اطبع هذه الصفحة


(خراب العمران )

بندر بن فهد الايداء
@BandrALAyda

 

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على رسوله الأمين . . . أما بعد :

(خراب العمران )

وكذلك نرى في كل يوم دليلاً جديداً على أن هذه الأمة ، أمة محمد صلى الله عليه وسلم  والشعب العربي منها على التخصيص ، لا تؤخذ بالعنف ولا تصبر على الضيم ، وإن هي اضطُرّت إلى الصبر حيناً فستثور عليه حتماً ، فإن هي ثارت فلمن ظَلمها الويل ، لأنها لا تبالي حينئذ بشيء، ولا يقف أمام ثورتها شيء، لأن  الحق معها ، ومن كان الحق معه فإن الله معه ،ومن كان الله معه لم يُغْلب أبداً  ( ذكريات علي الطنطاوي  1/213) .

قال تعالى : ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد )  _ هود : 102_


قال الحافظ ابن كثير رحمه الله (3/349):

يقول تعالى : وكما أهلكنا أولئك القرون الظالمة المكذبة لرسلنا كذلك نفعل بنظائرهم وأشباههم وأمثالهم ،
( إن أخذه أليم شديد ) وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) ثم قرأ  ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) آهـ  . وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى ، أنه قال : ( يا عبادي:إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعـلته بيـنكم محرما؛ فلا تـظـالـمـوا . . .) رواه مسلم (2577)

وإيّاك والظلم المبيَّن إنني ... أرى الظلم يغشى بالرجال المغاشيا
ولا تك حفاراً بظلفك إنما . . . تصيب سهام الغي من كان غاويا

إن الظلم مؤذن بخراب العمران وإن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها لما يرونه حينئذ من أن غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم، وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك، وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب،  فإذا كان الاعتداء كثيرا عاما في جميع أبواب المعاش كان القعود عن الكسب كذلك لذهابه بالآمال جملة بدخوله من جميع أبوابها (مقدمة ابن خلدون ص 294).

مضت سنة الله في الظالمين بأن يأخذهم ولو بعد حين
( ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون ) _ ابراهيم :  42_ تهاوت عروش الفساد لأنها لم تبن على أرض طيبة ، فجاءتها من الله يد حاصدة ( ولن تجد لسنة الله تبديلا) _الفتح : 23 _  فحاكم تونس طريداً ، وحسني له مثل السوء سجيناً ، ومعمر قد خُرِّب ملكه وشُرِّد أهله في الأرض وأخذه الله ( ويشف صدور قوم مؤمنين )  _ التوبة : 14_.

وعندي قروض الخير والشر مثله . . . فبؤسى لذي بؤسى ونعمى لأنْعُمِ

وجازاهم الله من جنس أعمالهم (ولا يظلم ربك أحداً)_الكهف : 49_ فمن طرد الشريعة ونحاها طرده الله،ومن حاصر المسلمين في غزة حاصره الله في بلده ، ومن كذّب بالوحي وسفك الدماء واتهم المؤمنين بالجرذان،سُفك دمه بعد أن سحب من أنابيب الصرف الصحي .......!!! 

واعلم وأيقن أنّ ملكك زائل . . . واعلم بأنَّ كما تدين تدان

 إن من كرم الله على عباده أن يريهم مصارع الظلمة ، وهلاكهم ، وذلّهم ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بينة ) _ التوبة :  42_ ،فبعد أن كنا نقرأ في كتاب الله وفي صفحات التاريخ السالف عن مصارع الأمم الظالمة والحكام الطغاة ، أصبحنا نشاهد هذا كله لحظة بلحظة ( إن في ذلك لذكرى ) _ ق : 37_ وهذا كله ليزداد الإيمان واليقين بأن ليل الظلم قصير وإن طال ( فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً وكنا نحن الوارثين) _ القصص : 58 _

فأهلِكوا بعذاب حصّ دابرهم . . . فما استطاعوا له صرفاً ولا انتصروا

وليعلم من تولى أمر العباد بأن سنة الله ماضية فلا يغتر ( والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين ) _ الزمر : 51_ وليعلم المظلوم بأن  له رباً لا يعجره شيء ، فلتطمأن نفسه ، وليسكن خاطره ، فإن الله هو العلي الكبير ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيد الخير إنك على كل شيء قدير) _ آل عمران :27 _لقد أخذ هؤلاء فرصتهم كاملة،لكنهم حرموا التوفيق ،وعميت عليهم الأنباء، وغُلِّقت أسماعهم،وكانوا من الغافلين ،حتى طلبوا ثبات ملكهم في أسباب زواله وهلاكهم (وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر) _ النساء :  39_

إلى حتفي سعي قدمي . . . أرى قدمي أراق دمي

 إن سنة الله التي لا تبدلُّ ولا تُغيّر  تبشرنا بهلاك بشار طاغية الشام ، وزوال ملكه، وبأن عاقبته وخيمة فقد أربى على من سبقه قاتله الله ، وتخبرنا بأن حاكم اليمن الذي ذاق بعضاً من نار الدنيا فما اتعظ ، بأن جمهوريته إلى خراب (فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس ) _ يونس : 24_  

طريد عشيرة ورهين جرم . . . بما جرمت يدي وجنى لساني

ذكر السيوطي في تاريخ الخلفاء صفحة (192) : أن الجراح بن عبد الله كتب إلى عمر بن عبد العزيز: إن أهل خراسان قومٌ ساءت رعيتهم، وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن في ذلك. فكتب إليه عمر: أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر أن أهل خراسان قد ساءت رعيتهم، وأنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط، فقد كذبت؛ بل يصلحهم العدل والحق، فابسط ذلك فيهم. والسلام.

وكتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه :
أما بعد : فإن مدينتنا قد خربت ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يقطع لها مالاً يرمّها به فعل ، فكتب إليه عمر : أما بعد فقد فهمت كتابك ،وما ذكرت:أن مدينتكم قد خربت؛ فإذا قرأت كتابي هذا،فحصّنها بالعدل ،ونقِّ طرقها من الظلم فإنه مرمَّتها والسلام ( حلية الأولياء 5/305 )

إنه لا يتم ملك ولا يثبت إلا إذا اجتمع الناس على العدل والحق المتمثل في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ومن أراد طريقاً غير هذا فهو
(كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ) _ الأنعام : 122 _  وكان كما قال الأول :

وكانت كعنز السوء قامت لحتفها . . . إلى مدية تحت الثرى تستثيرها

قال ابن خلدون في مقدمته صفحة (160) :
إن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة والسبب في ذلك أنهم لخلق التوحش الذي فيهم أصعب الأمم انقياداً بعضهم لبعض للغلظة والأنفة ، وبعد الهمة والمنافسة في الرياسة ، فقلما تجتمع أهوائهم . فإذا كان الدين بالنبوة أو الولاية ، كان الوازع لهم من أنفسهم ، وذهب خُلُقُ الكبر والمنافسة منهم ، فسهل انقيادهم واجتماعهم .

 إن الله سبحانه لا يحب الظالمين
( الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق) _ الشورى : 42_ والذين اتبعوا أهوائهم (فمن يهدي من أضل الله ومالهم من ناصرين ) _ الروم : 29_كان القرآن يقرأ في ممالكهم وفي قنواتهم ولكن ( ولا يزيد الظالمين إلا خسارا) _ الإسراء : 82_ نصحهم العلماء والصالحون ( فأبى الظالمون إلا كفورا) _ الإسراء : 99_ شيدوا بيوتهم وعمروها بالظلم حتى خربت ( فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون ) _ النمل : 52 _  وأُتوا من مأمنهم (وبدالهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ) _ الزمر : 51_ وأضحى تاريخهم هباء وأُبعدوا (فجعلناهم غثاء فبعداً للقوم الظالمين ) _المؤمنون : 41_ إن الظلمة لا يأتمنون على شيء فكيف بعهد الله ووراثة أرضه (لا ينال عهدي الظالمين ) _ البقرة : 124_ وما أصابهم في الدنيا من هلاك وتشريد فهو قليل ( وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون ) _ الطور : 47_

ما زلت تدفع كل أمر فادح . . . حتى أتى الأمر الذي لا يدفع
فظللتَ تنظر لا رماحك شُرَّع . . . فيما عراك ولا سيوفك قُطَّع

أيها الظالمون : "قد كانت سيوفكم لا تجف ، ونقمتكم لا تؤمن ، ومدائنكم لا ترام ،وعطاياكم لا تفقد ، ومنزلكم مرهوب ، وملككم غالب ، وضياؤكم لا ينكشف ، فها هو ضياؤكم قد خمد ، ونقمتكم لا تخشى ، وعطاياكم لا ترجى ، وسيوفكم لا تقطر ، ومدائنكم لا تمتنع ، وصوتكم قد انقطع وملككم قد اتضع " ( فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ) _ الأنعام : 45_


كتبه
بندر فهد الايداء

1/ 12/ 1432هـ

 

بندر الايداء
  • مقالات
  • كتب وبحوث
  • مع القرآن
  • قصائد
  • الصفحة الرئيسية