اطبع هذه الصفحة


أحكام خلع المرأة لزوجها

خالد بن سعود البليهد

 
السؤال :

امراة لا تريد زوجها تريد الخلع وهي حامل في الشهر الخامس مع إعادة المهر كامل لزوج فما الحكم الشرعي ذالك مأجورين.


الجواب :
الحمد لله. الأصل في النكاح الاستدامة ويحرم على المرأة سؤال الطلاق من غير سبب مقنع وقد ورد الوعيد الشديد في ذلك. لكن إن كرهت المرأة زوجها في خُلقه كأن يكون فضا غليظا أو خَلقه كأن يكون دميما وكان في بقائها معه ضرر بين عليها أو خوفا من التقصير في حقه جاز لها أن تطلب منه أن بخالعها بشرط أن تدفع له المهر الذي بذله لها لأن المفارقة جاءت من قبلها وفيه إضرار به فشرع تعويضه. ويستحب للزوج الموافقة على الخلع ليدفع الضرر عنها ولا يجب عليه وهو مذهب الأكثر. فإن امتنع عن خلعها رفعت أمرها للحاكم ليلزمه بذلك.والأصل فيه قوله تعالى : (وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) وثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : (يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ، ولكني أكره الكفر في الإسلام .فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتردين عليه حديقته ؟ قالت : نعم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقبل الحديقة ، وطلِّقها تطليقة). وحكى الإجماع على مشروعيته غير واحد كابن عبد البر وابن قدامة.

وينبغي للزوج الاقتصار على قيمة المهر لوروده في الشرع وسلوك العدل والإنصاف معها لكن لو صالحها بأكثر من الصداق صح الخلع بذلك وجاز له أخذه لأن الشارع لم يحدد حدا في عوض الخلع ولأنه من باب الصلح والأصل فيه التوسعة إلا ما حرم حلالا أو أحل حراما ولكن المروءة وحسن العشرة تقتضي عدم أخذه. ويستحب للزوج أن ينقص من العوض أو لا يأخذ منها شيئا خاصة إذا كان غنيا.

ويجوز للزوج أن يصالحها عن أي منفعة أو مال مباح مقابل خلعها ولو كان إسقاط حق من حقوقها المالية كالمهر والنفقة الواجبة في الذمة ونفقة الأولاد ورضاعتهم وهذا مذهب جمهور الفقهاء.

وصيغة الخلع أن يأخذ الزوج العوض الذي صالحها عليه ثم يقول فارقتك أو خالعتك على عوض قدره كذا ونحو ذلك من الألفاظ الدالة على حصول الفرقة بعوض ولم يرد في الشرع لفظ مخصوص للخلع. ويشهد على ذلك. ولا يشترط أن يكون عند الحاكم في المذاهب الأربعة. قال أحمد: (يجوز الخلع دون السلطان). لكن الأحوط فعله عن طريقه.

والصحيح أن الخلع فسخ لعقد النكاح لا يحتسب من عدد الطلاق لأن الله لما ذكر الطلاق مرتين في آيات الطلاق بقوله: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ). ذكر بعده الخلع بالفداء ثم ذكر الطلقة الثالثة بقوله: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ). وهذا يدل أن الله لم يحتسب الخلع طلاقا إذ لو كان طلاقا لصار العدد أربع طلقات وهذا باطل بالإجماع. وهذا مذهب أحمد وهو الثابت عن ابن عباس رضي الله عنه. أما إذا كان الخلع بلفظ الطلاق فهو طلاق عند الأكثر وهو الأحوط.

ويجوز للأجنبي من أب ووصي وحاكم خلع المرأة بماله من زوجها ويعد ذلك من الإحسان وإسقاط الحقوق عن الغير كفك الأسير والغريم من دينه ويدخل هذا العمل في باب التعاون على الأمر والتقوى. وهو قول أهل المذاهب الأربعة.

وإذا اختلعت المرأة غير الحامل من زوجها وجب عليها أن تعتد بحيضة واحدة على الصحيح من قولي الفقهاء لما روى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم عدّتها حيضة). ولأن المقصود استبراء الرحم من الحمل وهذا يحصل بحيضة واحدة ولا يقاس على الطلاق لوجود الفرق بينهما. وهذا قول أحمد في رواية اختارها ابن تيمية. أما الحامل فتنقضي عدتها بوضع حملها.

وإذا أرادت المختلعة الرجوع لزوجها بعد الخلع جاز لها ذلك على الصحيح بعقد جديد ومهر وشهود وولي كسائر العقود لأنها أجنبية عنه.

ومع إباحة الخلع للمرأة إلا أني أنصح المرأة ألا تتعجل في طلب الخلع ولتصبر وتحاول إزالة موانع المودة وفعل الأسباب التي تجلب المحبة والانسجام بينهما خاصة إذا كان لها منه ولد ولتشاور أهل الحكمة والفضل. فإذا بذلت الأسباب وعملت بالمشورة ولم تتغير الأحوال إلى الأفضل أقدمت على الخلع واستقبلت حياة جديدة مع زوج آخر.
والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.


خالد بن سعود البليهد
عضو الجمعية العلمية السعودية للسنة
binbulihed@gmail.com
في الرياض: 17/10/1430



 

خالد البليهد
  • النصيحة
  • فقه المنهج
  • شرح السنة
  • عمدة الأحكام
  • فقه العبادات
  • تزكية النفس
  • فقه الأسرة
  • كشف الشبهات
  • بوح الخاطر
  • شروح الكتب العلمية
  • الفتاوى
  • كتب
  • الصفحة الرئيسية