اطبع هذه الصفحة


بيان غلظ تحريم قتل الإِنسان نفسه
وأن من قتل نفسه بشيء عذب به في النار،
وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة

خالد بن سعود البليهد

 
1-حديث أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ في نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فيها أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَديدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ يَجَأُ بِها في بَطْنِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أَبَدًا).
2-حديث ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، وَكانَ مِنْ أَصْحابِ الشَّجَرَةِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَنْ حَلَفَ عَلى مِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلامِ فَهُوَ كَما قَالَ، وَلَيْسَ عَلى ابْنِ آدَمَ نَذْرٌ فِيما لا يَمْلِكُ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ في الدُّنْيا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ).

3-حديث أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: شَهِدْنا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ، فَقالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَدَّعِي الإِسْلامَ: (هذا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَلَمّا حَضَرَ الْقِتالُ قاتَلَ الرَّجُلُ قِتالاً شَديدًا فَأَصابَتْهُ جِراحَةٌ، فَقِيلَ يا رَسُولَ اللهِ الَّذِي قُلْتَ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَإِنَّه قَدْ قاتَلَ الْيَوْمَ قِتالاً شَدِيدًا، وَقَدْ مَاتَ، فَقالَ صلى الله عليه وسلم: إِلى النَّارِ قَالَ فَكادَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَرْتابَ؛ فَبَيْنَما هُمْ عَلى ذلِكَ إِذْ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَلكِنَّ بِهِ جِراحًا شَدِيدًا، فَلَمّا كانَ مِنَ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلى الْجِراحِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ: فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِذلِكَ، فَقالَ: اللهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِلالاً فَنادى في النَّاسِ: إِنَّه لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَإِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هذا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفاجِرِ).

4-حديثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْتَقى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلى عَسْكَرِهِ، وَمالَ الآخَرُونَ إِلى عَسْكَرِهِمْ، وَفي أَصْحابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ لا يَدَعُ لَهُمْ شاذَّةً وَلا فَاذَّةً إِلاَّ اتَّبَعَهَا يَضْرِبُها بِسَيْفِهِ، فَقالُوا ما أَجْزَأَ مِنّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَما أَجْزَأَ فُلانٌ؛ فَقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (أَما إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنا صَاحِبُهُ قَالَ فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّما وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذا أَسْرَعَ أسرع مَعَهُ؛ قَالَ فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَديدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ، وَذُبابَهُ بَيْنَ ثَدْييْهِ ثُمَّ تَحامَلَ عَلى نَفْسِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ قَالَ: وَما ذَاكَ قَالَ: الرَّجُلُ الَّذي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أَنا لَكُمْ بِهِ، فَخَرَجْتُ في طَلَبِهِ، ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ في الأَرْضِ، وَذُبابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ ذَلِكَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فيما يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيما يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ).

5-حديث جُنْدُبَ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم (كَانَ فيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِها يَدَهُ فَما رَقَأَ الدَّمُ حَتّى مَاتَ، قَالَ اللهُ تَعالَى بادَرَنِي عَبْدي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ).

الشرح:

هذا الباب في بيان جرم عظيم وكبيرة من كبائر الذنوب ألا وهي قتل المسلم نفسه وإزهاق روحه التي بين جنبيه لأجل جزع أو قلة صبر أو ضيق حال أو تعرض لفتنة وغير ذلك. وقد ورد الوعيد الشديد والعذاب الأكيد على هذه الفعلة الشنيعة. فقد دل الحديث الأول على عظم العذاب على قاتل نفسه في الآخرة وأن جزائه في النار من جنس عمله في الدنيا سواء بسواء من باب العدل فيعذب بنفس الطريقة التي قتل نفسه بها فإن كان قتل نفسه برميها من جبل أو مكان عال كان عذابه كذلك بترديه من جبل في النار وإن كان قتل نفسه بسم شربه كان عذابه أيضا بسم يتجرعه في النار وإن كان قتل نفسه بآلة من حديد كام عذابه أيضا بحديدة يطعن بها في بطنه وهكذا الجزاء من جنس العمل. وقوله خالدا مخلدا في النار هذا مؤول عند أهل السنة ليس على ظاهره خرج مخرج الزجر والتخويف وتحقيق مذهب أهل السنة والجماعة أن قاتل نفسه من أهل الإسلام موحد عاص مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته غير خارج من الملة وإن كان مرتكبا لكبيرة خلافا لمذهب الخوارج. ودل الحديث الثاني على تحريم الحلف بغير ملة الإسلام كقوله والله أنا يهودي او نصراني إن كنت كاذبا لأنه لا يجوز للمسلم تعظيم الكفر وأهله. وقد ورد في الصحيح أن من حلف بغير الإسلام فليتب من ذلك وكفارته أن يتشهد. ودل الحديث على بطلان النذر في شيئ لا يملكه العبد كاأن يقول إن شفى الله مريضي فسأتصدق بشاة فلان أو مال فلان فنذره لاغ لا ينعقد بذلك لأنه لا يحق له التصرف بمال الغير. ودل أيضا على تحريم لعن المؤمن وهو كقتله في التحريم والإثم. وجعل النبي صلى الله عليه وسلم تكفير المسلم كقتله لأن الكفر سببا في استباحة دمه وقتله. وهذا يدل على خطورة تكفير المسلم ولعنه ويدخل في معناه قذفه بالزنا والعظائم وقد تساهل بعض الناس في إطلاق لسانه في أعراض المسلمين وهذا يدل على ضعف الإيمان وخبث الطوية وقلة الورع في المحارم. فالواجب على المسلم الحذر الشديد من هذا المسلك المشين. وفي الحديث الثالث بيان لقصة ذلك الرجل الذي كان ظاهر عمله الصلاح والخير وهو في حقيقة الأمر وداخليته الشر والفساد وقد اغتر بظاهره الصحابة رضي الله عنهم وغبطوه ثم بين لهم الرسول صلى الله عليه وسلم حقيقة حاله وأنه من أهل النار يعني يدخل النار ويستوجبها لجرمه ثم لما اشتدت الجراحة في بدنه جزع ولم يصبر فقتل نفسه وختم له بسوء والعياذ بالله. وهذه القصة فيها صدق نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر بالغيب فوقع كما قال. وفيه أن المؤمن يجب عليه أن يوقن بخبر الله ورسوله ولا يرتاب أبدا ولو لم يظهر له معنى الخبر وتأويله بل عليه أن يسلم الأمر لله ويصدقه ولو لم يطق ذلك لأن عقله لا يحيط وصفا ولا معرفة كنه الغيب الذي يخبر الله به وأكمل المؤمنين إيمانا أعظمهم صدقا ولذلك كان أبو بكر يدعى الصديق لعظم تصديقه. ومما يؤسف له اليوم ضعف التصديق عند طائفة من المسلمين لتأثرهم بالماديات. وفيه أن العبرة بخواتيم العمل وهذا يوجب على المؤمن الحذر من سوء الخاتمة ولكن جرى عدل الله ولطفه أنه لا يخيب من كان صادقا في إيمانه وأن يخذل من كانت سريرته منطوية على الشك والنفاق. وفيه أن شرط دخول العبد الجنة أن يكون مسلما بدين محمد مصدقا بشرعه مؤمنا بوحيه وهذا يدل على أن جميع الكفار بصنوفهم وأصحاب البدع المكفرة الجنة عليهم حرام. وفيه أن من حكمة الله تسخير الرجل المنافق والفاسق لنصرة الدين فلنا عمله الظاهر ونيته وسوء قصده عليه يحاسبه ربه يوم القيامة. وهذا يدل على أن المؤمن إذا دعي لعمل صالح أجاب ولو كان القائم عليه فيه شبهة أو ريبة أو يعرف بشر فلا حرج عليه في المشاركة عند ترجح المصلحة وانتفاء المفسدة ولذلك قرر الأئمة مشروعية القتال وإقامة الجمعة مع إمام الجور وهذا يبين وسطية منهج أهل السنة خلافا للغلاة. وفي الحديث الرابع تفصيل أتم لقصة الرجل الذي قتل نفسه. وفيه دليل على أن الانسان قد يكون يعمل الصالحات في حياته ويثني عليه الناس ويعجبون بعمله ثم والعياذ بالله ينتكس ويعمل السيئات التي توجب له دخول الجنة وهذا ظاهره مشكل ولكن قوله فيما يبدو للناس يزيل الإشكال ويبين بأن المراد أن هذا الرجل كان يرائي بعمله ونيته فاسدة في الداخل ويظهر عمله لغرض من الدنيا ثم غلب عليه سوء القصد فختم له بسوء فيدخل النار. وعكس ذلك رجل كان عاصيا يجاهر بالذنوب لا يطيع الله يذمه الناس ويحذروه ولكن في قلبه نية صالحة تشعره بالندم والخوف من الله ويحدث نفسه بالتوبة فتغلب هذه النية الصالحة على قلبه عند موته فيختم له بعمل صالح فيدخل الجنة. أما من كان مؤمنا وعمل الصالحات طاعة لله إيمانا واحتسابا فهذا يختم له بخير ويثبته الله عند موته إنفاذا لوعده ورحمة بعبده المؤمن ولا يظلم ربك أحدا. وفي الحديث الخامس ذكر لقصة رجل كانت في يده قرحة واشتد عليه الألم ثم أخذ سكينا فقطع موضع القرحة قصدا للموت لم يرد المداواة فنزف دمه حتى مات فحرم الله عليه الجنة وأدخله النار لأنه تجاوز حد الله وتسبب في قتل نفسه واستعجل الموت وترك ما يجب عليه من الصبر ولم يوقن بالثواب المترتب على صبره. والتحريم المذكور في الحديث ليس على سبيل التأبيد عند أهل السنة وإنما المراد تحريم مؤقت حتى يطهر من عمله ويكون صالحا لدخول الجنة. وفيه دليل على تحريم تعاطي العبد الأسباب المفضية للموت كالسرعة الجنونية وتعاطي المخدرات والمخاطرة بالنفس في الألعاب الرياضية الخطيرة. وقد كثر في هذا الزمان الإنتحار في المسلمين لضعف الوازع الديني وقلة البصيرة وكثرة الجهل والاستخفاف بغضب الرب وعذابه والله المستعان. أما الكفار فالإنتحار عندهم ظاهرة مشهورة منذ القدم لخوائهم الروحي وإنكارهم البعث وفساد فطرتهم. فينبغي على المسلم أن يعظم حرمة هذه النفس وأن يوقن بعظم العقوبة على قتل النفس ولا يرتكب هذه الجريمة مهما بلغت به الأحوال وضاقت عليه الأسباب وتعرض للفتنة والأذى وعليه أن يصبر ويرضى بالقدر ويحتسب الثواب ويسلم أمره لله ويعلم أن البلاء طريق إلى الجنة ويعلم إنما هي أيام قلائل ويلقى ربه ويفضي إلى ما قدم من العمل.
 

خالد بن سعود البليهد
عضو الجمعية العلمية السعودية للسنة
binbulihed@gmail.com
14/1/1432


 

خالد البليهد
  • النصيحة
  • فقه المنهج
  • شرح السنة
  • عمدة الأحكام
  • فقه العبادات
  • تزكية النفس
  • فقه الأسرة
  • كشف الشبهات
  • بوح الخاطر
  • شروح الكتب العلمية
  • الفتاوى
  • كتب
  • الصفحة الرئيسية