اطبع هذه الصفحة


شرح عمدة الأحكام (33)

خالد بن سعود البليهد

 
عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن لا يستحيي من الحق فهل على المرأة غسل إذا هي احتلمت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم إذا هي رأت الماء).

الحديث في بيان ما يجب على المرأة إذا خرج منها المني. وفيه مسائل:
الأولى: قولها: (إن الله لا يستحيي من الحق). تعني بذلك أن الله لا يترك تأديبكم وبيان الحق لكم من أجل الحياء فالحياء لا يمنع أبدا من ذكر الأشياء التي يستحيا منها غالبا إذا كان الغرض من ذلك بيان الحكم الشرعي والتوجيه والتنبيه على الأخطاء المتعلقة بالدين. وقد ذكرت هذه الجملة في مقدمة سؤالها لتعتذر عن ذكرها احتلام المرأة وهذا من فقهها في السؤال. وبهذا يتبين أن ذكر المسائل الدقيقة والأمور الخفية لا تنافي الحياء الممدوح شرعا لكن ينبغي للمتكلم أن يستخدم الأدب الشرعي في استخدام الألفاظ والعبارات ويكني عما يستحي من ذكره.

الثانية:
فيه دليل على ثبوت صفة الحياء لله تعالى لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر أم سليم على قولها وقد ورد في الكتاب والسنة ما يدل على أن الله عز وجل يوصف بالحياء. قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا). . وفي الحديث: (إن الله عز وجل حيي ستير يحب الحياء والستر). رواه أبو داود. وفي الصحيحين قصة الثلاثة نفر الذين دخلوا المسجد قال رسول الله: (وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه). ومذهب أهل السنة والجماعة أن لله صفة الحياء على الوجه الذي يليق بجلاله ليس كحياء المخلوقين الذي يعتريه الخوف والانكسار فيثبتون لله هذه الصفة من غير تكييف ولا تمثيل كسائر الصفات الاختيارية كالغضب والسخط والكره والرضا والمحبة والود.

الثالثة:
فيه دليل على حصول الاحتلام للمرأة ونزول المني منها كالرجل وهذا بالنص والإجماع وقد ذكر الفقهاء أن مني المرأة ماء أصفر رقيق وقد يشتبه تمييزه بالمذي على بعض النساء والضابط فيه ما خرج عند انتهاء الشهوة وأعقبه فتورا وانقباضا.

الرابعة:
الحديث نص على وجوب الغسل لمن احتلم ذكرا كان أو أنثى ولكن يشترط لوجوبه رؤية المني وقد اتفق الفقهاء على ذلك. أما إذا حصل احتلام بلا إنزال فلا غسل حينئذ لأن الحكم منوط بوجود المني لقوله صلى الله عليه وسلم: (نعم إذا رأت الماء). قال ابن المنذر: (أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم). أما إذا وجد الانسان بللا بغير احتلام فإن كان بولا أو مذيا لم يلزمه الغسل وإن كان منيا وجب عليه الغسل اتفق الفقهاء عليه. أما إذا وجد بللا واشتبه عليه ولم يميزه فقد اختلف أهل العلم في حكمه والصحيح أنه لا يجب عليه الغسل إلا إذا تيقن كونه منيا عملا بيقين الطهارة واليقين لا يزول بالشك. والحاصل أن العبرة بوجوب الغسل رؤية المني أما الاحتلام فهو قرينة على حصوله ولا يجب الغسل به كما جاء مصرحا به في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما قال يغتسل وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولا يجد بللا فقال لا غسل عليه). رواه أبوداود وابن ماجه.

الخامسة:
في الحديث مشروعية سؤال المرأة أهل العلم عما أشكل عليها في دينها من المسائل الدقيقة وحرصها على التفقه في الدين كنساء الأنصار اللاتي كن لا يمنعهن الحياء من التفقه في الدين فلا حرج على المرأة أن تسأل من عرف بالعلم وتناقشه وتتلقى عنه العلم وقد كان نساء الصحابة يسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفقهاء الصحابة ويراجعنهم في ذلك. فلا ينبغي على المرأة إن احتاجت لذلك أن تشدد على نفسها وتترك السؤال حياء أو تعففا.


خالد بن سعود البليهد
عضو الجمعية العلمية السعودية للسنة
binbulihed@gmail.com
10/2/1430

 

خالد البليهد
  • النصيحة
  • فقه المنهج
  • شرح السنة
  • عمدة الأحكام
  • فقه العبادات
  • تزكية النفس
  • فقه الأسرة
  • كشف الشبهات
  • بوح الخاطر
  • شروح الكتب العلمية
  • الفتاوى
  • كتب
  • الصفحة الرئيسية