اطبع هذه الصفحة


حكم إعفاء اللحية والأخذ منها

خالد بن سعود البليهد

 
السؤال :

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد جاءت نصوص في اعفاء اللحية، والحمد لله هي واضحة للعيان
ولكن هل هناك حد للاخد من اللحية، أم انه لا يجوز تهديبها على الأطلاق؟
فالحمد لله قد اعفيت لحيتي مند سنوات ولكن كنت اخد منها بين الحين والأخر لتهديبها. فهل هدا جائز؟
حيث انه في بلدي ينعت الشخص على انه ملتحي عندما يتجاوز طول اللحية المعتاد وليس في عادة البلد تطويل اللحى
كما أن عامة الناس يحتجون علينا نحن اصحاب اللحى الطويلة ويقولون " أن الله جميل يحب الجمال " قصداً منهم أن طول اللحية ينافي جمال الهيئة
وهل يجوز الاخد من العارضين وقص البعض منها لتجميلها؟
وهل هناك نصوص في تجميل واكرام اللحية كأستعمال بعض المواد للعناية بها؟
وجزاك الله خيرا.

الجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله. لا شك أنه دلت النصوص الشرعية على وجوب إعفاء اللحية في عدة أحاديث مخرجة في الصحاح بلفظ: (أعفوا). و(أرخوا). و(وفروا). وهذا هو المعروف في قول العامة وهو القول المشهور في مذهب الأئمة لأربعة. قال ابن حزم في مراتب الإجماع: (واتفقوا أن حلق جميع اللحية مثلة لاتجوز). أما القول بسنة إعفاء اللحية وكراهية حلقها فقاله بعض متأخري الشافعية وهو قول شاذ لا يعرف عن المتقدمين ولا تصح نسبته للإمام الشافعي رحمه الله ومن حكا عنه فقد وهم عليه وجانب الصواب. قال ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج: (قال الشيخان يكره حلق اللحية واعترض ابن الرفعة في حاشيته الكافية بأن الشافعي رحمه الله نص في الأم على التحريم قال الزركشي وكذا الحليمي في شعب الإيمان وأستاذه القفال في محاسن الشريعة وقال الأذرعي الصواب تحريم حلقها جملة لغير علة بها). وعلى فرض صحة المذهب عنه رحمه الله فإن قول العامة مقدم عليه لموافقته الأدلة الصحيحة الصريحة ومذاهب الصحابة. ولا يعرف عن أحد من المتقدمين الترخيص في حلق اللحية فيما أعلم.

وقد اختلف الفقهاء في حكم الأخذ منها هل الأولى تركها وعدم التعرض لها أم يجوز أخذ قدر مازاد على القبضة على قولين مشهورين والخلاف في هذا سائغ تحتمله الأدلة ولا ينبغي الإنكار والتشديد في ذلك لأن كلا القولين عمل بهما طائفة من العلماء:
1- ذهب بعض الشافعية كالنووي وغيره إلى مشروعية إعفائها وكراهة التعرض لها أخذا بعموم الأدلة وظاهر فعل النبي صلى الله عليه وسلم. قال النووي في المجموع: (والصحيح كراهة الأخذ منها مطلقاً، بل يتركها على حالها كيف كانت، للحديث الصحيح (وأعفوا اللحى).
2- وذهب الأكثر إلى جوار الأخذ من اللحية مما زاد على القبضة من غير كراهة لما ثبت عن جماعة من الصحابة. و(كان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذ). رواه البخاري. وقال جابر بن عبد الله: (كنا نعفي السبال إلا في حج أو عمرة). رواه أبوداود. ولأن المقصود في الإعفاء الوارد في النصوص هو التكثير لا مطلق الترك لأن حقيقة الإعفاء لغة التكثير وذلك يحصل ويتحقق بترك ما يصدق عليه ذلك. قال ابن عبد البر: (ابن عمر روى عن النبي أعفوا اللحا وهو أعلم بمعنى ما روى فكان المعنى عنده وعند جمهور العلماء الأخذ من اللحية ما تطاير والله أعلم). وأحسن ما يضبط فيه الكثرة ما ورد عن الصحابة لأن قولهم معتبر في فهم النصوص. قال الحسن البصري : (كانوا يرخصون فيما زاد على القبضة من اللحية أن يؤخذ منها). أخرجه عبد الرزاق في المصنف. وقال ابن تيمية في شرح العمدة: (وأما إعفاء اللحية فإنه يترك فلو أخذ ما زاد على القبضة لم يكره نص عليه). وجاء في كتاب الوقوف والترجل للخلال: أخبرني حرب قال: سئل أحمد عن الأخذ من اللحية قال: (كان ابن عمر يأخذ ما زاد عن القبضة. وكأنه ذهب إليه قلت له : ما الإعفاء قال : كأن هذا عنده الإعفاء). وقد خصه الشافعي بالنسك لكن نبه ابن عبد البر وغيره إلى أن ما جاز أخذه في المناسك جاز سائر السنة وهذا ظاهر عد التأمل. ولا أعلم أنه ورد عن أحد من السلف نص صريح في تحريم الأخذ مما زاد عن القبضة إنما الوارد اختلافهم في فعل الأولى من الأخذ وعدمه فالحكم عندهم يدور بين الجواز والكراهة مما يدل على التوسعة في ذلك. قال ابن عبد البر في التمهيد: (واختلف أهل العلم في الأخذ من اللحية فكره ذلك قوم وأجازه آخرون).

ويلحق في حكم ذلك أخذ ما فحش وند عن هيئة اللحية مما يشوهها من طول اللحية وعرضها فقد أخذ الإمام أحمد من عارضيه كما جاء في مسائل ابن هانئ. وهذا محمول على ما فحش وتطاير. وقال الباجي في المنتقى: (روى ابن القاسم عن مالك: لا بأس أن يؤخذ ما تطاير من اللحية قيل لمالك فإذا طالت جدا قال : أرى أن يؤخذ منها وتقص). وهو مروي عن جماعة من التابعين.

وأما قول الحنفية باستحباب الأخذ مما زاد على القبضة فقول مرجوح لا تعضده الأدلة لأن ما روي في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها فحديث منكر من رواية عمر بن هارون البلخي وهو متروك فهذا الحديث شاذ مخالف للأدلة المحفوظة ولا يصح في هذا الباب شيء ولم ينقل عنه أنه أمر بذلك بل ظاهر الأدلة يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يترك لحيته ولا يتعرض لها كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير شعر اللحية). وعن علي رضي الله عنه قال : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كث اللحية). رواه أحمد. ولأن تركها ليس من الإسبال المنهي عنه شرعا ومعلوم أن بعض الصحابة كان كث اللحية فوق القبضة. وأضعف منه القول بالوجوب ولا يحفظ هذا القول عن السلف.

وأما القول بجواز الأخذ من دون تحديد بالقبضة فقد روي عن بعض التابعين لكن هذا القول لا يؤثر عن الصحابة ولا ينضبط من حيث الواقع وذريعة للتلاعب وفيه شبهة ولا يليق بأهل الفضل والعلم فعله.

أما المبالغة في قص اللحية وحفها حتى يبقى أصل الشعر أو قريبا من ذلك كما يفعل أهل الدنيا فهذا محرم لا يجوز مخالف للأدلة لم يرخص فيه أحد ممن يعتد بقوله من الأئمة وقد أنكره الفقهاء. قال ابن عابدين الحنفي : (الأخذ من اللحية دون القبضة كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال لم يبحه أحد). وقد سهل فيه بعض المتأخرين وقولهم شاذ لا يلتفت إليه.

وينبغي للمسلم أن يعتني بشعر لحيته ويكرمه بالغسل والإدهان وغيره ولا حرج في استعمال بعض المواد العصرية النافعة في تنعيم الشعر واصلاحه ولا يتركه متسخا متلبدا شعثا لأن ديننا أمر بالنظافة والطهارة وحسن الهيئة. وقد ورد في السنة النهي عن إهمال الهيئة وعدم الإعتناء بالشعر.

وتوفير اللحية وإعفائها لا ينافي الجمال والتجمل لأن الجمال الحقيقي هو في موافقة الشرع والفطرة السوية ولذلك كانت اللحية شعار الأنبياء أجمل الناس وكانت اللحية هي زينة الرجل وجماله الذي يميزه عن النساء ولا شك أن لكل جنس جمال يناسبه ويلائم طبيعته قالت عائشة رضي الله عنها: (والذي زين الرجال باللحى والنساء بالذوائب). وتشبه الرجل بالنساء في حلق اللحية قبيح مخالف للفطرة والشرع. أما من فسدت فطرتهم وصاروا يرون إعفاء اللحية نقصا وعيبا في الصورة فهؤلاء لا يلتفت إلى قولهم. لكن إن كانت لحية الرجل فاحشة في الطول في مجتمع مستخف بالشرع ويعرضه ذلك للاستهزاء به ويجد حرجا من ذلك فلا حرج عليه أن يقصرها ويهذبها إلى القبضة ويأخذ بكلام جمهور الأئمة وقد ورد عن السلف ما يدل على مراعاة هذا المعنى.

والعبد يؤجر في إعفائه اللحية إذا فعل ذلك طاعة لله وامتثالا لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم أما إذا أرخى لحيته من باب العادة أو مجاراة لقومه أو العرف السائد في بيئته فلا يؤجر على ذلك لأنه حينئذ يكون فعله عادة.

وينبغي على المؤمن أن يوقر اللحية ويعظم هذا السمت في سلوكه وأقواله وأفعاله فيحسن التعامل مع الخلق ولا يجاهر بالمعاصي أمام الناس حتى لا يسيئ للدين وأهله. فمن المؤسف أن ترى رجلا ملتحيا يشرب الدخان علانية ويشهد أماكن المنكر ويستخف بهذه السنة العظيمة.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.


خالد بن سعود البليهد
عضو الجمعية العلمية السعودية للسنة
binbulihed@gmail.com
8/3/1430



 

خالد البليهد
  • النصيحة
  • فقه المنهج
  • شرح السنة
  • عمدة الأحكام
  • فقه العبادات
  • تزكية النفس
  • فقه الأسرة
  • كشف الشبهات
  • بوح الخاطر
  • شروح الكتب العلمية
  • الفتاوى
  • كتب
  • الصفحة الرئيسية