اطبع هذه الصفحة


والدتي تنهاني عن التعدد فهل تلزم طاعتها

خالد بن سعود البليهد

 
السؤال :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اسأل الله العلي العظيم ان يؤجركم وويوفقكم.
انا مقيم في .... لدراسة الدكتوراة ومتزوج ولدي اربعة اطفال.انعام الله علي لا تعد ولا تحصى وله الحمد والفضل والمنة على نعمه. مشكلتي ان حياتي الاسرية ليست مستقرة تماما. كنت ارغب في الزواج من امرأة اخرى تقدر الحياة الزوجية ولكن والدتي حفظها الله وختم لها بالصحة والعمل الصالح ترفض فكرة الزواج اصلاً من ثانية. حاولت جاهدا التكيف مع زوجتي الحالية ولكن هداها الله لم تستجب.
سؤالي: هل اذا تزوجت من امرأة اخرى اعتبر عاقا والعياذ بالله. بماذا تنصحزنني. جزاكم الله خيرا.


الجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله. لا شك أن الأم لها حق عظيم في الشرع وقد أمر الولد ببرها وصلتها والإحسان إليها وطاعتها بكل قول وفعل حسن. قال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا). لكن لا يدخل في الطاعة الواجبة للوالدين موافقتهما في الزواج بإمرة معينة أو طلاقها أو ترك الزواج والتعدد لأن الله لم يأمر بذلك ولأن ذلك لا يعود عليهما بالصلاح والفائدة ولا يتحقق به مصلحة راجحة لهما فطاعتهما في المباحات واجبة بشرط حصول النفع وانتفاء الضرر عن الولد. ولأن سلب إرادة الولد واختياره في فعل الزواج وتركه يترتب عليه عنت ومشقة وحرج على الولد وقد نفت الشريعة الحرج في أحكامها. ولأن إكراه الولد على ذلك يتسبب غالبا في فشل حياته الزوجية وتجربته الاجتماعية وهذا ضرر ظاهر والقاعدة الشرعية: (لا ضرر ولا ضرار). ولأن الطاعة الواجبة في هذا الباب هي ما كانت في المعروف ولا شك أن التعدد رغبة في التعفف من المعروف الذي ورد فضله في الشرع فليس لأحد منعه. وتصرفات الفقهاء تدل على ذلك فقد سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله عن طاعة الوالد في طلاق الزوجة فقال للسائل: لا تُطلق زوجتك، فذكر له حديث عمر، فقال أحمد: إذا كان أبوك مثل عمر فطلقها. وقال أحمد أيضا: (إن كان رجلاً يخاف على نفسه ووالداه يمنعانه من التزوج فليس لهما ذلك، ولا يطيعهما). وقال ابن تيمية رحمه الله فيمن تأمره أمه بطلاق امرأته: (لا يَحل له أن يُطلقها، بل عليه أن يَبَرَّها، وليس تطليق امرأته من برها). وقال أيضا: (ليس لأحد الأبوين أن يلزم الولد بنكاح من لا يريد، وأنه إذا امتنع لا يكون عاقًّا، وإذا لم يكن لأحد أن يلزمه بأكل ما ينفر منه مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه فإن النكاح أولى، فإن أكل المكروه مرارة ساعة وعشرة المكروه من الزوجين على طول تؤذي صاحبه ولا يمكنه فراقه).

أما إذا كان رأي الوالدين في الزواج والطلاق مبنيا على رؤية دينية ومصلحة اجتماعية راجحة فيلزم حينئذ طاعتهما كأن تكون المرأة لا دين لها أو معروفة بالفساد أو ذات أخلاق سيئة أو من أسرة متهمة يلحق بمثلها العار عرفا ونحو ذلك مما يظهر في المنع سبب شرعي بين وعذر مقنع. ففي مثل ذلك يلزم الولد طاعتهما في ذلك ولا ينبغي له مخالفتهما. وعلى هذا يحمل ما ورد في قصة إبراهيم عليه السلام مع ابنه اسماعيل وقصة عمر مع ابنه وقصة أبي بكر مع ابنه رضي الله عنهم.

فعلى هذا لا يجب عليك طاعة أمك في عدم الزواج بإمرأة أخرى ولا يدخل ذلك في عقوقها بل يجوز لك أن تعمل الأنفع والأصلح لحالك وقلبك لا سيما إن كنت تعاني من حالة الجفاء وعدم الانسجام والوئام مع الزوجة الأولى. وأنصحك مع ذلك بمداراة أمك واقناعها بالأساليب الرقيقة والتدرج معها في ذلك والأم غالبا تبحث عن سعادة ولدها مهما كانت. فإن اقتنهت فالحمد لله وإن لم تقتنع فلا حرج عليك في مخالفتها وهي ترضى بعد ذلك عادة ويذهب سخطها. ولكن إن كنت تستطيع الصبر وتركت التعدد رغبة في إدخال السرور على أمك وتطييب قلبها واحتسبت الثواب في ذلك فيرجى لك خير عظيم وعاقبة حسنة لأنك آثرت رضاها ورأيها على رغبتك وسعادتك الخاصة.
والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.


خالد بن سعود البليهد
عضو الجمعية العلمية السعودية للسنة
binbulihed@gmail.com
في الرياض: 18/10/1430

 

خالد البليهد
  • النصيحة
  • فقه المنهج
  • شرح السنة
  • عمدة الأحكام
  • فقه العبادات
  • تزكية النفس
  • فقه الأسرة
  • كشف الشبهات
  • بوح الخاطر
  • شروح الكتب العلمية
  • الفتاوى
  • كتب
  • الصفحة الرئيسية