اطبع هذه الصفحة


حسن الخلق

خالد بن سعود البليهد

 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد فإن حسن الخلق عبادة عظيمة يغفل عنها بعض الناس والله أمر به ورغب فيه فقال سبحانه ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا). وأثنى على أهله فقال (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم أمته بذلك فقال (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن) رواه الترمذي وحسنه.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم غاية في حسن الخلق. قال أنس (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا) متفق عليه. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال (لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا) متفق عليه. وقالت عائشة واصفة رسول الله (كان خلقه القرآن) يعني كان يتمثل أخلاق القرآن الفاضلة وقد أثنى عليه الله سبحانه بقوله ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ).
وحسن الخلق هو بذل المعروف وكف الأذى. فجماع حسن الخلق في أمرين عظيمين: بذل الخير وكف الشر ، فبذل الخير يدخل فيه الصدق والأمانة وحسن الجوار وصلة الرحم وحسن العهد والوفاء والمكافأة على المعروف وغير ذلك من خصال الخير. وكف الشر يدخل فيه احتمال الأذى وكظم الغيظ والصبر على المكروه والعفو عند المغفرة ومقابلة الإساءة بالإحسان وغير ذلك. قال الحسن البصري "حسن الخلق الكرم والبذلة والاحتمال". وقال ابن المبارك "هو بسط الوجه وبذل المعروف وكف الأذى". وقال الإمام أحمد "حسن الخلق أن لا تغضب ولا تحتد" وفسره أيضا "أن تحتمل ما يكون من الناس".

والمسلم يحرص على التحلي بحسن الخلق للأمور الآتية:
1- تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم.
2- دخول الجنة: فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم (ما أكثر ما يدخل الناس الجنة قال تقوى الله وحسن الخلق) رواه الترمذي وصححه.
3- ثقل الميزان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما من شئ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذي) ر واه الترمذي وصححه.
4- كمال الإيمان: قال رسول الله عليه وسلم (أكمال المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا) رواه الترمذي وصححه.
5- قرب المجلس من رسول الله في الآخرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ألا أخبركم بأحبكم إلى الله وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة قالوا بلى يا رسول الله قال أحسنكم خلقا) خرجه ابن حبان في صحيحه.
6- بلوغ درجة الصائم القائم: قال رسول الله عليه وسلم (إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجات الصائم القائم) رواه أبوداود.
7- تحريم النار: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ (ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار تحرم على كل قريب هين لين سهل) رواه الترمذي وحسنه. وغير ذلك من الفضائل والمزايا.

والمؤمن يثاب في الآخرة على حسن خلقه إذا احتسب الأجر من الله وأخلص العمل له ويظهر الاحتساب في أمرين:

1- أن يتحلى المسلم بحسن الخلق في جميع أحواله حيث يراه الناس وحيث لا يرونه.
2- إذا عمل المعروف لأحد ثم قابله بالجحود والنكران لم يغضب لذلك ويندم على فعله لأنه فعل المعروف لله ليس لأجل الخلق.

و بعض الناس يعمل المعروف ويبذل الخير قصدا للرياء والسمعة والمصالح الشخصية فتراه يتظاهر بذلك في مجامع الناس ومحافلهم لكن إذا خلا وأتاه سائل محتاج أو علم بضعف حال قريب له لم يحرك ذلك ساكنا فيه والله المستعان.

ومن قصد بحسن خلقه عرضا من الدنيا ولم يحتسب الأجر كافأه الله في الدنيا وفتح عليه من زهرتها أما الآخرة فلا ثواب له لأنه تعجل ثوابه في الدنيا.

وكثير من المسلمين يعجب ببعض أخلاق الكفار ويثني عليهم ويذم أخلاق المسلمين ولم يعلم هذا المسكين أن أخلاقهم الحسنة دعا إليها الإسلام منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم فهي حق مشروع في الكتاب والسنة كما أنه يجدر التنبيه على أن فلسفة الكفار ومعيارهم في القيم والمبادئ الأخلاقية قائمة على أساس المصلحة المادية وليس الثواب الأخروي.

ويظهر حسن خلق المسلم ويتبين مستواه عند الشدة والضيق و المنازعات والخصومات أما حال اليسر والسعة والمجاملات وحسن الحال فالكل يتمتع بحسن الخلق ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند شدة الغضب) متفق عليه. وقال رجل لرسول الله أوصني فقال صلى الله عليه وسلم (لا تغضب فردد مرارا قال لا تغضب) رواه البخاري.

والله قسم بين العباد أخلاقهم كما قسم بينهم أموالهم وحسنهم فمنهم من هو حسن الخلق ومنهم من هو سيء الخلق ومنهم من هو متوسط بينهما. وبعض الناس يعتذر عن سوء خلقه بأن أخلاقه جبلية خلقه الله عليها فيرضى بها ويستمر عليها. وهذا مفهوم خاطئ في هذا الباب والتحقيق أن الأخلاق منها ما هو جبلي ومنها ما هو مكتسب فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من يتصبر يصبره الله وما أعطي أحد عطاء هو خيراً وأوسع من الصبر) وروي (إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم).

فالعبد مأمور بالثبات على أخلاقه الحسنة والحفاظ عليها ومأمور بالتخلص من أخلاقه السيئة والحذر منها ولا يعذر أحد بالبقاء على سوء خلقه. وهذا يتطلب من المرء بذل جهد كبير في سبيل التخلص من الأخلاق الرديئة والطباع المستهجنة. وكم من امرئ كانت له خصلة سيئة فجاهد نفسه وتخلص منها وحسن خلقه وهذا أمر مشاهد.

و هناك وسائل لتحصيل حسن الخلق:

1- الدعاء بحسن الخلق كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بذلك.
2- التفكر في ثواب حسن الخلق وما أعده الله من النعيم.
3- قبول النصيحة من الغير مهما كان.
4- الإستماع والانتفاع بكلام الأعداء والخصوم.
5- مصاحبة أهل الفضل والمروءة.
6- مجانبة السفهاء والبطالين.
7- النظر في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والتأمل في مواقفه الرائعة.
8- تمرين النفس على فعل الأخلاق الحسنة بالتطبيق العملي.
9- التأمل والتعرف على ما تحمله النفس من أخلاق سيئة وعادات قبيحة.
10- مجاهدة النفس واستفراغ الوسع على ترك الأخلاق السيئة.

وينبغي على المسلمين أن يحرصوا أشد الحرص على التحلي بحسن الخلق من صدق الحديث وأداء الأمانة والوفاء بالعهد والعدل والإنصاف فإن ذلك له أثر عظيم في تحسين صورة الإسلام لدى الكفار ودخولهم فيه ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل الإحسان إلى الناس وسيلة في سبيل نشر الدين ويتألفهم عليه بالمعروف والقصص مشهورة في ذلك.


خالد بن سعود البليهد
عضو الجمعية العلمية السعودية للسنة
binbulihed@gmail.com

 

خالد البليهد
  • النصيحة
  • فقه المنهج
  • شرح السنة
  • عمدة الأحكام
  • فقه العبادات
  • تزكية النفس
  • فقه الأسرة
  • كشف الشبهات
  • بوح الخاطر
  • شروح الكتب العلمية
  • الفتاوى
  • كتب
  • الصفحة الرئيسية