اطبع هذه الصفحة


إبطال شبهة: (ليس في الإسلام رجال دين)

خالد بن سعود البليهد


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد:

من الشبهات الشائعة عند المثقفين العصرانيين الجهال بالشرع قولهم ليس في الإسلام رجال دين ولا كهنوت فلا نحتاج لواسطة في فهم الدين كل منا ينظر في النصوص ويفهم فهما مباشرا والأمر واسع ولا أحد يحجر علينا ولسنا ملزمين بتفسير العلماء للنصوص وهذه الشبهة فاسدة ساقطة لوجوه:

الأول: أمر الله الجاهل بسؤال العالم قال تعالى: (فاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ). وبين الله أن القران لا يفهمه إلا الراسخون في العلم قال تعالى: (بَلْ هُوَ ءَايَٰتٌۢ بَيِّنَٰتٌ فِى صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ). قال السعدي: (فإذا كان آيات بينات في صدور أمثال هؤلاء كانوا حجة على غيرهم وإنكار غيرهم لا يضر ولا يكون ذلك إلا ظلما). فلو كان يحق لكل مسلم أن يستخرج الأحكام من النصوص مباشرة لما أمر الله بسؤال العلماء.

 الثاني: أمر الله برد النوازل إلى العلماء الراسخين فقال تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ). والعلماء ورثوا العلم والفهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال: (إِنَّ العُلمَاءَ وَرثَةُ الأَنْبياءِ وإنَّ الأَنْبياءَ لَمْ يُورِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهمًا وَرَّثُوا العِلمَ فَمَنْ أَخذَهُ أَخَذَ بِحظٍّ وَافِرٍ). رواه أحمد. فالصحابة رضي الله عنهم فهموا الدين فهما صحيحا عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم تلقاه عنهم التابعون ثم أخذه عنهم أتباع التابعين إلى أن وصل إلى علماء زماننا فلو كان يسوغ للجهال الاجتهاد في النوازل لما أمر الله برد النوازل إلى العلماء.  

الثالث: العلماء بالشرع أفضل الأمة قال تعالى: (‏‏يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ). ولم يسو الله عز وجل بين العلماء والجهال فقال تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ). ونوه النبي صلى الله عليه وسلم بفضل الفقه في الدين وهو معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها والعمل بمقتضى ذلك فقال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ). متفق عليه. ورغب الشرع في طلب العلم والأخذ عن العلماء قال صلى الله عليه وسلم: (خَيْرُكُمْ مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ). رواه البخاري. وحض الله على التفقه ثم تبليغه لعامة الناس قال تعالى: (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ). فلو كان العلماء ليس لهم منزلة وفضل في الدين وحالهم كسائر الناس لما أرشد الله إلى التفقه في الدين ورغب فيه ورتب عليه ثوابا عظيما.

الرابع: لا يستطيع أحد مهما بلغ من الذكاء أن يفهم جميع دينه ويجيب عن كل الإشكالات إلا من طريق العلماء الراسخين العارفين بدلالات الكتاب والسنة ولا ينكر هذا إلا جاهل أو مكابر قال الآجري: (هكذا العلماء في الناس لا يعلم كثير من الناس كيف أداء الفرائض ولا كيف اجتناب المحارم ولا كيف يعبد الله في جميع ما يعبده به خلقه إلا ببقاء العلماء فإذا مات العالم تحير الناس ودرس العلم بموتهم وظهر الجهل فإنا لله وإنا إليه راجعون مصيبة ما أعظمها مصيبة).

الخامس: من القواعد المحكمة المتفق عليها: يفسر كل علم أهله المختصون به فكما لا يحق لمهندس أن يفسر كتب الطب ويفتي فيه ولا يوافقه الناس على ادعاء معرفة الطب ولو قفز طبيب على كتب الهندسة فخاض في تفاصيلها وأنظمتها لما قبل الناس منه ذلك ولا يستطيع مثقف أن يفهم كتب القانون أو يفهم قرار قانوينا إلا بالرجوع للقانونيين المتخصصين في قراءة الدساتير فكيف بعلم الشريعة الذي هو أعظم خطرا وأثرا لا يستطيع عامي أن يفهم نصوص الكتاب والسنة وهو جاهل في مقاصد الشرع وجاهل في قواعد أصول العلم وجاهل في المعاني الشرعية ولا يميز بين النصوص المحكمة والنصوص المتشابهة ولا يفرق بين الأحاديث الصحيحة والأحاديث الواهية.

السادس: حرم الله الفتوى في الحلال والحرام بغير علم والكذب على الله وجعله من الكبائر قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ). وقال ابن القيم: (فرتب المحرمات أربع مراتب: وبدأ بأسهلها وهو الفواحش. ثم ثنى بما هو أشد تحريما منه وهو الإثم والظلم. ثم ثلث بما هو أعظم تحريما منها وهو الشرك به سبحانه. ثم ربع ما هو أشد تحريما من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دينه وشرعه). وقال تعالى: (وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ). وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (مَن عَلِمَ فَلْيَقُلْ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللَّهُ أعْلَمُ؛ فإنَّ مِنَ العِلْمِ أنْ يَقُولَ لِما لا يَعْلَمُ: لا أعْلَمُ؛ فإنَّ اللَّهَ قالَ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ). متفق عليه. فالخوض في الدين بالجهل جناية عظيمة على الإسلام وأهله وله آثار سيئة على العقائد والشعائر والفضائل والقيم الأخلاقية ولو كان الكلام في الدين عن جهل جائزا لما حرمه الله وشدد فيه.

والكهنوت الذي وجد عند النصارى وصنعته الكنيسة في العصور الوسطى هو تسلط الكنيسة على مصالح الناس وحرمانهم من حقوقهم واحتياجاتهم الفطرية واستعبادهم وجباية أموالهم وتحريم عليهم الطيبات والعلوم النافعة وادعاء أن دخول الجنة وحصول التوبة عن طريقهم وهذا مذهب منحرف أحدثه القساوسة الدجاجلة الذين يفترون على الله الكذب وقد ذمهم الله في كتابه بقوله: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ). ومصادر دينهم وكتبهم محرفة فالجاهل الذي يطبق على علماء المسلمين كهنوت النصارى مبطل وكذاب لأن ديننا حق وشريعتنا ناسخة لجميع الشرائع السابقة كما قال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، ولَا نَصْرانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ ولَمْ يُؤْمِنْ بالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ). رواه البخاري. وكتابنا محفوظ وسنة نبينا ثابتة كما قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ). وعلماء شريعتنا نتبعهم لما معهم من الحق ولا نغلو فيهم ولا ندعي عصمة آحادهم وإنما الحجة في القرآن والسنة والإجماع.

وحقيقة هذه الدعوة هي دعوة ليبرالية مبطنة لإبطال الشريعة ونبذ المرجعية العلمية وترك الناس فوضى كل إنسان يعبد الله على طريقته الخاصة والجميع أحباب الله ومن مفاسد هذا القول فساد العلاقات والمعاملات والعبادات وعدم انضباط شؤون حياتهم.

وإظهار هذا القول ونشره ذريعة لإسقاط سلطان الشريعة في نفوس العامة لأن العلماء إذا سقطت مهابتهم عند العوام واطرحت أقوالهم في الشرع وأظهرت معايبهم شاعت الحيرة بين الناس وتسلط الجهال وضعفت الشريعة وانتشرت البدع وبدلت معالم الدين واستخف الناس بالشعائر واستبيحت المحرمات وصار الدين هامشيا في حياتهم.

والعلماء في دين الإسلام ليسوا واسطة بين الله والعباد في قبول العبادة ولا في حصول الثواب ولا يشترط لصحة التوبة ودخول الجنة تقديسهم وعبادتهم من دون الله فلا يحول أحد دون التوبة والتقرب لله قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ). وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ). بل كل إنسان مرتهن ومحاسب بعمله الذي يفعله قال تعالى: (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ). وقال تعالى: (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ). ولا يملكون مفاتيح الجنة والنار فلا يدخلون أحدا جنة ولا نارا وإنما يدخل النار والجنة الله سبحانه وتعالى لأنها تحت ملكه يتصرف بها كما يشاء فيعامل الخلق بعدله أو فضله قال تعالى: (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا). وقال تعالى: (رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ). وإنما وظيفتهم التي أوكلها الله بهم هداية الخلق للحق وتبصير الجاهل وتقويم المخطئ وتتويب الفاسق وبيان هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وشرعه.

وبعض السفهاء يقول عن فتاوى العلماء في التحذير من الكبائر وزجر الناس عن المحرمات بأن العلماء يوزعون صكوك الجنة والنار وهذا قول باطل وجرأة سخيفة لأن العلماء الثقات لم يحكموا على الأفعال برأيهم وهواهم وإنما نقلوا نصوص القرآن والسنة التي تبين حكم الله وهم مؤتمنون في نقلهم أما الأعيان فلا يحكمون على أحد بعينه بجنة ولا نار إلا من شهد له الله ورسوله بذلك وهذا اعتقاد أهل السنة والجماعة. 

وقد كانت سنة الأخذ عن العلماء والتفقه على أيديهم والرجوع إلى فتاواهم فيما أشكل طريقة متبعة عند المسلمين في القرون المفضلة ثم سار عليها المسلمون في كل زمان ولم يكن يعرف الرخصة لكل جاهل أن يخوض في دين الله ويتكلم على حسب هواه معروفة بل كان العلماء ينكرون ذلك بشدة والجاهل إذا تكلم في دين الله يفسد أكثر مما يصلح ويكون سببا في ضلالة الخلق عن الحق وفتنة لهم في دينهم عن عبد الله بن عمرو     رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، ولَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بقَبْضِ العُلَمَاءِ، حتَّى إذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فأفْتَوْا بغيرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وأَضَلُّوا). متفق عليه. وقال ابن الجوزي: (اعلم أن الباب الأعظم الذي يدخل منه إبليس على الناس هو الجهل).

والناس في موقفهم من العلماء على أربعة أصناف:

الأول: صنف يعتقد أن العالم مشرع له الحق في إحداث عبادات وأوراد وطرق وهذا هو مسلك الرافضة والصوفية وغيرهم من الفرق المنحرفة عن الإسلام قال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ).

الثاني: صنف يغلو في العالم ويعتقد أنه معصوم عن الخطأ ومصيب للحق على الدوام وتلزم طاعته ولو خالف الشرع وهذا مسلك المقلدة الجهال من أهل البدع قال تعالى: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ).

الثالث: صنف يجفو العالم ويسقط مهابته وينتهك حرمته ولا يطيعه في الحق والفضيلة ويحاربه ويعتقد أنه سبب للرجعية وهذا مسلك الليبراليين وغيرهم من أعداء الشريعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَن عادَى لي وَلِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ). رواه البخاري.

الرابع: صنف يوقر العالم ويقتدي به ويتبعه على الحق ويحتج لقوله ولا يحتج بقوله ولا يغلو فيه ولا يدعي فيه العصمة ولا يتابعه على الخطأ البين قال تعالى: (فاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ). وهذا مسلك أهل السنة والجماعة من الصحابة فمن بعدهم.

 

الفقير إلى الله

خالد بن سعود البليهد

1/6/1443 


 

 
  • النصيحة
  • فقه المنهج
  • شرح السنة
  • عمدة الأحكام
  • فقه العبادات
  • تزكية النفس
  • فقه الأسرة
  • كشف الشبهات
  • بوح الخاطر
  • شروح الكتب العلمية
  • الفتاوى
  • كتب
  • الصفحة الرئيسية