اطبع هذه الصفحة


رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب وعرض الفتن على القلوب

خالد بن سعود البليهد


حديث حُذَيْفَةَ قَالَ: حَدَّثَنا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَديثَيْنِ، رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا، وَأَنا أَنْتَظِرُ الآخَرَ حَدَّثَنا (أَنَّ الأَمانَةَ نَزَلَتْ في جَذْرِ قُلوبِ الرِّجالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ وَحَدَّثَنا عَنْ رَفْعِها قَالَ: يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُها مثل أَثَر الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ، فَيَبْقى أَثَرُها مِثْلَ الْمَجْلِ كَجَمْرِ دَحْرَجْتَهُ عَلى رِجْلِكَ، فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبايَعُونَ فَلاَ يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، فَيُقَالُ إِنَّ فِي بَنِي فُلاَنٍ رَجُلاً أَمِينًا؛ وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَان وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ؛ لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ عَلَيَّ الإِسْلاَمُ، وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، فَأَمَّا الْيَوْمَ، فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلاَّ فُلاَنًا وَفُلاَنًا). متفق عليه.


الشرح:

في هذا الحديث إخبار عن رفع خلق الأمانة في الأمة وهو من باب أشراط الساعة الصغرى التي أطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم عليها وهو يدل على صدق النبوة. وقد أخبر في الحديث أن المؤمنين المتبعين للنبي صلى الله عليه وسلم تنزل الأمانة أولا في قلوبهم والمراد بها الإيمان وهي تشمل ما اؤتمن عليها العبد فيما بينه وبين الله وفيما بينه وبين الناس بحيث يوفي بعهد الله وعهد الناس ثم يحصل العلم بالكتاب والسنة ثانيا. وفيه دليل على أن الإيمان قبل العلم وهكذا كان منهج الصحابة في تلقي الدين يصدقون ويقرون وينقادون ثم يتعلمون تفاصيل الشريعة ويعملون بها شيئا فشيئا. ثم أخبر أن الأمانة تقبض وتزول من قلوب الرجال والمراد الكمال الواجب وليس أصلها وهذا يقتضي نقص الإيمان وضعفه فلا يبقى في القلب من الأمانة إلا أثر يسير كأثر الجمر إذا دحرجته وتبقى نفط يسير لا يكاد يرى بالعين. وفيه دليل على أن الأمانة تقل عند الناس منذ زمن مبكر لأن حذيفة رضي الله عنه أخبر أن ذلك وقع في الصدر الأول فكيف بزماننا هذا. وفيه دليل على تغير أحوال الناس في المبايعات والمعاملات المادية وانتشار الغش والتدليس والخيانة وغلبة الشح والطمع على جمع المال ولو من طريق محرم وهذا واقع في كثير من الأسواق لا يحتاج إلى برهان والله المستعان. وفيه إشارة إلى أن كمال هيئة الرجل وجمال زينته وصورته لا يدل على صدقه وأمانته ووفائه فلا ينبغي للمؤمن أن يغتر بالظواهر وليحتاط في تجارته كما احتاط حذيفة فصار لا يبايع إلا من وثق بأمانته. وفيه قلة الأمناء في الأمة بحيث يصبح لا يعرف في القبيلة والبلد إلا شخصا معينا وهذا التغير وإن كان معهودا في الجملة إلا أنه نسبي فقد تكثر الأمانة في فترة ومكان ولو كانا متأخرين كما انتشرت الأمانة في زمن عمر ابن عبد العزيز رحمه الله لعدله. وفي قصة حذيفة عزاء وتسلية للمؤمن إذا بقي في مجتمع حثالة أو قوم من أهل الغفلة والفساد فعليه أن يصبر ويثبت على الحق حتى يلقى ربه. والأمانة لها منزلة عظيمة في الدين فلا إيمان لمن لا أمانة له. والأمانة عامة في كل ما عهد للمؤمن حفظه وأخذ عليه ذلك من الفرائض والجوارح والمال والوقت والولاية ورعاية الأهل والحيوان والوفاء بالعقود والجوار وغير ذلك. والقيام بمقتضى الأمانة دليل على صدق الإيمان وكماله وعدمها يدل على نقص الإيمان وضعفه. ومن المؤسف أن ترى الرجل يصلي ويصوم ويتنسك فإذا حضرت الأمانة هلك وخان الأمانة وترك الوفاء.


خالد بن سعود البليهد
binbulihed@gmail.com
1432/10/26


 

خالد البليهد
  • النصيحة
  • فقه المنهج
  • شرح السنة
  • عمدة الأحكام
  • فقه العبادات
  • تزكية النفس
  • فقه الأسرة
  • كشف الشبهات
  • بوح الخاطر
  • شروح الكتب العلمية
  • الفتاوى
  • كتب
  • الصفحة الرئيسية