اطبع هذه الصفحة


شرح عمدة الأحكام (17)

خالد بن سعود البليهد

 
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).

هذا الحديث في مشروعية السواك والتأكيد عليه. وفيه مسائل:

الأولى:
في الحديث استحباب التسوك عند الصلاة وهو يشمل الفرض والنفل في جميع الأحوال. ويستحب أيضا عند الوضوء لما جاء في رواية: (لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء) أخرجه البخاري معلقا وأحمد والنسائي. ونص فقهاء الحنابلة على أن السواك يكون عند المضمضة والذي يظهر أن الأمر واسع في هذا لأنه لم يرد في المرفوع تحديد من قبل الشرع فإن شاء تسوك في ابتداء الوضوء وإن شاء تسوك عند المضمضة. ويسن السواك كل وقت ويتأكد في أحوال: 1- عند الوضوء. 2- عند الصلاة. 3- الاستيقاظ من النوم. 4- دخول المنزل. 5- قراءة القرآن. 6- تغير رائحة الفم.

الثانية:
كره الشافعية والحنابلة السواك للصائم بعد الزوال واستدلوا بما رواه الدارقطني من حديث علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي). وهو حديث ضعيف لا يصح العمل به. ولا يصح الاستدلال بحديث خلوف الصائم لأنه لا يتقرب إلى الله بالرائحة الكريهة وليست مقصودة شرعا وإنما كانت طيبة عند الله لكونها أثرا عن عبادة والمقصود هو الحث على الصوم لا إبقاء الرائحة ولا يقتضي ذلك النهي عن إزالتها بالسواك الذي يرضاه الله ويشرعه في كل وقت بل حاجة الصائم إلى السواك أولى من غيره. والصحيح أنه لا يكره للصائم الاستياك بعد الزوال بل يستحب له ذلك لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب). أخرجه النسائي وحديث عامر بن ربيعة قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يتسوك وهو صائم). أخرجه أحمد. وقد ذهب إلى هذا أبو حنيفة ومالك وهو رواية عن أحمد واختاره ابن تيمية وابن القيم وآخرون.

الثالثة:
يستحب في السواك أن يكون عودا لينا منقيا غير مضر لا يتفتت ولا يجرح كالأراك والزيتون والعرجون وأطيبه عند كثير من الفقهاء الأراك وقد ورد فيه خبر ابن مسعود عند أحمد. ولا يشرع بعود يجرح أو يضر أو يتفتت ولا يحصل به الإنقاء. وهل إذا استاك بأصبع أو خرقة يصيب السنة والفضيلة في ذلك أم لا قولان لأهل العلم: روي عن علي بن أبي طالب أنه استاك بأصبعه ورفعه إلى النبي ولكن هذا الخبر لا يصح. والأظهر أنه يصيب السنة بقدر ما يحصل له من الإنقاء والتنظيف لأن مقصود الشارع فيما يظهر تطهير الفم وتزكية رائحته وليس الأمر تعبديا فالعلة معقولة في هذا الباب فإذا طهر الإنسان فمه بأي مطهر وحصل المقصود أجر على ذلك لكنه ليس في منزلة السواك المنصوص على فضله. وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد واختاره الموفق ابن قدامة.

الرابعة:
في الحديث دليل ظاهر على أن مطلق الأمر يدل على الوجوب لأن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك). علق انتفاء الأمر لوجود المشقة وهذا يقتضي وجود المشقة عند حصول الأمر والمراد به هنا الوجوب لأن الاستحباب ثابت للسواك ولا مشقة فيه وهذا يدل على أن الأمر إذا أطلق في لسان الشارع دل على الوجوب إلا بقرينة لفظية أو معنوية وهذا هو مذهب أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم وعليه المحققون من الأصوليين والفقهاء.

الخامسة:
وفيه بيان لخلق عظيم يتحلى به رسول الله الكريم صلى الله عليه وسلم وهو كمال شفقته على أمته وحرصه على هدايتهم ونفي الحرج عنهم ودفع المشقة عنهم وبذل الجهد العظيم في سبيل سعادتهم سواء كان ذلك في أصل الدين وهدايتهم إلى الإسلام أو في فروع الدين وأنواع العبادات أو في باب الأخلاق وأعمال الخير. قال تعالى في وصفه: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ). وقال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ). وقال الحسن البصري: هذا خُلُقُ محمد صلى الله عليه وسلم بعثه الله به. وفي مشهد القيامة يتجلى حرصه صلى الله عليه وسلم وكمال شفقته على أمته وقد دل على هذا الخلق الكريم والسجية النبيلة كثير من النصوص الشرعية. فحريا بالمؤمن أن يعظمه ويعزره ويوقره ويقدم محبته على كل من سواه ويجتهد في نصرة دينه ونشر سنته وأحكام شرعه.

خالد بن سعود البليهد
binbulihed@gmail.com
الرياض: في 12/7/1429


 

خالد البليهد
  • النصيحة
  • فقه المنهج
  • شرح السنة
  • عمدة الأحكام
  • فقه العبادات
  • تزكية النفس
  • فقه الأسرة
  • كشف الشبهات
  • بوح الخاطر
  • شروح الكتب العلمية
  • الفتاوى
  • كتب
  • الصفحة الرئيسية