اطبع هذه الصفحة


غلظ تحريم الغلول وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون

خالد بن سعود البليهد

 
حديث أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: (افْتَتَحْنَا خَيْبَرَ وَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلا فِضَّةً، إِنَّما غَنِمْنا الْبَقَرَ وَالإِبِلَ وَالْمَتاعَ وَالْحَوائِطَ، ثُمَّ انْصَرَفْنا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلى وادي الْقُرى وَمَعَهُ عَبْدٌ لَهُ يُقالُ لَهُ مِدْعَمٌ، أَهْداهُ لَهُ أَحَدُ بَني الضِّبابِ؛ فَبَيْنَما هُوَ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ جاءَهُ سَهْمٌ عائِرٌ حَتّى أَصابَ ذَلِكَ الْعَبْدَ فَقالَ النَّاسُ: هَنيئًا لَهُ الشَّهادَةُ فَقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: بَلى وَالَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتي أَصابَها يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغانِمِ لَمْ تُصِبْها الْمَقاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نارًا فَجاءَ رَجُلٌ، حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، بِشِراكٍ أَوْ بِشِراكَيْنِ، فَقالَ: هذا شَيْءٌ كُنْتُ أَصَبْتُهُ فَقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: شِراكٌ أَوْ شِرَاكانِ مِنْ نارٍ).

الشرح:
هذا الحديث دليل على تحريم الغلول وأنه من الكبائر العظيمة التي توجب دخول الغال النار لأنه من أكل الأموال الناس بالباطل والشارع قد شدد في عقوبة حقوق الخلق وأوجب فيها العذاب في الآخرة ما لم يؤدها لأصحابها في الدنيا أو يتحلل منهم قبل أن لا يكون درهم ودينار يوم الحساب. فهذا الباب مبناه على المشاحة ولا يدخل فيه المسامحة من قبل الرب خلافا للذنوب التي بين العبد وربه مبناها على المسامحة والعفو. والغلول المنهي عنه هو أن يحوز المجاهد شيئا من أموال الغنائم التي لم يرخص فيها قبل قسمتها وإنما شدد فيها لأنه استولى على مال عام يتعذر ضبطه ويخفى حاله غالبا ولا يطلع عليه إلا الله. فالغلول الخيانة في المغنم وكل من خان في مال خفية فقد غل. قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). أما الطعام اليسير الذي يصيبه المجاهد في القتال من جوز وتمر وبيض ونحوه فيجوز له أكله لما في البخاري عن ابن عمر رضي الله عنها: (كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه). وهذا قول أكثر أهل العلم. وفي قصة الحديث بين أبو هريرة رضي الله عنه أنهم أصابوا المواشي والمتاع في غزوة خيبر ولم يكن في غنائمهم الذهب والفضة ثم انصرفوا إلى وادي القرى وبينما مدعم غلام الرسول صلى الله عليه وسلم مشغولا بإنزال المتاع جاءه سهم خاطئ فقتله فأثنى عليه الناس خيرا وهذا هو الأصل أن الناس يحكمون على الشخص بظاهر حاله لأنهم شهود الله في أرضه. ثم بين لهم الرسول صلى الله عليه وسلم أنه مرتكب لكبيرة توجب له دخول النار وهو أنه استولى على لباس في غزوة خيبر قبل القسمة وهذا فيه دليل على أن التحريم يكون بشرط الأخذ قبل وقوع القسمة على الغنيمة. وقوله صلى الله عليه وسلم: (شراك أو شراكان من نار). الشراك هو سير النعل وفيه دليل على تحريم اليسير من الغلول وعدم التسامح فيه وهذا عام في كل مال محرم لا يحل شيء منه ولو كان يسيرا. وفي هذا الحديث دليل على عظم خطورة الغصب والاستيلاء على أموال المسلمين العامة ولو كان المرء ظاهره الصلاح ويؤدي الفرائض لأن حقيقة التقوى اجتناب المكاسب المحرمة ولو كان العمل الصالح يسيرا وليس كما يظن كثير من الناس اليوم أن التقوى هو الاستكثار من الصالحات مع التساهل في أكل أموال الناس بالباطل وتضييع حقوق الغير. ويدخل في معنى الغلول المحرم قبول المسئول في ولاية وقضاء وإدارة ونحوه الهدايا من الناس واستباحتها لنفسه وقد أهديت له لأجل رئاسته والتزلف له ليحابيهم ويؤثرهم على الغير وقد ورد في مسند أحمد : (هدايا العمال غلول). وورد في صحيح البخاري إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على ابن اللتبية حينما استعمله فقبل هدايا الناس لنفسه. ومثله في الوزر من يتسلط على المال العام ويستبيحه لنفسه بتأويلات باطلة ومعاذير فاسدة. نسال الله السلامة لنا وللمسلمين والكفاية بحلاله عن حرامه والغنى بفضل الله عما سواه.
 

خالد بن سعود البليهد
عضو الجمعية العلمية السعودية للسنة
binbulihed@gmail.com
22/1/1432

 

خالد البليهد
  • النصيحة
  • فقه المنهج
  • شرح السنة
  • عمدة الأحكام
  • فقه العبادات
  • تزكية النفس
  • فقه الأسرة
  • كشف الشبهات
  • بوح الخاطر
  • شروح الكتب العلمية
  • الفتاوى
  • كتب
  • الصفحة الرئيسية