اطبع هذه الصفحة


فضل الصبر

خالد بن سعود البليهد
@binbulaihed


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺼﺒﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺑﻤﻨﺰﻟﺔ ﺍﻟﺮﺃﺱ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻓﻼ ﺇﻳﻤﺎﻥ ﻟﻤﻦ ﻻ ﺻﺒﺮ ﻟﻪ ومقام الصبر من أعظم مقامات الإيمان لأنه يكف عن اجتراح السيئات والوقوع في الشبهات وبحمي العبد عن سلوك قبائح العادات ويقويه على فعل القرب والطاعات ويثبته عند نزول المدلهمات. قال تعالى:
(وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).

وﺍﻟﺼﺒﺮ لغة ﺍﻟﻤﻨﻊ ﻭﺍﻟﺤﺒﺲ ﻭﻫﻮ ﻧﻘﻴﺾ ﺍﻟﺠﺰﻉ ﻭﺳﻤﻲ ﺍﻟﺼﻮﻡ ﺻﺒﺮﺍ ﻟﻤﺎ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﺣﺒﺲﺍﻟﻨﻔﺲ ﻋﻦ ﺍﻟﻄﻌﺎﻡ ﻭﺍﻟﺸﺮﺍﺏ ﻭﺍﻟﻨﻜﺎﺡ. ﻭمعناه في ﺍﻻﺻﻄﻼﺡ: ﻫﻮ ﺧﻠﻖ ﻓﺎﺿﻞ ﻣﻦ ﺃﺧﻼﻕ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻳﻤﺘﻨﻊﺑﻪ المرء من ﻓﻌﻞ ﻣﺎ ﻻ ﻳﺤﺴﻦ ﻭﻻ ﻳﺠﻤﻞ وحقيقته شرعا حبس النفس عن كل ما يسخط الله في القلب والسان والجوارح قال
سعيد ابن جبير: (الصبر اعتراف العبد لله بما أصابه فيه واحتسابه عند الله ورجاء ثوابه وقد يجزع الرجل وهو يتجلد لا يرى منه الا الصبر).

ﻭﺍﻟﺼﺒﺮ ﻭﺍﺟﺐ ﺑﺈﺟﻤﺎﻉ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ قال تعالى: (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ). ﻭمما يبين أهمية الصبر وعظم منزلته في الدين أن الله ذكره في كتابه في ﺗﺴﻌﻴﻦ ﻣﻮﺿﻌﺎ ﻋﻠﻰ ﺳﺘﺔ ﻋﺸﺮ ﻧﻮﻋﺎ ﻟﻜﻞ ﻧﻮﻉ ﻣﻨﻬﺎ ﻓﺎﺋﺪﺓ جليلة.

وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الصبر بأنه ضياء كما ورد في صحيح مسلم والضياء هو النور المصحوب بالإحراق كنور الشمس قال ابن رجب: (ولما كان الصبر شاقا على النفوس يحتاج إلى مجاهدة النفس وحبسها وكفها عما تهواه كان ضياء فإن معنى الصبر في اللغة الحبس ومنه قتل الصبر وهو أن يحبس الرجل حتى يقتل).

ومما يدل على أهمية الصبر وشدة حاجته أن المؤمن يتقلب في الدنيا بين حالين إما السراء فيشرع له الشكر أو الضراء فيشرع له الصبر فإذا أنعم عليه أحسن وإذا ابتلي حبس نفسه عن القول والفعل المحرم وكل ذلك خير لأنه ممتثل لعبادة يحبها الله مناسبة للحال التي نزلت به وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له). رواه مسلم.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الصابرين في القيام بالفرائض واجتناب النواهي والصبر على الشدائد وكان من أصبر الناس عند نزول البلاء وضرب أروع الأمثلة في صنوف الصبر وأحواله فصبر على أذى قومه حين جهر بالدعوة وصبر على حصارهم له بالشعب وصبر على هجرته وتركه بلده وقومه وماله في سبيل الله وصبر على مشقة الجهاد وصبر على الزهد والتقلل من ملذات الدنيا وصبر على الوقيعة في عرض أهله وصبر على أذى المنافقين وورد في الصحيحين قال عبد الله: (قسم النبي صلى الله عليه وسلم قسمة كبعض ما كان يقسم فقال رجل من الأنصار والله إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله قلت أما أنا لأقولن للنبي صلى الله عليه وسلم فأتيته وهو في أصحابه فساررته فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وتغير وجهه وغضب حتى وددت أني لم أكن أخبرته ثم قال قد أوذي موسى بأكثر من ذلك فصبر). وكان صلى الله عليه وسلم في ذلك محتسبا الأجر من الله مفوضا أمره لله لم يشكو حاله لمخلوق ممتثلا قوله تعالى: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ). فصلوات الله وسلامه عليه.

وقد أوصى أئمة السلف الصالح بالصبر وحثوا عليه قال عمر رضي الله عنه: (وجدنا خير عيشنا بالصبر). وقال علي رضي الله عنه: (الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا ذهب الصبر ذهب الإيمان). وقال الحسن: (وجدت الخير في صبر ساعة).
 وقال عمر بن عبد العزيز: (ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه فعاض مكانها الصبر إلا كان ما عوضه خيرا مما انتزعه).

 
وﺍﻟﺼﺒﺮ له فضائل:


(1)
الثواب العظيم في الآخرة قال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ). قال سفيان الثوري: (إنما الأجر على قدر الصبر).
(2)
محبة الله قال تعالى: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ).
(3)
الجنة لمن صبر على البلاء في الدنيا قال عطاء بن أبي رباح: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة قلت: بلى. قال: (هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي قال إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك فقالت أصبر فقالت إني أتكشف فادع الله لي أن لا أتكشف فدعا لها). متفق عليه. وقال سفيان بن عيينة: (لم يعط العباد أفضل من الصبر به دخلوا الجنة).
(4)
تحقق معية الله للصابرين قال تعالى: (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).
(5)
خير عطاء من الله للمؤمن كما ورد في الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر).
(6)
لذة الإيمان وحلاوته لمن صبر على ترك المعاصي قال ابن تيمية: (وكذلك ترك الفواحش يزكو بها القلب وكذلك ترك المعاصي فإنها بمنزلة الأخلاط الرديئة في البدن ومثل الدغل في الزرع).
(7)
للصابر ثلاث بشائر بشر الله بها فقال تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ).

ومن أعظم فوائد الصبر الاستقامة على شرع الله والثبات على الدين والحذر من سوء الخاتمة والوقاية من الانحرافات والسلامة من الشرور.  


والصبر ثلاثة أنواع:


الأول: ﺍﻟﺼﺒﺮ ﻋﻠﻰ أداء الطاعة
بحيث يحتسب الأجر في فعلها ويصبر على مشقتها ويؤديها على الوجه المشروع ويداوم على فعلها قال تعالى: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأمور). وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبر على مشقة قيام الليل فيقوم قياما طويلا حتى تفطرت قدماه ولامته عائشة رضي الله عنها فقال: (أفلا أكون عبدا شكورا). متفق عليه.

الثاني: ﺍﻟﺼﺒﺮ ﻋﻦ ارتكاب معصية الله
بحيث يجاهد هواه والشيطان ويصبر على مشقة ترك المألوف واجتناب الفساد وأهله ﻗﺎﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ). وقد صبر النبي يوسف عليه السلام عن ارتكاب الزنا حين أغرته امرأة العزيز واجتمعت له دواعي الشهوة وتيسير أمرها وغاب عنه الرقيب فصبر صبرا عظيما لقوة إيمانه واستحضاره مراقبة الله واستحيا من الله فعصمه الله عن الوقوع في الفاحشة وحماه من الرذيلة.

الثالث: ﺍﻟﺼﺒﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﻗﺪﺍﺭ المؤلمة
بحيث يصبر على مشقتها والآثار المترتبة عليها ويتجنب جميع الأقوال والأفعال التي تسخط الرب قال تعالى: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط). رواه الترمذي. ولا يؤجر المؤمن على صبره إلا إذا احتسب الأجر من الله بأن يوقن أن الله قدر عليه هذه المصيبة لحكمة بالغة ليبتليه ويختبر إيمانه ويرفع درجته ويكفر سيئاته وأنه إذا صبر عليها جازاه الله بالثواب في الآخرة.

ويدخل في الصبر على المصائب ﺗﺮﻙ ﺍﻟﺸﻜﻮﻯ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﻠﻮﻯ ﻟﻐﻴﺮ ﺍﻟﻠﻪ لأن الشكوى للمخلوق مذلة ومناف لمعنى الصبر ونقص في التوكل والنبي أيوب عليه الصلاة والسلام لما ابتلي شكى إلى ربه ﻣﻊ ﺩﻋﺎﺋﻪ ﻓﻲ ﺩﻓﻊ ﺍﻟﻀﺮ ﻋﻨﻪ ﺑﻘﻮﻟﻪ: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ). وقد أثنى الله عليه بصفة الصبر فقال:
(إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرً).
وقال سفيان الثوري: (ثلاثة من الصبر لا تحدث بمصيبتك ولا بوجعك ولا تزك نفسك).  

ويثبت أجر الصبر ويكمل عند نزول البلاء فورا أما إذا جزع المؤمن ثم سلى عن المصيبة مع فوات الوقت فلا ثواب له لخلوه من الاحتساب
ففي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال: اتقي الله واصبري. قالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه. فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم. فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين فقالت: لم أعرفك. فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى).

والصبر على المصيبة واجب أما الرضا بسوء القضاء فمستحب وليس بواجب عند أكثر أهل العلم قال عمر بن عبد العزيز: (أما الرضا فمنزلة عزيزة أو منيعة ولكن جعل الله في الصبر معولا حسنا). قال ابن تيمية: (الرضا بالمصائب كالفقر والمرض والذل مستحب في أحد قولي العلماء وليس بواجب وقد قيل إنه واجب والصحيح أن الواجب هو الصبر). وذلك لأن الرضا أمر زائد على الصبر بحيث يكون المبتلى غير كاره لوقوع المصيبة راض بالقضاء لا يتألم به يستوي عنده الأمران البلاء والعافية ليقينه بالثواب وأن الخيرة له ما كتبه الله عليه وأنه في عبادة وأن الله يصرف العبد على مايشاء وأن جميع أحواله مخبتة وتابعة لمراد الله وهذا من مشاهد الإخلاص قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء). رواه أحمد.

وقال ابن رجب: (والصبر على الطاعات وعن المحرمات أفضل من الصبر على الأقدار المؤلمة صرح بذلك السلف منهم سعيد بن جبير وميمون بن مهران وغيرهما وقد روي بإسناد ضعيف من حديث علي مرفوعا: (إن الصبر على المعصية يكتب به للعبد ثلاثمائة درجة وإن الصبر على الطاعة تكتب به ستمائة درجة وإن الصبر عن المعاصي يكتب له به تسعمائة درجة). وقد خرجه ابن أبي الدنيا وابن جرير الطبري).

والناس في مقام الصبر أربعة أصناف:


الصنف الأول:
من يصبر على طاعة الله ويصبر عن معصية الله وهذا أعلى الأصناف وهو حال الأنبياء والصديقين والأولياء قال ابن بطال) :أرفع الصابرين منزلة عند الله من صبر عن محارم الله وصبر على العمل بطاعة الله ومن فعل ذلك فهو من خالص عباد الله وصفوته ألا ترى قوله صلى الله عليه وسلم: (لن تعطوا عطاء خيرا وأوسع من الصبر).

الصنف الثاني:
من يصبر على طاعة الله فيواظب على الفرائض ولا يصبر عن معصية الله فيرتكب الفواحش فهذا ظالم لنفسه ولا يدخل في الفضل العظيم للصبر.

الصنف الثالث:
من يصبر عن المعصية فلا يغشى الفواحش لسمو نفسه عن الرذائل ولا يصبر على الطاعة فيفرط في الفرائض فهذا مسيئ وهو على شفا هلكة وسوء خاتمة.  

الصنف الرابع:
من لا يصبر على طاعة الله فيترك الفرائض ولا يصبر عن معصية الله فيغشى الفواحش فهذا شر الأصناف وقد باع دينه بعرض من الدنيا وتعرض لسخط الله وعذابه وهذا حال أهل الفجور.

ﻭكثير من ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻳﻘﺪﺭ ﻋﻠﻰ ﻓﻌﻞ ﺍﻟﻄﺎﻋات ﻭﻳﺼﺒﺮ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻭﻟﻜﻨﻪ ﻻ ﻳﺼﺒﺮ ﻋﻦ ارتكاب المعاصي وملازمتها لضعف إيمانه وغلبة الهوى على تصرفاته وصحبته لأهل الغفلة وجهله بالمعاني الشرعية وقلة ورعه ومن كان لا يصبر عن إدمان المحرمات فلا ﻳﻮﺻﻒ ﺑﺄﻧﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﺎﺑﺮﻳﻦ ﻭﻻﻳﻨﺎﻝ ﺩﺭﺟﺔ ﺍﻟﻤﺠﺎﻫﺪﻳﻦ لأنفسهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المهاجر من هجر ما نهى الله عنه). رواه البخاري.
وقال ميمون بن مهران: (الصبر صبران الصبر على المصيبة حسن وأفضل من ذلك الصبر عن المعاصي).

ومن أعظم صور الصبر عبادة الصوم لأنه اجتمع فيها كل أنواع الصبر الثلاثة ففيها صبر على طاعة الله وصبر عن معصية الله من ترك الشهوات المحببة للنفس وصبر على قدر الله المؤلم الصبر على مشقة الصوم من الجوع والعطش ولذلك ورد في الصحيح أن الله اختص الصوم لنفسه فيجازي به وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمي شهر رمضان بشهر الصوم وورد في سنن ابن ماجه أن الصوم نصف الصبر.


 
وحاجة المؤمن للصبر عظيمة لأن الدنيا جبلت على الهموم والأحزان والمصائب وملئت بالفتن ولا يستطيع المؤمن مواجهة ذلك إلا بسلاح الصبر فهذا نبي الله يعقوب ﻋﻠﻴﻪ الصلاة وﺍﻟﺴﻼﻡ لما ابتلي بفقد فلذة كبده يوسف حزن حزنا شديدا وفقد ﺑﺼﺮﻩ ﻣﻦ ﻛﺜﺮﺓ ﺑﻜﺎﺋﻪ ﻓﻠﻢﻳﺠﺪ علاجا نافعا يرفع حزنه ويشفي غليله ويفرج همه إلا الصبر الجميل وﺍﻟﺸﻜﻮﻯ ﺇﻟﻰﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ تعالى: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ). والصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه ولا جزع وقال تعالى: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ).

ومن المواطن التي يتجلى فيها الصبر وتعظم فائدته فقد الأحباب فإنه يشق على الإنسان أن يفقد غاليا قد عاشره زمانا وتعلق به وألف مودته وكثير من ضعفاء الإيمان يفقد الصبر في هذه المصيبة ويجزع ولا يكف جوارحه عن الأمور المحرمة من نياحة وصراخ وشق الثياب ولذلك شدد الشارع على المؤمن في هذا الأمر لأن فيه اعتراضا على قدر الله وسوء أدب مع الله وضعف اليقين وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من ضرب الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية). متفق عليه.

والمؤمن ينال خيري الدنيا والآخرة بالاستعانة بالصبر والصلاة قال تعالى:
(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ). فإذا كف المؤمن عن المحارم وأدى الفرائض نال رحمة الله ومرضاته وتنال المنازل العليا في الدين بالصبر قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا). قال سفيان بن عيينة: (لما أخذوا برأس الأمر جعلناهم رؤوسا).

وهناك أحوال وأمور يتأكد الصبر فيها:


1-
الصبر على ترك الشهوات المحرمة قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ). قال مقاتل: (هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها).

2- الصبر على الفقر وضيق الحال قال تعالى: (أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا). قال محمد بن علي بن الحسين: (بما صبروا على الفقر والفاقة في الدنيا).

3- الصبر على قتال الكفار قال تعالى: (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ).

4- الصبر على الدعوة إلى الله قال تعالى: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ).

5- الصبر على كلام المخالفين من الكفار وأهل البدع والفساق قال تعالى: (وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا).

6- الصبر على الأذى الذي يحصل من القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فال تعالى: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ).

7- الصبر على لأواء المدينة وشدتها قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة). رواه مسلم.

8- الصبر عن الكسب الحرام والتورع عنه لا سيما عند انعدام الأمانة وكثرة المغريات.

9- الصبر عند فقد البصر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ﺇﺫﺍ ﺍﺑﺘﻠﻴﺖ ﻋﺒﺪﻱ ﺑﺤﺒﻴﺒﺘﻴﻪ ﺛﻢ ﺻﺒﺮ ﻋﻮﺿﺘﻪ ﻣﻨﻬﻤﺎ ﺍﻟﺠﻨﺔ ﻳﺮﻳﺪ ﻋﻴﻨﻴﻪ). رواه البخاري.

10- الصبر عند فقد الأحبة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة). رواه البخاري.

11- الصبر على مخالطة الناس قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم). رواه الترمذي.

12- الصبر على المرض قال عطاء بن أبي رباح: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة قلت بلى قال: (هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي قال إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك فقالت أصبر فقالت إني أتكشف فادع الله لي أن لا أتكشف فدعا لها). متفق عليه.

13- الصبر على سوء خلق المرأة ومرضها قال تعالى: (فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا). قال ابن عباس في هذه الآية : (هو أن يعطف عليها فيرزق منها ولدا ويكون في ذلك الولد خير كثير). وصبر المرأة على ظلم الزوج وفقره يرجى لها ثواب عظيم إذا احتسبت الأجر من الله وتكون لها العاقبة حسنة في صلاح ولدها وبرهم لها.

14- الصبر على تربية الأولاد وتوجيه الأهل لا سيما مع كثرة الفتن وقلة المعين قال تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ).

 
وينبغي للمؤمن أن يداوم على الصبر والمصابرة طيلة عمره ويجتهد في التمسك بهذا المقام العظيم ليحافظ على دينه ويسلم من الشبهات والشهوات والفتن ويلقى ربه على دين الإسلام قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). ﻗﺎﻝ ﺍﻟﺤﺴﻦﺍﻟﺒﺼﺮﻱ: (ﺃﻣﺮﻭﺍ ﺃﻥ ﻳﺼﺒﺮﻭﺍ ﻋﻠﻰﺩﻳﻨﻬﻢ ﺍﻟﺬﻱ ﺍﺭﺗﻀﺎﻩ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻬﻢ ﻭﻫﻮ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻓﻼ ﻳﺪﻋﻮﻩ ﻟﺴﺮﺍﺀﻭﻻ ﻟﻀﺮﺍﺀ ﻭﻻ ﺷﺪﺓ ﻭﻻ ﺭﺧﺎﺀ ﻭﺣﺘﻰ ﻳﻤﻮﺗﻮﺍ ﻣﺴﻠﻤﻴﻦ ﻭﺃﻥ ﻳﺼﺎﺑﺮﻭﺍ ﺍﻷﻋﺪﺍﺀ ﺍﻟﺬﻳﻦ يكتمون ﺩﻳﻨﻬﻢ).

وثمة أسباب تعين على الصبر وتقويه:


أولا:
التفكر في عظم فضل الصبر وكثرة ثوابه في الآخرة قال تعالى: (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).

ثانيا:
التفكر في شدة العذاب يوم القيامة لمن فرط في الصبر وأتبع نفسه الشهوات قال عبد الرحمن بن محمد القاري: (جلس إلي يوما زيادة مولى ابن عباس فقال لي: يا عبد الله قلت: ما تشاء قال: ما هي إلا الجنة والنار. قلت: لا والله ما هي إلا الجنة والنار. قال: ما بينهما منزل ينزله العباد. فقلت: ما بينهما منزل ينزله العباد. قال: (فوالله لنفسي نفس أضن بها عن النار وللصبر اليوم عن معاصي الله خير من الصبر على الأغلال في نار جهنم).

ثالثا:
تقوية الحياء من الله فكيف يعصي العبد سيده الذي خلقه وهداه وأكرمه وميزه عن سائر المخلوقات وكيف يستعمل نعم الله التي وهبها الله له في معاصيه قال ابن القيم: (ذكر للصبر عن المعصية سببين وفائدتين: أما السببان فالخوف من لحوق الوعيد المرتب عليها والثاني الحياء من الرب تبارك وتعالى أن يستعان على معاصيه بنعمه وأن يبارز بالعظائم وأما الفائدتان: فالإبقاء على الإيمان والحذر من الحرام). وإذا أيقن العبد أن الله ينظر إليه ويسمعه ويراقبه استحيا منه.

رابعا:
الاستعانة بالله على الصبر قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من يتصبر يصبره الله).متفق عليه. ومن استعان بالله يسر له الشدائد وهون عليه الأمور وأزال عنه العقبات.

خامسا:
دعاء الله وسؤاله تيسير الصبر عند نزول البلاء قال تعالى: (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ). أما حال العافية فيدعو بإتمام العافية والستر ودوام النعمة.

سادسا:
محبة الله وخشيته فإن محبة الله تحمل المؤمن على الصبر على الطاعة وخشيته تحمله على الصبر عن المعصية وعلى المصيبة فكلما قويت الخشية والمحبة قوي الصبر قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه). فالمحب الصادق يوافق هوى محبوبه ولا يخالف مراده.

سابعا:
التأمل في صبر الأنبياء والصالحين وأخذ العبرة واستنهاض الهمة قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ). فيتأمل في صبر النبي أيوب على البلاء وصبر النبي يوسف عن المعصية وصبر خاتم النبيين محمد على القيام بالدعوة إلى الله وتحمله المشاق والأذى في سبيل الله.
 

خالد البليهد
  • النصيحة
  • فقه المنهج
  • شرح السنة
  • عمدة الأحكام
  • فقه العبادات
  • تزكية النفس
  • فقه الأسرة
  • كشف الشبهات
  • بوح الخاطر
  • شروح الكتب العلمية
  • الفتاوى
  • كتب
  • الصفحة الرئيسية