة الأعراف:157]. إنه يضع عن أمة الإسلام الأحكام والتكاليف الشاقة التي يضعف عن حملها الإنسان والتي كانت على بني إسرائيل من مثل قتل النفس بالتوبة وتحريم الغنائم. والله تعالى علم المسلمين كما في أواخر سورة البقرة كيف يدعونه برفع الحرج عنهم حين قال: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة:286] وقد ورد في صحيح مسلم ما يدل على أن الله استجاب دعاءهم. وقال عز وجل: (طه. مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) [طه:1-2] وقال: (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى) [الأعلى:8] قال ابن كثير في تفسيره: "أي نسهّل عليك أفعال الخير وأقواله ونشرع لك شرعاً سمحاً مستقيماً عدلاً لا اعوجاج فيه ولا حرج ولا عسر".
هذا وللحديث صلة.

(9)

إن العمل الذي قام به فقهاؤنا على مدار التاريخ الإسلامي هو حقاً شيء يثير الإعجاب. وتأتي روعته من انضباطه بأصول محددة ومن حركته داخل النصوص. ترى فيه الثبات والاتفاق في الأصول والمسائل الكبار. وترى فيه المرونة والاتساع للتنوع والاختلاف في الفروع والمسائل الجزئية. وأعتقد أن قدراً غير قليل من (المناعة الفكرية) يجب أن يستمد من الارتكاز على روح الإنجاز الفقهي ورسومه. وإذا تأملنا في كثير من الانحرافات الفكرية لدى بعض الطوائف الإسلامية وجدنا أنها تشكل نوعاً من الخروج على منهج الاستدلال الذي سار عليه الأصوليون والفقهاء، كما تشكل خروجاً سافراً على الأحكام التي انتهوا إليها. إن الفقيه يقدم لنا دائماً نموذجاً لاعتبار الرأي المخالف. وكتب الفقه المقارن مثل: (المحلى) لابن حزم، و(المغني) لابن قدامة، و(المجموع) للنووي...؛ شاهدة على هذا. وإذا عدنا مرة أخرى إلى (الغلو) بوصفه العدو اللدود لاستقامة الفكر ومناعته واستمراره وجدنا أن الغالين يصدرون في معظم شأنهم عن تجاهل لقول غيرهم واستخفاف بالمخالف كائناً من كان. ولا شك أن هناك الكثير من المسائل التي يكون الخلاف فيها ضعيفاً حتى كأنه غير موجود، لكن هناك أيضاً الكثير من المسائل التي يعد فيها تجاهل الخلاف وتجاوزه ضرباً من الجهل العريض والطيش الكبير. وعلى سبيل المثال فقد ذهب بعض الغلاة في عصرنا هذا إلى تحريم التقليد وإيجاب الاجتهاد، وحجتهم في ذلك أن التقليد طاعة مطلقة. وهذه الطاعة المطلقة لا تكون إلا لله، ولذلك فإنهم يكفرون المقلد لأنه حكَّم غير الله، واتبع غير رسول الله. وهذا يذكرنا بالخوارج حين أطلقوا مقالتهم الذائعة الصيت: "لا حكم إلا لله". والقول بحرمة التقليد يتجاهل ما قرره علماء الأمة في هذا الشأن ويتجاهل تاريخ الأمة كله؛ حيث إن لدينا ملايين الناس المشهود لهم بالخير والصلاح والعلم ومع هذا فإنهم لم يجتهدوا، وكانوا يقلدون أحد الأئمة المتبوعين. كما أن هذا القول يجافي ما تواضع عليه البشر في كل العلوم؛ إذ لا يجيز أي أهل علم أو اختصاص لأي إنسان مهما بلغ أن يجتهد في كل شيء لأن في ذلك هدماً لقطعيات العلم ومواطن الإجماع فيه. وإذا كانوا لا يجيزون الاجتهاد المطلق من القيود؛ فكيف يوجبه هؤلاء في أخطر العلوم، وهو علم الحلال والحرام وتحديد ما يحبه الله –تعالى- ويبغضه؟!

ويتجاهل الغلاة الخلاف بين أهل العلم في تحديد بعض المصطلحات، فيصيرون إلى فهمهم الخاص غير عائبين بتعريف غيرهم، ويلتزمون بما فهموه التزاماً صارماً، ولا يكتفون بذلك، وإنما يصيرون إلى إلزام غيرهم، ويرتبون لأحكام على ذلك، ويتصرفون وكأنهم أمام نص قطعي الثبوت.. قطعي الدلالة؛ هذا مع أن كل العارفين بمناهج البحث وطرق الاستدلال يعرفون أن المصطلح حين يكون هشاً أو انتقائياً أو غامضاً فإن المنهجية تقضي بمراعاة ذلك والأناة في البناء عليه. والمصطلحات التي أساء بعض الغلاة المعاصرين التعامل معها عديدة، ولعل منها مصطلح (جماعة المسلمين)؛ فقد قامت مجموعة منهم بتنصيب أمير عليها، جعلته في مقام أمير المؤمنين، وجعلت نفسها جماعة المسلمين، وصاروا يعتقدون أنهم جماعة آخر الزمان المجتباة قدراً المعلومة عند الله والمكتوبة في اللوح المحفوظ! ويقول أحد قيادييها: نحن جماعة المسلمين، وما عدانا فليس بمسلم. وقد جعل من لم ينضم إليهم بمثابة التارك لدينه المفارق للجماعة، والذي ورد في الحديث الصحيح أنه حلال الدم. مع أن الذي يعود إلى كلام أهل العلم في مفهوم (جماعة المسلمين) يجد أن منهم من ذهب إلى أن جماعة المسلمين هم الصحابة –رضوان الله عليهم- على وجه الخصوص. ومنهم من ذهب إلى أن جماعة المسلمين هم السواد الأعظم من أهل الإسلام. وذهب بعضهم إلى أنها أئمة العلماء المجتهدين. وذهب فريق رابع إلى أنها أهل الإسلام في مقابل الكفار...

ومن المعاصرين من لم يدّعوا أنهم جماعة المسلمين، لكنهم أقرب الجماعات إلى أن يكونوا جماعة المسلمين، ولا ريب أن هذا القول أخفّ من السابق لكنه ترك على تلك الجماعة آثاراً سيئة حيث أصيبت بعقدة الأخ الأكبر الذي يُستشار، ولا يستشير، ويُطلب منه التعاون ولا يطلبه..
الغلو في التكفير مظهر آخر من مظاهر استغلال غموض المصطلحات والإعراض عن الشروط والتعريفات. وقد ورد الكثير من النصوص التي تحذر المسلم من المسارعة إلى تكفير أخيه المسلم، منها قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما". وقال: "... ولعن المؤمن كقتله ومن رمى مؤمناً بكفر فهو كقتله". إن أهل العلم الثقات العارفين بموارد النصوص والفاقهين لاستخدامات هذه الكلمة يقولون: إن الكفر يَرِد في الكتاب والسنة ويراد به الكفر المخرج من الملة، وأحياناً يَرِد ويراد به كفر لا يخرج من الملة، فكما أن للإيمان شعباً كذلك للكفر شعب والأدلة على هذا أكثر من أن تحصى. لكن الغلاة لا يأبهون للتفصيلات ولذلك حكموا على مرتكب الكبيرة بالكفر، وكفروا كل من لم يحكم بما أنزل الله مع أن الحاكم إذا لم يحكم بما أنزل الله لأن شهوته حملته على ذلك مع الاعتقاد بأن حكم الله ورسوله هو الحق واعترافه على نفسه بالخطأ لم يخرجه ذلك من الملة، وإن كان ارتكب كبيرة من أعظم الكبائر. والراسخون في العلم يحرّجون كثيراً في تكفير شخص بعينه؛ لأنه قد يكون جاهلاً أو مكرهاً أو دخل في موازنة مخلصة يحقق بها ما يمكن تحقيقه من الخير للمسلمين، ويدفع بها من الشر ما يمكن دفعه. وقد يكون له إيمان وعمل صالح كثير وقد... وقد...، وهذا مما ينقل الحكم على الحاكم من حيز الكفر الأكبر إلى حيز الكفر الأصغر.

إن الغلاة حملوا أنفسهم على المركب الصعب، وقد وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف في الزاوية الضيقة. وكانت النتيجة هي الاضمحلال والانحسار؛ فمنهم من قُتل، ومنهم من شُرد، ومنهم من تراجع عن أفكاره، ومنهم من لا يزال على طريقته الأولى لكنه يجد نفسه دائماً عاجزاً عن تقديم شيء إيجابي تنتفع به الأمة.
وللحديث صلة، والله الموفق.

(10)

ذكرْت أنّ الغلوّ قصير النَفَس، وهو ما دخل فكرًا أو مشروعًا أو مؤسّسة إلا شكّل نقطة ضعف فيما توضّع فيه، والسؤال الذي علينا أن نحاول الإجابة عنه هو: لماذا ينشأ الغلوّ؟ وما الخلفيّة النفسيّة والثقافيّة والبيئيّة التي تساعد على انتشاره وكسبه للأنصار؟

والجواب عن هذا السؤال جواب طويل، ولكن سأحاول إجماله في مفردات قليلة.
1- كثيرًا ما ينشأ الغلوّ نتيجة فهم خاطئ للنصوص كما حدث للخوارج في صدر الإسلام. وتعدّد النصوص في القضيّة الواحدة، وكون معظم النصوص ظنّية الدلالة يساعدان على هذا. أضف إلى ذلك القصور الذي يشكّل ما يشبه العاهة الدائمة للنظام اللّغوي في العالم كله وفي كل اللغات؛ حيث إن اللّغة ناقل غير شفّاف، وهي تُنتج لنا -في معظم الأحيان- الفهم المتعدّد بل المتناقض، ولهذا أسباب وحيثيّات يطول شرحها.
2- اعتقاد الاكتمال قبل الأوان سبب من الأسباب القويّة للغلوّ؛ حيث إنك تجد شبابًا يُصدِرون الفتاوى بغاية السهولة، وبالقليل القليل من الشعور بالمسؤوليّة في أمور توقّف فيها كثير من أهل العلم، وتنازع فيها أهل الاختصاص، وكل هذا بسبب الجهل، وبسبب الغرور وسوء الطريقة التي تثقّفوا بها.
3- اعتقاد كثير من الشباب بوجود مؤامرة ضخمة وصريحة وعامة، يشارك فيها الداخل والخارج –دفع دفعًا قويًا في اتجاه الغلوّ. ومن السهل تكفير حاكم ثبت أنه يضرّ بمصالح المسلمين عمدًا لصالح الكافر الأجنبيّ حبًا فيه وولاءً له، وهذا ما يعتقده كثير من الغُلاة، وهو يعبّر عن جهل عريض بطبائع الأشياء، وعن جهل عريض بطبيعة العمل السياسيّ وتعقيداته وموازناته.
4- الضغط الخارجيّ والهيمنة الأجنبيّة على بلاد المسلمين ومكتسباتهم وثرواتهم يجعل التوازن الفكريّ يختلّ لدى كثير من الناس –ولاسيما الشباب- فتجد الخانع التابع الخائف والباحث عن فرصة لإظهار ممالأته للأجنبيّ، وتجد الغالي الذي يريد تحرير العالم الإسلاميّ بأقصى سرعة وبكل وسيلة.
5- العُزلة وإنضاج الأفكار في الظلّ بعيدًا عن أجواء المناظرة والحوار والجهر بالدعوة، وإذا تأمّلنا في تاريخ الدعوات المنحرفة؛ فإننا نجد أن السواد الأعظم منها نشأ، وترعرع تحت الأرض بعيدًا عن الأنظار، وإنّ ضرْب حظرٍ على الأنشطة السياسيّة والاجتماعيّة في كثير من البلدان الإسلاميّة، يدفع كثيرًا من الشباب إلى الاعتقاد بأن الطريق الوحيد المتبقّي لتحقيق أهدافهم في نُصرة الإسلام هو سلوك طريق العنف والقتال.
ممارسة الأنشطة الدّعويّة والاجتماعيّة والسياسيّة تُبقي باب الأمل للإصلاح مفتوحًا؛ ولذا فإن المجتمعات المفتوحة تكون معاناتها من الغلوّ أقل من غيرها.
6- المثاليّة والنظر إلى الأمور بعيدًا عن الواقع: إن كثيرًا من المُغالين لا يرون إلا جزءًا من الصورة، وهو تراجع مستوى حكام المسلمين عن المستوى الذي كان عليه حكام الأمة في صدر الإسلام، أو الذي كان عليه الصّفوة من حكام الأمة على مدار التاريخ الإسلاميّ. وهم لا ينظرون إلى التراجع الخطير الذي حدث على المستوى الشعبيّ العام. إنهم يريدون حُكْمًا راشديًا على شعوب بعيدة عن أخلاق الصحابة –رضوان الله عليهم- والتـزامهم الصارم، ويذكّرني هذا بقوْل من قال لعلي –رضي الله عنه-: "إنك لا تسير فينا سيرة الشيخيْن: أبي بكر وعمر؟ . فقال: نعم. الشيخان كانا أميريْن على أمثالي، وأنا أمير على أمثالكم". وقال معاوية –رضي الله عنه- لابنه يزيد حين عيّنه وليًا للعهد: كيف ستسير في الناس بُعَيْدي؟ فقال: سأسير فيهم سيرة الشيخيْن: أبي بكر وعمر، فقال معاوية: حاولت فيهم سيرة عثمان فلم أستطع". حين تتجه السفينة نحو القاع فإن الماء يغمر كل أجزائها، وحين تراجع مستوى الالتـزام في الأمة لم ينجُ منه إلا القليل، وفي بعض المجالات وليس في جميعها. إن كثيرًا ممن يحملون الفكر الغالي يملكون شعورًا مبالغًا فيه بالواجب، ويحمّلون أنفسهم تكاليف لم تحمّلهم إياها الشريعة الغرّاء؛ مما أدّى بهم إلى ركوب المركب الصعب، ثم أخذوا يحاولون جرّ غيرهم إلى ما صاروا إليه، ولو اقتضى ذلك تكفير المسلمين وحمل السلاح عليهم.
7- ثبت أن كثيرًا ممن تُمارَسُ القسوة في تربيتهم، تنشأ في نفوسهم أحقادٌ دفينة، وتميل طبيعتهم إلى القسوة، ويُظهرون قدرًا أقلَّ من التسامح مع المخالِفين، ومع الأفكار المباينة لأفكارهم.
8- استُخْدِم العنفُ الشديد ضدّ بعض الشباب، واستُخْدِمت أنواعٌ من التعذيب تمسّ الكرامة الإنسانيّة، وتؤكّد لهم أنه لا يُعقل أن يقوم بذلك أناس يخافون لقاء الله أو يؤمنون به. وهذا قدّم برهانًا قويًا للقائلين بالتكفير وبنظريّة المؤامرة.
9- لم يستطع كثير من الإعلاميّين، وكثير من المناوئين للشباب الذين يحملون أفكارًا غالية –أقول لم يستطع هؤلاء أن يظهروا بمظهر الخصْم الشريف؛ فألصقوا بهم أشياء لم يفعلوها، ونسبوا إليهم أقوالاً لم يقولوها، وبعضهم استغلّ موجة الهجوم على الغلوّ ليجعل من كلامه هجوماً على الإسلام، وهذا زاد في غلوّ الغالين، وأكّد لديهم صدق معتقداتهم في اتّهام الخصوم.
إننا هنا لا نسوّغ لأحد الغلوّ، ولا نقدّم عذراً للغالين، ولكن نحاول فهم جذور هذه الظاهرة ومنطلقاتها.وأعتقد أن فتح أبواب الحِوار سيساعد كثيراً في امتصاص هذه الظاهرة، وقد ثبت من تجربة بعض الحكومات العربيّة في هذا الشأن نجاعة التعامل باحترام وتقدير، وانفتاح وعقلانيّة ومصداقيّة مع حَمَلة الفكر الغالي. وهي تجربة قابلة للتّكرار.
 

عبدالكريم بكار
  • مقالات
  • إشراقات قرآنية
  • الصفحة الرئيسية