اطبع هذه الصفحة


شرح عمدة الأحكام (10)

خالد بن سعود البليهد

 
عن نعيم المجمر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل). وفي لفظ آخر: (رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين ثم غسل رجله حتى رفع إلى الساقين ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل). وفي لفظ لمسلم: (سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول: تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء).

يبشر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بأن الله تعالى يخصهم بعلامة فضل وشرف يوم القيامة بسبب الوضوء. وفيه مسائل:

الأولى:
في الحديث فضيلة عظيمة للمداومة على الوضوء وهي أن أهله ينادون على سبيل الإكرام والتشريف فيأتون على رؤوس الخلائق تتلألأ وجوههم وأيديهم وأرجلهم بالنور. وهذا هو معنى قوله:(غرا محجلين). قال ابن حجر: (وأصل الغرة لمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس ثم استعملت في الجمال والشهرة وطيب الذكر والمراد بها هنا النور الكائن في وجوه أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقوله محجلين من التحجيل وهو بياض يكون في قوائم الفرس والمراد به هنا النور أيضا). فتكون هذه العلامة من خصائص هذه الأمة يوم القيامة أما الوضوء فليس من خصائص هذه الأمة على الصحيح لوروده عمن سبق من الأمم كما ثبت في السنة في قصة سارة مع الملك وقصة جريج الراهب.

الثانية:
قوله: (من استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل). إختلف الفقهاء في مجاوزة الحد المفروض من الوجه واليدين والرجلين: فذهب جمهور الفقهاء إلى استحباب الزيادة على المفروض عملا بهذا الحديث على اختلاف بينهم في قدر حد المستحب. وذهب مالك وأحمد في رواية إلى عدم مشروعية مجاوزة محل الفرض واختاره ابن تيمية وهو الصحيح. وقال ابن القيم: (والصحيح أنه لا يستحب وهو قول أهل المدينة وعن أحمد روايتان والحديث لا يدل على الإطالة فإن الحلية إنما تكون زينة في الساعد والمعصم لا في العضد والكتف وأما قوله فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل فهذه الزيادة مدرجة في الحديث من كلام أبي هريرة لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم بين ذلك غير واحد من الحفاظ وفي مسند الإمام أحمد في هذا الحديث قال نعم: فلا أدري قوله من استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو شيء قاله أبو هريرة من عنده. وكان شيخنا يقول هذه اللفظة لا يمكن أن تكون من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الغرة لا تكون في اليد ولا تكون إلا في الوجه وإطالته غير ممكنة إذ تدخل في الرأس فلا تسمى تلك غرة). ويؤيد ذلك أن كل من روى وضوء النبي صلى الله عليه وسلم واستوعب وصفه لم يذكر زيادته على الفرض واتفقوا على اقتصاره على غسل الوجه إلى حده واليدين إلى المرفقين والرجلين إلى الكعبين. فيكون المقصود في الحديث التنبيه على فضل الوضوء واستحباب المداومة عليه ليزداد نور الأعضاء في الآخرة لا الزيادة على المشروع ولذلك كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم المواظبة عليه عند كل صلاة.

الثالثة
: يستحب بعد الفراغ من الوضوء قول ما ورد من الذكر. فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عمر ابن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله واشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء). ولا يستحب النظر حينئذ إلى السماء وما روي في ذلك ضعيف لا يصح. ويستحب التسمية في ابتداء الوضوء ولا يشرع الذكر أثناء الوضوء وما اشتهر عند العامة من تخصيص ذكر لكل عضو منكر لا أصل له في الشرع.


خالد بن سعود البليهد
binbulihed@gmail.com
الرياض: في 29/6/1429

 

خالد البليهد
  • النصيحة
  • فقه المنهج
  • شرح السنة
  • عمدة الأحكام
  • فقه العبادات
  • تزكية النفس
  • فقه الأسرة
  • كشف الشبهات
  • بوح الخاطر
  • شروح الكتب العلمية
  • الفتاوى
  • كتب
  • الصفحة الرئيسية