اطبع هذه الصفحة


شرح رسالة فضل علم السلف على الخلف 14

اضغط هنا لتحميل الكتاب على ملف وورد

خالد بن سعود البليهد

 
بسم الله الرحمن الرحيم


(والثاني من رام إثبات ذلك بأدلة العقول التي لم يرد بها الأثر ورد على أولئك مقالتهم كما هي طريقة مقاتل بن سليمان ومن تابعه كنوح بن أبي مريم وتابعهم طائفة من المحدثين قديماً وحديثاً. وهو أيضاً مسلك الكرامية فمنهم من أثبت لإثبات هذه الصفات الجسم إما لفظا وإما معنى. ومنهم من أثبت للَّه صفات لم يأت بها الكتاب والسنة كالحركة وغير ذلك مما هي عنده لازم الصفات الثابتة. وقد أنكر السلف على مقاتل قوله في رده على جهم بأدلة العقل وبالغوا في الطعن عليه. ومنهم من استحل قتله، منهم مكي بن إبراهيم شيخ البخاري وغيره).

القسم الثاني: من أثبت الأسماء والصفات للرب لكن بالغ جدا في الإثبات حتى جعل للصفات الواردة لله كصفات العبد وهذا تشبيه مذموم وكفر بين مخالف للكتاب والسنة قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). وقال تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى). وقال تعالى: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ). وقد أجمع أئمة السلف على كفر من شبه الخالق بالمخلوق في شيء من صفاته وقال إسحاق بن راهويه: (من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من خلق الله، فهو كافر بالله العظيم). وقال نعيم بن حماد: (من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه). والمشبهة موقفهم كان ردة فعل من المعطلة الذين نفوا الصفات قال أبو حنيفة: (أفرط جهم في النفي حتى قال إنه ليس بشئ وأفرط مقاتل في الإثبات حتى جعل الله تعالى مثل خلقه). وإنما ضلوا لأنهم اعتمدوا على دلالة العقل القاصرة فقالوا لا نعقل ولا ندرك صفة وردت في القرآن إلا كصفة المخلوق فكل ما ورد في القرآن من صفة فهو كصفتنا حتى شبهوا الخالق بالمخلوق في كل الصفات وقالوا إن لله جثة ونثبت لله جميع صفات المخلوق واضطرب كلامهم وتطور مذهبهم في وحل الكفر والإلحاد ومنهم من أثبت صفات مستقلة لم ترد في النصوص كصفة الحركة بناء على أن الصفات الفعلية تستلزم ذلك فزاد في الإثبات على ما ورد في الشرع وهذا مسلك بعض متأخري الحنابلة وقد اخطأوا في نسبة هذا الرأي للإمام أحمد كما بينه المصنف في موضع آخر. وانتشرت هذه المقالة في الصدر الأول عن مقاتل بن سليمان البلخي مولى أزد الخراساني وانتشر مذهبه في خراسان قال ابن حبان: (وكان شَبَهياً يشبه الرب بالمخلوقين وكان يكذب مع ذلك في الحديث). ثم استقر في البصرة وبها مات وكان العلماء يحذرون من بدعته وكان عالما في التفسير احتاج الناس إلى تفسيره لكثرة روايته عن التابعين المفسرين لكن كان العلماء يتعاملون معه بحذر قال ابن المبارك: (ما أحسن تفسيره لو كان ثقة). وقال نعيم بن حماد: (رأيت عند ابن عيينة كتابا لمقاتل فقلت يا أبا محمد تروي لمقاتل في التفسير قال لا ولكن أستدل به وأستعين). وقد ذمه العلماء وضللوه قال أبوحنيفة: (أتانا من المشرق رأيان خبيثان جهم معطل ومقاتل مشبه). وذكر المصنف أن مكي بن إبراهيم شيخ البخاري استحل دمه وذلك بناء على تكفيره لشناعة بدعته. واتبعه على ضلالته نوح بن أبي مريم وهو أبوعصمة القرشي المروزي قاض مرو كان فقيها مشتغلا بالرد على الجهمية منكر الحديث وقد تاثر برأي مقاتل وجاءه البلاء من جهة زواج مقاتل بأمه ومعاشرته له. ثم صار مذهبا لفرقة الكرامية وهم أتباع محمد بن كرام السجستاني المتوفى في منتصف القرن الثالث واشتهروا بالتشبيه في صفات الله والقول بالإرجاء. ثم انتشر هذا المذهب عند فرق الرافضة المتقدمين أما المتأخرون فقد سلكوا مذهب الاعتزال في هذا الباب. وقد تأثر بهذا المسلك بعض متأخري المحدثين وظنوا أن القول بإثبات الصفات يقتضي التشبيه وهذا لجهلهم وعدم رسوخهم في معرفة اعتقاد السلف وقد شنع عليهم المحققون أما متقدموا المحدثين فقد كانوا جميعا على مذهب أئمة السلف. وفكرة التشبيه في الأصل مأخوذة من النصارى الذين شبهوا عيسى بالله لكن مشبهة هذه الأمة عكسوا فشبهوا الله بالمخلوق ويدخل في معنى التشبيه تشبيه الذات والصفات والأفعال فكل من أثبت لله معنى وجعله كالمخلوق في الكيف فهو مشبه واقع في الكفر لأنه مكذب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمشبه يعبد في الحقيقة صنما كما قال ابن تيمية: (فالمعطل يعبد عدما والممثل يعبد صنما والموحد يعبد ربا). والفطرة السليمة والبصيرة النافذة تأبى فكرة التشبيه بين الخالق والمخلوق ولذلك فإن هذا المذهب انقرض ولم يعد له مدرسة وأتباع منذ زمن مبكر وصار يروى في التاريخ.

ومما يجدر التنبيه هنا في هذا المقام أن المعطلة من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة يطلقون زورا وبهتانا على أهل السنة والحديث لقب المشبهة والمجسمة لينفروا الناس من مذهب الحق كما قال ابن ابي العز الحنفي: (وكذلك قال خلق كثير من أئمة السلف علامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة فإنه ما من أحد من نفاة شيء من الأسماء والصفات إلا يسمي المثبت لها مشبها). وذلك لأنهم اعتقدوا أن الأخذ بظواهر النصوص الواردة في الأسماء والصفات تشبيه وهذا اعتقاد فاسد لأن إثبات الصفات لا يستلزم التشبيه لوجود الفرق الظاهر بينهما.

 

خالد البليهد
  • النصيحة
  • فقه المنهج
  • شرح السنة
  • عمدة الأحكام
  • فقه العبادات
  • تزكية النفس
  • فقه الأسرة
  • كشف الشبهات
  • بوح الخاطر
  • شروح الكتب العلمية
  • الفتاوى
  • كتب
  • الصفحة الرئيسية