اطبع هذه الصفحة


الوقوف بعرفة

خالد بن سعود البليهد

 
السؤال :

بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد
اشرح قول رسول الله صلى الله عليه و سلم
"الحج عرفة"

الجواب :
الحمد لله. يبين الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح الثابت في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي أن أعظم الحج وأكمله وأجل أعماله الوقوف بعرفة في اليوم التاسع كقوله في الحديث الآخر: (الدعاء هو العبادة). رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه. وقوله: (الدين النصيحة). وليس مراده تعريف الحج وحصره على الوقوف بعرفة بمعنى أن من اقتصر على عرفة دون سائر المناسك صح حجه فليس هذا مراد أبدا ولم يفهم أحد من أهل العلم ممن يعتد به قصر الحج على عرفة. والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل المناسك كلها من طواف وسعي ووقوف وجمع ورمي وحلق ونحر ثم قال لأصحابه: (خذوا عني مناسككم). رواه مسلم. فدل ذلك على أن الحج يشتمل على مجموع مناسك وأعمال يجب الإتيان بها وقد اتفق الفقهاء على ذلك. وإنما خصه النبي صلى الله عليه وسلم لعظم ركنه واعتماد صحة الحج على إدراكه ويفوت بفواته.

وقد استدل الفقهاء بهذا الحديث على أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج لا يصح إلا به فمن فاته الوقوف بعرفة مطلقا في ذلك اليوم بطل حجه ومن وقف لحظة في هذا اليوم في أي ساعة من نهار أو ليل صح حجه ولو كان مارا بها أو نائما أو تائها لحديث عروة بن مضرس الطائي قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت يا رسول الله: إني جئت من جبلي طيئ وأكللت راحلتي وأتعبت نفسي والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج فقال النبي صلى الله عليه وسلم من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه). رواه الخمسة وصححه الترمذي، لكن يجب على من وقف في النهار أن يمكث حتى الغروب لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف حتى غربت الشمس ثم دفع كما في حديث جابر في الصحيح. ومن دفع قبل الغروب لزمه دم لتركه الواجب.

ويجب على الحاج أن يتحرى حدود عرفة ويتيقن أن وقوفه داخل أميال عرفة ليس خارجا عنها وهذا متيسر والحمد لله في هذا الزمن لوضوح اللوحات الإرشادية وكثرتها. وإذا تبين للإنسان أنه وقف خارج حدود عرفة لم يصح حجه مطلقا سواء كان جاهلا أو مخطئا أو عامدا لفوات الركن كمن صلى في غير الوقت.

ويصح الوقوف في أي موضع من عرفة ولا يشترط الوقوف في موقف النبي صلى الله عليه وسلم عند الصخرات ولا الصعود فوق جبل الرحمة ولا رؤيته ولا استقباله لقوله صلى الله عليه وسلم: (وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف). رواه مسلم. ولا ينبغي على الحاج أن يتكلف الوقوف عند جبل الرحمة ويشق على نفسه في ذلك لأن ذلك يؤدي إلى التزاحم وحصول الأذى للمسلمين ويفضي إلى ضياعه وتخلفه عن رفقته والأمر في ذلك واسع إن شاء الله.

ولا يشترط في الوقوف بعرفة هيئة مخصصة من القيام أو القعود وليس في ذلك سنة مخصوصة وليس المراد بالوقوف أن يلتزم الحاج هيئة القيام طيلة النهار وإنما المراد في هذا المنسك حصول المكث في هذه البقعة ويحصل ذلك بأي هيئة وصفة فيفعل الحاج ما هو أرفق به وأجمع لقلبه وأقرب لخشوعه.

ولا يشترط في الوقوف بعرفة الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر ويصح بدونها لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة لما حاضت بعد ما أحرمت: (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري). متفق عليه. قال ابن المنذر: (أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من وقف بعرفة غير طاهر فوقوفه صحيح، وهو مدرك للحج ولا شيء عليه).

والذكر في عرفة باب واسع لا يشترط فيه شيء أو تلاوة أو ورد فلو وقف الحاج صامتا بدون ذكر صح حجه. وإنما ورد في السنة دعاء مشروع في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت أنا و النبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير). رواه الترمذي. فيستحب الإكثار من ذلك. ويشرع للحاج أن يذكر الله بما تيسر له من تلاوة ودعاء وثناء وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من ذلك على حسب استطاعته. ولا بأس إن حصل له نوع ملل أن يتحدث مع أصحابه بالحديث المباح يروح عن نفسه. ويتأكد عليه في هذا اليوم العظيم بعد الزوال أن يجتهد في التذلل والافتقار والإلحاح بالدعاء وإظهار الحاجة والمسكنة لله والثناء والتمجيد لله والتوبة والإنابة له وإحسان الظن بالله والفرح بوعده ليتعرض لنفحات ربه وتباهي به الملائكة ويكون من عتقاء الله في ذلك المشهد العظيم.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.


خالد بن سعود البليهد
عضو الجمعية العلمية السعودية للسنة
binbulihed@gmail.com
الرياض:16/11/1429

 

خالد البليهد
  • النصيحة
  • فقه المنهج
  • شرح السنة
  • عمدة الأحكام
  • فقه العبادات
  • تزكية النفس
  • فقه الأسرة
  • كشف الشبهات
  • بوح الخاطر
  • شروح الكتب العلمية
  • الفتاوى
  • كتب
  • الصفحة الرئيسية