اطبع هذه الصفحة


كرامة ولد الزنا في الإسلام

خالد بن سعود البليهد
@binbulaihed


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد
فإنه يشيع عند بعض الجهال مفهوم سيئ عن ولد الزنا وينظرون إليه نظرة دونية في المجتمع ويروون في ذمه أخبار وأن الصلاة لا تصح خلفه في الدنيا وأنه متوعد في الآخرة ويرتبون على ذلك أحكام في التعامل معه وعند النظر في دلالات الكتاب والسنة يتبين أن هذا الموقف خاطئ وأن هذه النظرة جاهلية موافقة لما كان عليه أهل الجاهلية في استهجان ولد الزنا وذمه وتعييره ونبذه في المجتمع.

إن ولد الزنا المسلم داخل في عموم قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). وكل ما ورد من النصوص في الثناء على المسلمين والمؤمنين فولد الزنا داخل فيها إذا كا متصفا بالإيمان والعمل الصالح ولا فرق بينه وسائر المسلمين في أحكام الدنيا والآخرة ومعيار الكرامة في الدنيا التقوى والتمسك بالشرع ولا فرق بين أحد وأحد إلا بالتقوى قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). قال ابن تيمية: (ولد الزنا إن آمن وعمل صالحا دخل الجنة وإلا جوزي بعمله كما يجازى غيره والجزاء على الأعمال لا على النسب وإنما يذم ولد الزنا لأنه مظنة أن يعمل عملا خبيثا كما يقع كثيرا كما تحمد الأنساب الفاضلة لأنها مظنة عمل الخير فأما إذا ظهر العمل فالجزاء عليه وأكرم الخلق عند الله أتقاهم).

إن ولد الزنا إنسان بريئ من الذنب خال من التهمة لا يلحقه إثم ولا ملامة شرعا ولا يوصف بالنقيصة لأنه لم يرتكب جرما ولم يقارف ذنب الزنا وإنما الإثم والملامة على من تسبب فيه قال تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى). وقال تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ). قالت عائشة رضي الله عنها في ولد الزنا: (ما عليه من ذنب أبويه شيئ ثم قرأت (ولا تزر وازرة وزر أخرى). وقال ابن عباس رضي الله عنه في ولد الزنا: (لو كان شر الثلاثة لم يتئن بأمه أن ترجم حتى تضعه). وكان ابن عمر رضي الله عنه إذا قيل: ولد الزنا شر الثلاثة قال: (بل هو خير الثلاثة). فقاعدة الشرع أن لا يحمل أحد ذنب أحد ولا يعاقب بجريرة غيره وإنما يذم ولد الزنا إذا فَعَل فِعْل والديه كما روي في حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولد الزنا شر الثلاثة). رواه أحمد. قال سفيان الثوري: (أنه شر الثلاثة إذا عمل بعمل والديه). والأقرب أن هذا الحديث لا يصح مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد أعله الدارقطني بالاضطراب وأعله ابن الجوزي بالنكارة.

إن كمال عدل الله ومقتضى رحمته ولطفه بالعباد أن لا يعذب ولد الزنا ولا يذمه ولا يجرمه ولا يظلمه ولا يخذله لأنه أعدل العادلين قال تعالى: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ). وقال تعالى: (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا). وقد حرم سبحانه الظلم على نفسه وجعله بين الناس محرما ونهاهم عن الظلم كما ثبت في صحيح مسلم.

وأما ما ورد أن ولد الزنا لا يدخل الجنة وأنه من أهل النار فكل ما جاء في هذا الباب من الأخبار فمنكرة لا يصح منها شيئ عند أهل الحديث قال ابن الجوزي: (وقد ورد في ذلك أحاديث ليس فيها شيئ يصح وهي معارضة بقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)). ومتونها مخالفة لقواعد الشرع ونصوصه المحفوظة ولا يجوز التعويل عليها لأن دخول النار يكون بأسباب وأعمال لا تثبت على مكلف بدونها ومعلوم أن ولد الزنا لم يعمل الزنا ولم يرض به ولم يكن في مقدوره واختياره لأنه وقع قبل خلقه وهذا الخبر وأمثاله من الغرائب الباطلة التي تشوه عدل الإسلام وجماله وسماحته وتقدح في كمال عدل الله وصفاته الحسنى.

وكذلك ما ورد في باب إمامة ولد الزنا من كراهة بعص الفقهاء لإمامته مع اتفاقهم على صحتها وعند التأمل لا يظهر لهم دليلا معتبرا فإمامة ولد الزنا كغيره إذا كان أهلا لها ولم يقم به مانع يمنع من الإمامة قال ابن عبد البر: (ليس في شيء من الآثار الواردة في شرط الإمامة في الصلاة ما يدل على مراعاة نسب وإنما فيه الدلالة على الفقه والقراءة والصلاح في الدين). وقال عطاء: (له أن يؤم إذا كان مرضيا). وقال الزهري: (كان أئمة من ذلك العمل يعني أولاد الزنا). وقال عيسى بن دينار: (لا أقول بقول مالك في إمامة ولد الزنا وليس عليه من ذنب أبويه شيء). والصحيح ما ذهب إليه الحنابلة من عدم كراهة إمامة ولد الزنا إذا سلم دينه لأن الشارع رتب الإمامة على أوصاف معتبرة في حسن التلاوة والصلاة والصلاح ولم يراع وصف النسب والمكانة الاجتماعية كما ورد في صحيح مسلم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة).

وعبادات ولد الزنا صحيحة في سائر الأبواب سواء كانت مالية أو بدنية لأن وصف التكليف ثابت له ولا مدخل للنسب في باب التكليف فالناس سواسية في الالتزام بالطاعات واجتناب المحظروات وإن اختلفت أنسابهم وتميزت مراتبهم الاجتماعية ولم يرد في الشرع نص يدل على التفريق بين ولد الزنا وغيره من المسلمين في شيئ من الأحكام والمعاملات إلا أن نسبه منقطع بمن زنى بأمه ولا يلحق بالزاني لما ورد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الولد للفراش وللعاهر الحجر). فماء الزاني فاسد لا حرمة له ولا يثبت به النسب وهذا قول عامة الفقهاء وإنما ينسب ولد الزنا لأمه نسبة شرعية صحيحة بلا خلاف بين الفقهاء وعلى ذلك فإنه لا يرث من الزاني ولا يرث الزاني منه وإنما يرث ولد الزنا من أمه وترث منه.

وولد الزنا إذا بلغ سن الرشد وأحسن التصرف ثبتت له وصف الولاية في المال والنكاح وسائر التصرفات فهو كامل الأهلية ويعامل معاملة غيره من الناس وتصرفاته نافذة صحيحة , وكذلك زواجه صحيح له أن يعقد على من شاء من المسلمات فحكمه حكم سائر المسلمين لكن لعل الأصلح له لا سيما في المجتمع المحافظ أن يختار امرأة من طبقته اجتماعيا مجهولة النسب حتى يكون هناك انسجام وتوافق بينهما ولئلا يترتب على زواجه من ذات النسب أمور سلبية قد تؤثر على استقراره النفسي وتنغص عيشه وقد يكون الأثر بالغا على الأولاد في المستقبل.

ويجب على المجتمع المسلم أن يعامل ولد الزنا معاملة عادلة كريمة منصفة ولا يحاكمه إلى فعلة أبويه فلا ينظر من يتعامل معه إلى تاريخه والظرف الذي نشأ فيه وإنما ينظر إلى دينه وأخلاقه وأمانته ويعامله بمشاعر إنسانية راقية وروابط أخوية إيمانية وينصره ولا يخذله ولا يسلمه لأنه مظلوم في كثير من الأحوال وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما فقال: رجل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنصره إذ كان مظلوما أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره). رواه البخاري.

إن تعيير ولد الزنا وذمه وانتقاصه ونبذه من أعظم الظلم الذ يرتكبه الإنسان وسيقف بين يدي الله ويحاسبه حسابا شديدا لأنه امتهن كرامة ولد الزنا وتسبب في إحباطه وقتل مشاعره وظلمه بمؤاخذته بذنب لم يرتكبه وإذا كان الله جل جلاله نهى عن قهر اليتيم بقوله تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ). فولد الزنا أشد عوزا وفقدا وضعفا من اليتيم.

إن كفالة ولد الزنا مجهول النسب وتربيته ورعايته من أعظم أعمال البر والإحسان والذي يظهر لي أنه أعظم أجرا من كفالة اليتيم لأن اليتيم له نوع حنان وحياة لوجود أحد أبويه وأقاربه وشعوره بالانتماء أما ولد الزنا فعديم الحنان وفاقد الانتماء وحاجته أشد.

ينبغي على ولد الزنا أن يكون حسن التوكل على ربه واثقا بنفسه وقدراته يمارس دوره ووظيفته في الحياة على أكمل وجه متحررا من شعوره بالنقص وأن لا يكون أسيرا للأحزان والهموم ولا يجعل هذه الفكرة تسيطر على فكره وسلوكه وتصرفاته , وليعلم أن حالته الإجتماعية قدر كتبه الله عليه لحكمة تخفى عليه ولا حيلة ولا طاقة له على دفع هذا القدر فلا فائدة في تأثره وحزنه , وليوقن أن وجوده بلا أبوين من البلاء الذي ابتلاه الله به وأن صبره على ذلك ورضاه يرجى أن يكون من أعظم الأعمال التي تدخله الجنة , وليتسامح مع نفسه ويتصالح معها ويسامح والديه اللذين أخطأ في حقه ويعفو عنهما فإن بلغ هذه المنزلة شعر بسعادة عظيمة وطاب له العيش.

أخي الحبيب يا من وُجدت في الحياة هكذا أقول لك: لئن حرمت نعمة الإنتماء الأسري وفقدت حرارة حب القرابة وفقدت حنان والديك فإن لك في محبة الله وأنسه ولذة مناجاته عوضا وشفاء وبلسما على قلبك , وكذلك في مؤاخاة إخوانك المسلمين ومحبتهم ومودتهم رحمة وحنانا تلم شعث قلبك وتداوي جروحك وتغسل همومك وتؤنس وحشتك وترفع غربتك وسيسخر الله لك من عباده الصالحين من سيكون لك في منزلة الأهل والأحباب فأبشر بالخير ولا تيأس وأقبل على ما ينفعك في دينك وديناك.

أخي الحبيب اجعل هذا الشعور حافزا وسببا لنجاحك وتفوقك وبلوغك منصبا مميزا فتعامل معه بتفكير إيجابي ليغير حياتك إلى الأفضل ويجعلك مباركا مساهما في إصلاح المجتمع وبنائه.

أخي الحبيب أوصيك بالاتصال بالله وكثرة العبادة وتلاوة القرآن والذكر والدعاء والإحسان إلى الغير لتنال منزلة رفيعة في الآخرة.
 

خالد بن سعود البليهد
binbulihed@gmail.com
28/6/1438
 

 

خالد البليهد
  • النصيحة
  • فقه المنهج
  • شرح السنة
  • عمدة الأحكام
  • فقه العبادات
  • تزكية النفس
  • فقه الأسرة
  • كشف الشبهات
  • بوح الخاطر
  • شروح الكتب العلمية
  • الفتاوى
  • كتب
  • الصفحة الرئيسية