اطبع هذه الصفحة


تزكية النفس

خالد بن سعود البليهد

 
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على ما لا نبي بعده أما بعد
فإن الله خلق الخلق لعبادته ، وإن أعظم ما يعين المرء على عبادة الله والسير إليه تزكية النفس قال الله تعالى (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ) وقال تعالى (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا )
وقد بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم لتزكية عباده قال تعالى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ )
وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم حريصين على تزكية نفوسهم بالذكر والعبادة وتلاوة القرآن والجهاد وغيره من شعب الإيمان .

والعبد محتاج إلى تزكية نفسه للأسباب الآتيه:
1- لكثرة وقوعه في الآثام ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ) رواه ابن ماجه.
2- لتفريطه في حق الله وطاعته.
3- لما يعرض له من أنواع الغفلة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله تعالى فيه، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة ) رواه الترمذي.
4- لإشتمال النفس على أخلاق ذميمة وسجايا سيئة.
5- تسلط الشيطان وداعي الهوى.
6- لما يسمعه من تزويق للشبهات وتزيين للشهوات.

والعبد يعرض له في سيره إلى الله وعبادته معوقات تمنعه من السير إلى الله أو تنقص ثوابه وتجعل سيره بطيئا.
وإذا أهمل العبد تزكية نفسه من خصال الشر اجتمع الشر عليه كله وزاد حتى يهلكه وربما أحبط عمله و أوقعه في الردة عن دين الله ومات على شيئ من النفاق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه به مات على شعبة من نفاق ( رواه مسلم.

والتزكية تعني تطهير النفس من الأدران والنقائص وتعني أيضا تنمية الخير فيها وزيادته ، وحقيقة التزكية هي الإستجابة الكاملة لأمر الله ورسوله والتخلص من اتباع الشيطان وهوى النفس ، وكلما تخلص العبد من رق الشيطان والنفس كان أزكى نفسا وأنقى دينا وأطوع لربه.

وتزكية النفس تكون بالتخلص من الأمور الآتية:
1- الشرك الأكبر والأصغر الجلي والخفي منه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اللهم إني أعوذ بك من أن أشرك بك وأنا أعلم ، وأستغفرك لما لا أعلم ) رواه احمد
2- البدع القولية والفعلية والإعتقادية ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) متفق عليه.
3- المعاصي الظاهرة الكبائر منها والصغائر ، قال الله تعالى ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه ) رواه أحمد.
4- خطايا القلوب وأمراضها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ألا و إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) متفق عليه.
5- مساوئ الأخلاق ( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: تقوى الله وحسن الخلق) رواه الترمذي ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسيتعيذ من مساوئ الأخلاق.

والمسلم في هذا الزمن الذي يعج بالفتن وكثرة الشبهات والشهوات مفتقر إلى تزكية نفسه والمداومة عليها لا سيما إذا كان يقيم في بلد تشيع فيه المنكرات وتستباح فيه المحرمات ويغلب على الحياة البعد عن منهج الإسلام وتعاليمه ، ولا يستطيع المحافظة على دينه والثبات عليه إلا بتخصيص وقت يخلو فيه بربه ويناجيه ويتفقد قلبه ويرفع مستوى إيمانه ، ويحرص على مرافقة الصالحين وأهل العلم والفضل وغير ذلك مما يجلي بصيرته ويؤنس وحشته ويثبته على الحق.

ووسائل تزكية النفس:
1- العلم قال الله تعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ) ، وقال عمر رضي الله عنه قال :" أن الرجل ليخرج من منزلة وعليه من الذنوب مثل جبال تهامة ، فإذا سمع العلم خاف ورجع وتاب فانصرف إلى منزله وليس عليه ذنب فلا تفارقوا مجالس العلماء".
2- الدعاء كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها ) رواه مسلم.
3- تلاوة القرآن بتدبر وتفكر وخشوع فإنه يزكي النفس ويطهرها من كل دنس.
4- الإكثار من النوافل والطاعات لا سيما قيام الليل.
5- تذكر الموت والتفكر في المآل.
6- قراءة سير الصالحين والتأمل في أحوال النساك والزهاد.
7- محاسبة النفس ومراقبتها.
8- البذل والإنفاق في سبيل الله .
9- التوبة والإكثار من ذكر الله.
10- الزهد في الدنيا والتقلل منها.

وتزكية النفس وتطهيرها من الأدناس والأخلاق الرذيلة يحتاج إلى جهد ومصابرة من المسلم ، ولا يؤتيها الله إلا لمن بذل وسعه في سبيل الحصول عليها قال تعالى (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) ، والله هو الذي يزكي النفس حقيقة والعبد آخذ بأسباب التزكية فمن جاهد نفسه فقد زكاها بهذا الإعتبار .

أما مدح المرء نفسه وتزكيتها بالقول فقد نهى الله عز وجل عنه بقوله سبحانه ( فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ) ، وقال عمر رضي الله عنه " إن أخوف ما أخاف عليكم إعجاب المرء برأيه فمن قال إنه مؤمن فهو كافر ومن قال إنه عالم فهو جاهل ومن قال إنه في الجنة فهو في النار"، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك حين سمع رجلا يثني على رجل فقال ويحك قطعت عنق صاحبك ثم قال إن كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة فليقل أحسبه كذا ولا يزكي على الله أحد ) متفق عليه ، وقد ذم الله اليهود حين زكوا أنفسهم فقال سبحانه (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا )
وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإنكار على المداحين بطريقة مؤثرة فقال ( إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب ) رواه مسلم.

وقد توسع بعض الشعراء وغيرهم في المدح والثناء على الوجهاء في حضرتهم وهذا خلاف السنة ومدعاة للعجب والغرور للممدوح وباب من الشيطان والمشروع الإقتصاد في ذلك ، أما المدح والثناء على الغائب فجائز إن كان مطابقا للواقع ولا مفسدة فيه.

وقد رخص أهل العلم للمرء أن يمدح نفسه بما يعرف منها إذا دعت الحاجة وكانت المصلحة راجحة كأهليته لمنصب ديني فيه مصلحة للمسلمين كما فعل يوسف عليه الصلاة والسلام قال الله تعالى على لسان يوسف ( قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ).
 

بقلم : خالد بن سعود البليهد
عضو الجمعية العلمية السعودية للسنة
binbulihed@gmail.com
 

خالد البليهد
  • النصيحة
  • فقه المنهج
  • شرح السنة
  • عمدة الأحكام
  • فقه العبادات
  • تزكية النفس
  • فقه الأسرة
  • كشف الشبهات
  • بوح الخاطر
  • شروح الكتب العلمية
  • الفتاوى
  • كتب
  • الصفحة الرئيسية