اطبع هذه الصفحة


من أيِّ معدن أنت !!

بندر بن فهد الايداء
@BandrALAyda

 

بسم الله الرحمن الرحيم


 (إقرأ) ما أعظم السر في هذا الأمر أن جاء أوّل التنزيل! ، فاستنهض أمّةً تغطّ في سباتها ، تاركةً مناجم العلم وقمم المعرفة تسفي عليها الرياح ، فبعث الله الرسول الأمي _ صلى الله عليه وسلم _ لأمة أميّة فعلّمها وزكّاها (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم . .. الآية ) _ الجمعة : 2_ فكان أساس بنيانها (إقرأ ) لتشيّد أجلّ حضارة عرفتها البشرية وليكون الأميّون سادات العلوم ،ومئرز الفنون فهل رأيتم إعجازاً كهذا ؟ لقد توهج هذا الأمر الرباني مع أمتنا في العصور الأولى يذكرها إذا نسيت ، وينبهها إذا غفلت ، ويحدو معها إذا سارت  . . . إنّ قيمة المرء ليس في جاهه ومنصبه أو مجد ورثه ، بل في الهم الذي يعيش من أجله ، والغاية التي يسعى لها سعيها :

آثاره بعد الموات حياته ... إن الخلود الحق بالآثار

 ليست القضية أن تعيش لهدف بقدر القيمة التي تنشدها فيه ، ومن عرف قيمة ما يطلب هان عليه فيه ما يبذل :

ومن تكن العلياء همة نفسه ... فكل الذي يلقاه فيها محبب

 فالناس بالهمم يعرفون وعناوين حياتهم كتبت بمداد تلك الغايات ، وبها تعرف معادنهم ، وجاء في الحديث ( الناس معادن ) ومرد الأمر بعد توفيق الله إلى الهمة والاطلاع ، فمن الناس الذهب والفضة والنحاس والحديد وما توهّج أحد فانتفع ونفع إلا بالعلم والقراءة وتتطّلب الحكم في مظانّها ، فمن ضرب بعطن ، وأخذ بحظ وافر ، فلن تجده إلا ضنيناً بوقته وما أكرم من يبخل بوقته أن يضيع بلا فائدة يقيدها أو مسالة يحققها !! هؤلاء هم المرابطون على خط النار في خنادق الثغور ينفون عن الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين يتعلمون ويعلمون (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ) _ ابراهيم :24 _ ، ومن ثنو الأعطاف وأعرضوا فلن يعييك مكانهم فهم الغثاء والجراد المنتشر  (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) _النحل : 78_ فتساو الناس في أول الآية وتمايزوا في آخرها فإن كان الذوق سليما والقسطاس مستقيما فانظر حالك مع القراءة وستعرف أي معدن أنت !!

 والناظر في واقعنا علم أن المصاب قد فتّت اللحم وهشّم العظم ، لما انتقل هذا الأمر الرباني ( إقرأ) إلى فعل ماضي مبنيّ على الخذلان وضعف الهمم ، نتغنّى بأمجاد الأجداد وسعة اطلاعهم وقعدنا في شعاب أودية التسويف والجدال والترف الباذخ وأطفأءنا السرج ، والطريق لاحب ، والمشقة مهلكة ! ثم تغزلنا بأمجاد السالفين  وكأن الأمة عقمت ، والإبداع خُتم ، والتميز مفقود !! فلماذا لا نصل المجد بالمجد ؟؟ والعلم بالعلم ؟؟ ليكمَل النصاب وتجب الزكاة :

ألهى بني تغلب عن كل مكرمة      قصيدة قالها عمرو بن كلثوم

حُقّ لنا أن نتفخر بسلفنا الأوائل . . لكنهم ولجوا بوابة القراءة فحازوا السبق ، فما بالنا!؟ تهيئة لنا السبل واستلمنا بطاقات الدعوة!ثم قعدنا بجوار البوابة كالمتسولين الذين يقتاتون على فتات الطعام !!

أمور يضحك السفهاء منها .... ويبكي من عواقبها اللبيب

إن مستقبل القراءة الحالي لن يبرح مكانه في  تعدد الملهيات وكثرة الصوارف ، فقلة السالكين واضحة (والناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة ) إلا إذا نهض أبناءه بهمة وعزيمة ، ولو حرصوا عليها كحرصهم على الطعام والشراب لتغير الحال والألبيري يقول :

فقوت الروح أرواح المعاني . . . وليس بأن طعمتا ولا شربتا

أيها المستقبل : خذ بخيوط النور التي نسجها أسلافنا في الماضي لتجلّل بها ( إقرأ ) من عواصف الشتاء وهواجر الصيف ، واحُكْ لنا بها حلّةً سابغة لكل العلوم ، ولا بأس بالإسبال هنا فإن الله تعالى يقول (وقل ربي زدني علما) _ طه : 114_


كتبه : بندر فهد الايداء
 

بندر الايداء
  • مقالات
  • كتب وبحوث
  • مع القرآن
  • قصائد
  • الصفحة الرئيسية