اطبع هذه الصفحة


باب التمتع

خالد بن سعود البليهد

 
19- عَنْ أَبِي جَمْرَةَ نَصْرِ بْنِ عِمْرَانَ الضُّبَعِيِّ - قَالَ { سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الْمُتْعَةِ ؟ فَأَمَرَنِي بِهَا ، وَسَأَلَتْهُ عَنْ الْهَدْيِ ؟ فَقَالَ : فِيهِ جَزُورٌ ، أَوْ بَقَرَةٌ ، أَوْ شَاةٌ ، أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ قَالَ : وَكَانَ نَاسٌ كَرِهُوهَا ، فَنِمْتُ . فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ : كَأَنَّ إنْسَانًا يُنَادِي : حَجٌّ مَبْرُورٌ ، وَمُتْعَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ . فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَحَدَّثَتْهُ . فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
هذا الحديث في مشروعية نسك التمتع. والتمتع هو أداء العمرة والحج في سفر واحد بحيث يأتي المحرم بالعمرة ثم يتحلل منها ثم يأتي بالحج في نفس العام. قال تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ). قال ابن عبد البر: (لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بقوله تعالى فمن تمتع بالعمرة إلى الحج أنه الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج). وسمي متعة لأن المحرم يتمتع بسقوط سفر واحد لأن الأصل لكل نسك سفر. ويشترط لنسك التمتع أن يأتي بالعمرة في أشهر الحج وأن يجمع بينهما في نفس العام وأن لا يقطع بينهما بسفر مسافة قصر على الصحيح وأن يتحلل من العمرة قبل إحرامه بالحج وأن لا يكون من أهل مكة. وقوله: (سألت ابن عباس عن المتعة فأمرني بها). سأله عن حكمها في زمن ابن الزبير وكان ابن الزبير ينهى عن فعلها وقد بين ابن عباس أنها مشروعة موافقة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وفي هذا دليل على أنه قد يشيع مذهب في بلد أو فترة ويكون الصواب في غيره. وفي الحديث دليل على أن الهدي الواجب المذكور في قوله تعالى: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ). هو ذبح شاة أو بقرة أو بعير استقلالا أو مشاركة في البعير والبقرة أسباعا ذكرا أو أنثى كما جاء في حديث جابر قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة). رواه مسلم. وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد أن الإبل والبقر لا يجزئ إلا سبعة خلافا لمن قال يجزئ عن عشرة فقوله مرجوح وخبر ابن عباس في هذا الباب معلول لا يصح ولا يقوى على معارضة المحفوظ وأكثر أهل العلم على ترك العمل به. وأجمع الفقهاء على أن الشاة لا يصح الإشتراك فيها وإنما تجزئ عن واحد. ويجب على المتمتع والقارن أن يذبح هديا بإتفاق أهل العلم أما المفرد فلا يلزمه هدي ولا يجب الهدي على أهل مكة ومن كان قريبا منها بنص القرآن. وفيه دليل على الاستئناس يالروية الحسنة الموافقة للشرع. وفيه فرح العالم بموافقة رأيه للصواب في المسألة المختلف فيها. وفيه شدة اتباع الصحابة رضي الله عنهم للسنة وما وقع منهم من مخالفة للسنة عن تأويل واجتهاد وليس عن عمد وهكذا ينبغي على الفقيه أن يكون حريصا على اتباع السنة وموافقة الدليل في مذهبه. وفيه إكرام الشخص المخبر بخبر حسن يعود على المرء بالفرح في دينه ودنياه لأن ابن عباس قال لابن أبي جمرة في رواية: (أقم عندي أجعل لك سهما من مالي). وفيه أنه لا حرج على المستفتي أن يبين للعالم اختلاف الناس ليفتيه بالرأي الراجح الموافق للدليل.

20- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ { تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ وَأَهْدَى . فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ . وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ ، فَكَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى ، فَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ الْحُلَيْفَةِ . وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلنَّاسِ : مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ . وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ فَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ . وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنْ السَّبْعِ ، وَمَشَى أَرْبَعَةً ، وَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَتَى الصَّفَا ، وَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ ، ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ . وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ ، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ النَّاسِ } .

هذا الحديث في بيان نسك النبي صلى الله عليه وسلم. وقد اختلف أهل العلم في تعيين النسك الذي أحرم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم أحرم مفردا وقال بعضهم أحرم قارنا وهو الصواب الذي دلت عليه الروايات بمجموعها ولا يشكل إطلاق التمتع على القران لأن التمتع له معنى خاص وقد سبق بيانه وله معنى عام من حيث مدلول اللغة يشمل القران لأن القارن تمتع بإسقاط عمل العمرة والخروج إلى ميقاتها فيكون قول ابن عمر هنا في الحديث: (فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج). يعني لبى بهما جميعا كما جاء صريحا في حديث أنس المخرج في الصحيحين قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لبيك عمرة وحجا). قال ابن القيم: (الذي صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو متعة القران كما قطع به أحمد). وفي الحديث استحباب سوق الهدي من المكان البعيد لمن كان قارنا وهو من السنن المهجورة. وفيه دليل على أن من ساق الهدي لا يحل له أن يتحلل قبل قبل يوم النحر بل عليه أن يمضي في إحرامه حتى يذبح هديه كما قال تعالى: (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ). وفيه دليل على أن من لم يسق الهدي فالمشروع في حقه أن يأتي بالعمرة ثم يتحلل من إحرامه بتقصير الشعر ثم يحرم بالحج يوم التروية لأمر النبي صلى الله عليه وسلم من لم يسق الهدي بذلك وهذا الأمر منه على سبيل الاستحباب عند الأكثر وحكمه باق غير منسوخ فيسن لمن أحرم بالحج وحده أو بالحج والعمرة أن يقلب نيته إلى العمرة قبل الطواف فيأتي بها ثم يتحلل ثم يحرم بالحج ومحل ذلك إذا كان الوقت متسعا أما إذا تضايق الوقت فلا يتمتع. وقوله صلى الله عليه وسلم: (وليقصر). فيه استحباب التقصير عند التحلل من العمرة ليبقى شعر في الحج فيقصر في العمرة ويحلق في الحج وفيه دليل صريح على أن الحلق نسك مستقل واجب داخل في أعمال الحج والعمرة وهذا مذهب الجمهور خلافا لمن يرى أنه استباحة محظور يراد منه الخروج من الإحرام ولا يجب بتركه دم وهذا قول للشافعي ورواية عن أحمد. وفيه دليل على أن من لزمه الهدي وعجز عن قيمته أو فقدها وجب عليه أن يصوم عشرة أيام كفارة عنه يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله كما قال تعالى: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ). والأفضل أن يصوم الثلاثة بعد إحرامه بالحج إلى يوم عرفة فإن صامها قبل إحرامه بالحج أجزأ على الصحيح وهذا مذهب أبو حنيفة وأحمد ويجوز صومها في أيام التشريق لحديث ابن عباس ويكره صوم يوم عرفة ويحرم يوم العيد لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ويجوز تفريقها ومتابعتها ويبتدأ في صوم السبعة إذا شرع في الرجوع إلى أهله فإن فاته الصوم لعذر وجب عليه القضاء. وفيه استحباب طواف القدوم للقارن والمفرد لفعل النبي صلى الله عليه وسلم فيطوف بالبيت سبعا ثم يصلي ركعتين عند مقام إبراهيم إن تيسر فإن لم يتيسر صلى في أي موضع والأولى داخل المسجد وركعتا الطواف سنة مؤكدة على الصحيح ثم يرجع فيستلم الحجر الأسود إن تيسر له ثم يسعى سعي الحج سبعة أشواط ابتداء من الصفا وانتهاء بالمروة ولا يشترط الموالاة بينها ولا يشترط لها الطهارة خلافا للطواف ثم يبقى على إحرامه حتى يقضي حجه وينحر هديه ثم يتحلل من إحرامه وهذا هو عمل المفرد والقارن لا اختلاف بينهما إلا في أمرين النية في الإحرام ولزوم الهدي. وفيه أنه يشترط لصحة السعي أن يسبقه طواف بالبيت فمن سعى منفردا من غير طواف لم يصح سعيه عند عامة أهل العلم وهو الصحيح وما ورد في الرخصة في تقديم السعي على الطواف في السنن شاذ غير محفوظ. ولا يشرع التطوع بالسعي خارج النسك إجماعا فلا يكون إلا واجبا خلافا للطواف بالبيت فإنه يقع فرضا ونفلا لدلالة القرآن وعمل الصحابة رضي الله عنهم. وفي الحديث دليل على أن الأصل في أفعال الرسول التعبدية العموم وعدم الخصوصية إلا إذا دل الدليل على اختصاصه بذلك.

21- عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا مِنْ الْعُمْرَةِ وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ فَقَالَ : إنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي ، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي ، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ } .
هذا الحديث في بيان سبب امتناع الرسول صلى الله عليه وسلم من التحلل من العمرة. وفي الحديث مشروعية سؤال العالم عما يشكل من أفعاله في العبادة وغيرها وقد استشكل الصحابة بقاء الرسول صلى الله عليه وسلم على إحرامه لكونه أمر الناس بالتحلل. وقولها: (ولم تحل أنت من عمرتك). اختلفت الأحاديث في وصف نسك الرسول صلى الله عليه وسلم فورد أنه مفرد بالحج وورد أنه قارن وورد أنه متمتع واختلف أهل العلم في تخريجها وجمع بينها المحققون فقالوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أهل بالحج عند الميقات ثم أدخل العمرة على الحج لما جاء إلى الوادي فصار قارنا وأطلق عليه متمتعا لأنه جمع بين نسكين في سفر واحد. وقد اختلف أهل العلم في تعيين أفضل المناسك الثلاثة مع اتفاقهم على جوازها جميعا قال الماوردي: (لا اختلاف بين الفقهاء في جواز الإفراد والتمتع والقران وإنما اختلفوا في الأفضل). فذهب مالك والشافعي إلى أن الإفراد أفضل وذهب أبو حنيفة إلى أن القران أفضل وذهب أحمد إلى أن التمتع أفضل وهو الصحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم تمنى فعله ولم يمنعه إلا سوق الهدي وأمر أصحابه بذلك ولأن التمتع أكثر عملا من الإفراد والقران ولأنه يشق غالبا على الانسان أن ينشأ سفرين مستقلين للحج والعمرة في نفس العام ومع ذلك فالخلاف في هذا المسألة واسع وينبغي للمكلف أن يحرم بما هو أرفق بحاله واستطاعته. وفيه دليل على أن تلبيد الرأس وإشعار الهدي هو المانع من تحلل النبي صلى الله عليه وسلم والذي يظهر أن السبب الرئيس المانع هو سوق الهدي كما جاء مصرحا في باقي الأحاديث الصحاح أما تلبيد الشعر فهو تتميم وتكميل لاستدامة الإحرام وليس بشرط فمن ساق الهدي من الحل لزمه البقاء على الإحرام حتى يحل من الحج ولو لم يلبد رأسه. وفي الحديث تلبيد الرأس بالصمغ أو الخطمي ونحوه مما يلزق الشعر بعضه ببعض ليحفظ الشعر من الانتشار ويطرد عنه الهوام حال القران واستحبه بعض العلماء والذي يظهر أنه ليس بسنة وإنما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم درءا للمشقة في ترجيله وتطهيره لطول المدة ويقوم مقامه أي مادة عصرية تؤدي الغرض وإن تركه المحرم لتيسر غسله بالمطهرات العصرية فلا حرج لأن المقصود حفظ الشعر ويتحقق بأي وسيلة والعمل منذ زمان على ترك التلبيد. ويتعين على من لبد رأسه الحلق في قول جمهور أهل العلم وليس في الحديث دليل صريح على هذا لكن الحلق ثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال عمر رضي الله عنه: (من عقص رأسه أو ضفر أو لبد فقد وجب عليه الحلاق). وفيه دليل على حصول التحلل بفعل النحر يوم العيد وهذا خاص بمن ساق الهدي من الحل أما من لم يسق الهدي فيحصل له التحلل الأول بفعل اثنين من ثلاثة أعمال يوم النحر وهي الرمي والحلق والطواف ولا مدخل للنحر فيها كما دلت السنة على ذلك فمتى ما فعل اثنين منها تحلل من جميع المحظورات عدا النساء وهذا مذهب الشافعي وأحمد ويحصل التحلل الثاني بفعلها جميعا و ذهب الإمام مالك إلى أن التحلل الأول يحصل برمي الجمرة ولكل قول وجهة من خبر وأثر وله حظ من النظر. وفي الحديث استحباب تقليد الهدي وسيأتي بيانه لاحقا.

22- عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ { أُنْزِلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى . فَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَنْزِلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهَا ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ . قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ } قَالَ الْبُخَارِيُّ " يُقَالُ : إنَّهُ عُمَرُ " . وَلِمُسْلِمٍ { نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ - يَعْنِي مُتْعَةَ الْحَجِّ - وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ آيَةَ مُتْعَةِ الْحَجِّ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مَاتَ } وَلَهُمَا بِمَعْنَاهُ .
هذا الحديث في مشروعية نسك التمتع في الكتاب والسنة. وفي الحديث اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في متعة الحج وهو من الاختلاف المشهور عنهم وقد نهى عنها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وطائفة من الصحابة ومأخذه في النهي عنها حتى لا يهجر البيت طيلة العام لأن من تمتع بالعمرة في الحج في سفر واحد استغنى عن زيارة البيت مرة أخرى سائر السنة وورد أن من منع من الصحابة كانوا يرون أن المتعة كانت رخصة لهم فقط دون سائر الأمة لأجل الخوف ولا تشرع لغيرهم ، وقد بين عمران أن القرآن والسنة قد دلا على مشروعيتها ولم يرد ما يدل على نسخها فلا حجة لقول أحد في النهي عنها ثم استقر الأمر بعد ذلك على جوازها. وآية المتعة هي قوله تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْي). وفي الحديث جواز نسخ القرآن بالقرآن وهو متفق عليه ونسخ القرآن بالسنة فالسنة ترفع حكم القرآن الثابت على الصحيح أما الإجماع فلا يجوز نسخ القرآن والسنة به. وفي الحديث بيان أصل في باب الخلاف أن الحجة حال التنازع في دلالة الكتاب والسنة وليس في قول أحد من الأئمة ولو عظم علمه وورعه فقول الإمام يحتج له ولا يحتج به وإذا ظهر للفقيه مخالفة قول الإمام للشرع كان مطرحا ولم يلتفت إليه مع الاعتذار عنه وإحسان الظن به. وفي قول عمران: (قال برجل برأيه ما شاء). فيه جواز الإنكار والتشديد على القول المخالف في الفروع وهذا كثير في تصرف السلف لكن من الأدب أن لا يذكر اسم المخالف المعروف بحسن الاتباع والورع كما فعل عمران في عدم تسمية عمر أما المخالف في الأصول ممن ظهر عناده ومخالفته للسنة فيشنع عليه بعينه ويحذر منه ولا كرامة له. وقد كان أهل الجاهلية ينكرون العمرة في أشهر الحج ويرون أن هذا الفعل من أفجر الفجور فأبطل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم بالعمرة كما في خبر ابن عباس في الصحيحين. ويستفاد من الحديث أن المفضول قد يكون رأيه صوابا موافقا للحق مقدما على قول الفاضل لأن عمر رضي الله عنه أجل وأعلم في الجملة من عمران ومع ذلك فقول عمران أرجح في هذه المسألة فليست العبرة بمنزلة القائل وعلوه دائما.

 

خالد البليهد
  • النصيحة
  • فقه المنهج
  • شرح السنة
  • عمدة الأحكام
  • فقه العبادات
  • تزكية النفس
  • فقه الأسرة
  • كشف الشبهات
  • بوح الخاطر
  • شروح الكتب العلمية
  • الفتاوى
  • كتب
  • الصفحة الرئيسية