اطبع هذه الصفحة


حول الشيخ سعد الشثري وفتواه

سلطان بن عثمان البصيري


كنت في آخر شهر رمضان المبارك الماضي أتحدث مع أحد الإخوة حول العلماء النادرين من نوعهم في هذا الزمن ، من حيث إنهم أصحاب مبادئ وخطوط واضحة لا يخرجون عنها ، حتى إنك تكاد تعرف رأي الواحد منهم في أمر من الأمور ولو لم يُفصح عنه ، وما ذاك إلا للمنهج الذي اختطه لنفسه وألزمها به قبل بيانها للناس ، فمثلاً الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله – لا يُقدّم القياس على الحديث الضعيف ، بل يأخذ بالحديث الضعيف إذا لم يكن في المسألة دليل أثبت منه ولا يقول برأيه.
ومن أبرز ما يبرهن على هذه المناهج الرسائل الجامعية التي تُعدّ في مناهج علماء السلف.
وخلال حديثي مع الأخ ابتعدت بي الذاكرة لشخص العالم معالي الشيخ الدكتور سعد بن ناصر بن عبد العزيز الشثري عضو هيئة كبار العلماء وعضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بجامعة الإمام بالرياض ، فالشيخ – حفظه الله ووفقه – من أولئك العلماء النادرين ، ويعرف ذلك من اجتمع به ، لأن الاجتماع بالشيخ يترك بصمةً وضاءةً في الذاكرة.
كان الشيخ ومنذ أن كان صغيراً مولعاً بالقراءة ، فما يُرى إلا وقد تأبط كتاباً كما يذكر والده الشيخ ناصر المستشار بالديوان الملكي.
وبعد تخرّج الشيخ من الجامعة اختير معيداً في كلية الشريعة بالرياض ، وحينها أعدّ مذكرةً مختصرةً في علم الأصول لطلاب الدورات التي تقدّمها الجامعة ، فطُبعت بعدما كان استحسانها من كثير من طلبة العلم ، كما أعدّ متناً في مقاصد الشريعة ؛ الأمر الذي لم يسبقه إليه أحد ، فمن كتب في مقاصد الشريعة قبله إما ألّف لها كتاباً أو تعرّض لبيانها في كتب أخرى من كتب علم الأصول.
ثم أعدّ الشيخ رسالتي الماجستير والدكتوراه في علم الأصول ، ورغم تخصّصه في علم الأصول إلا أن له باعاً عريضاً في علوم الشريعة الأخرى ، فصنّف في الحديث مختصراً لصحيح الإمام البخاري – رحمه الله - ، استدرك فيه ما فات من اختصره قبله ، وشرح كتاب بلوغ المرام بشرح استوعب فيه دراسة الأحاديث والأحكام ، وفي العقيدة علّق على شرح ابن بدران لروضة الناظر وتحديداً المسائل الأصولية المبنيّة على مسائل عقديّة ، في صورة لم يسبقه إليها أحد ، وكانت له بحوث أخرى قدّم لها بعض العلماء الكبار ، مثل : ( عقد الإجارة المنتهي بالتمليك ) الذي قدّم له الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين – رحمه الله – ، وقد كان ممن تتلمذ على جدّ الشيخ سعد وهو الشيخ عبد العزيز الشثري ( أبو حبيب ) – رحمه الله – .
وكان للشيخ دروس في مختلف الفنون الشرعيّة في المساجد وفي بيته ، وكان يحضرها بعض زملائه وأقرانه الذين أدركوا أن مجالس الشيخ لا تخلو من الفائدة ، ولو كانوا أقراناً له.
بل أذكر أن بعض أعضاء هيئة التدريس في كلية الشريعة كانوا يُحيلوننا عند سؤالهم وحيرتهم في الجواب على الشيخ ، فنجد الجواب عنده.
وبعد أن سطع نجم الشيخ وجّه له سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – ( المفتي العام سابقاً ) الدعوات للمشاركة في ندوات جامع الإمام تركي بن عبد الله – رحمه الله – ( الجامع الكبير بالرياض ) ، وكان أن سمعت مرّةً وبعد إحدى الندوات الشيخَ ابنَ باز – رحمه الله – وكان يُثني على الشيخ سعد ثناءً عاطراً.
وكان الشيخ سعد يتردد على مجالس ودروس الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ ( المفتي العام حالياً ) – حفظه الله.

هذا وللشيخ مشاركاته الإعلامية ؛ كمشاركته في إذاعة القرآن الكريم ، وبعض القنوات الإسلامية. وله موقع إلكتروني على الشبكة يتواصل من خلاله مع الناس.
كتبت هذه الكلمات على عَجَلٍ لبيان شيءٍ عن حياة الشيخ سعد – حفظه الله – عندما لَمَزَه أقزام الصحافة بأنه ما وصل لمنصبه – عضواً في هيئة كبار العلماء – لجدارته ، وزعموا أن سبب وصوله للمنصب قدرُه عند ولاة الأمر فقط !! ، وما فعلوا ما فعلوا – أقصد أقزام الصحافة - إلا انتقاماً لأنفسهم باستنقاص قدره بعد أن صفَعَهم الشيخُ ببيانِ حالهم المُخزي ، وذلك في حلقة من حلقات برنامج ( البيان التالي ) في قناة دليل ، وقد كان عنوانها : ( علماؤنا والبرج العاجي ) ، كما إنهم فعلوا ما فعلوا أيضاً لأن الشيخ وفي حلقة من حلقات برنامج ( الجواب الكافي ) في قناة المجد ، أشاد بجامعة الملك عبد الله وتميّزها ، كما بيّن للناس في صورة تثبّت أفئدةَ المؤمنين بأن خادمَ الحرمين الشريفين لا يرضى بنشر المنكرات ، وبيّن أن نشرَ المنكرات في الجامعة من المسؤولين فيها ، فكان نصّ ما قاله : (جامعة الملك عبد الله يُرجى لها الخير ، وأنه إنما افتتحت من أجل مصلحة الأمة ومن أجل إعادة هذه الأمة إلى ما كانت عليه سابقاً من ريادتها للعالم في العلوم قاطبة ، والهدف الذي قامت عليه الجامعة وأنشئت له هدف نبيل ، وكل مسلم يسعى إليه ويرغب في أن يكون سبباً في علو درجته من هذه الأمة ، ورفعة هذه الأمة بين الأمم ، وأن تكون سبباً من أسباب علو هذه الأمة على غيرها من الأمم ، لذلك فإن الملك عبد الله يشكر على هذه الخطوة المباركة التي لعلها تكون من أسباب الخير ومن أسباب رفعة هذه الأمة ، لكن قد يكون هناك أشياء خفيّة أو تفاصيل غير موافق عليها من ولي الأمر ، وتكون قد خفيت عليه ، ولذلك فإن الوصية في هذا الأمر أن يكون هناك لجان شرعية في مثل هذه الجامعة لتفقد هذه العلوم والنظر فيها ، والنظر في ما خالف منها الشرع فإنه يبعد ، لأن ما خالف الشرع لا يكون صحيحا ولا صوابا ، ونحن ننظر إلى عدد من العلوم أدخل فيها نظريات وآراء شاذة غريبة ، ودُرّست في هذه العلوم ، مثل نظرية التطور والنشأة وغيرها من النظريات ، ولذلك فإن الوصية إيجاد لجان شرعية للنظر في هذه الأقسام وهذه الدراسات ، للنظر في مدى موافقتها للشرع وعدم مخالفتها لأحكامه ، وبذلك يحصل فوائد عظيمة ومن أول هذه الفوائد إرضاء رب العزة والجلال بجعل تدريس هذه العلوم غير مخالف للشرع ، ولعدم تمكين من لا يعرف أحكام الشرع من إدخال نظريات وآراء مخالفة للحق ومخالفة للصواب ومخالفة للشرع ، وثانيا أنه يحصل بذلك تحقيق المصالح فإن الشريعة جاءت بجلب المصالح ودرء المفاسد ، فكل ما نهت عنه الشريعة فهو مفسدة وإبعاده من الأمور المرغب بها شرعا ، وكل أمر أمرت به الشريعة فإنه مصلحة للعباد وفيه تحقيق لما فيه الخير والسعادة ، ولذلك فالعمل بطريقة الشرع يترتب عليه تحقيق المصالح ودرء المفاسد ، ثم الأمر الثالث أن وجود بعض المخالفات الجزئية قد يكون سببا من أسباب صد الناس عن الخير الكثير في المشاريع العظيمة ، ومثال هذا الثوب النظيف الناصع إذا وجدت فيه أدنى خطة قلم فإن الناس يتفادونه ولا يلبسونه ، وهكذا أيضا مثل المشاريع الطيبة ، ومما يتعلق بهذا ما ذكره الأخ أبو سالم من جهة الاختلاط فإن الاختلاط إذا نظر الإنسان فيه وجد من المفاسد الشيء الكثير ، فمن نظر في أحوال تلك الجامعات وتلك المدارس المختلطة وجد شرورا عظيمة فيها ، يدرؤها الله عز وجل عنا بتبني حكومة الملك عبد الله سياسة عدم الاختلاط في التعليم ، وإذا نظرنا في الجامعات المختلطة وجدنا من المفاسد الشيء الكثير ، فهناك تحرش جنسي فنجد أن بعض ضعاف النفوس يتحرشون بالنساء في المكاتب أو في قاعات الدراسة أو في المصاعد أو في الممرات ومثل هذا يؤثر على نفسيات النساء ويجعل الجامعة تبتعد عن هدفها الأساس ، ثم إن الاختلاط يؤدي إلى مفسدة أخرى بجعل الرجال ينظرون للنساء والنساء ينظرن إلى الرجال فتشتغل قلوبهم بذلك عن الهدف الأساسي الذي قدموا له وأنشئت الجامعات ودور التعليم له ألا وهو التعلم ، ثم إنه يترتب عليه أيضا مفاسد من اشتغال قلوب أولياء أمور الطالبات وأزواجهن وكذلك نساء الرجال ، عندما يذهب زوجها لجامعة مختلطة فإن المرأة تبقى متحيرة ونفسيتها مترددة وتشك بأي تصرف يقوم بها زوجها ، وبعد أن يفد إليها يريد الراحة والسكن يجدها مشتغلة القلب فلا تمكنه من مراده ، ويترتب على ذلك الشيء الكثير ، وقد يترتب عليه مفاسد طلاق ومفاسد نزاعات أسرية وخلافات وشقاق ، ثم أيضا من مفاسد الاختلاط ما يحصل من ابتزاز واستغلال حاجات الطلاب والطالبات ، ويحصل لهن ابتزاز بالهواتف وبأمور أقل من هذا ، فإذا كان أحد الجنسين يمسك أمرا مهما من أمور الجنس الآخر فإنه قد يبتزه ويجعله يقدم على أفعال لا يرغبها ولا يريدها ، وهذا مشاهد في بعض دور التعليم التي أنشئت على الاختلاط ، ثم يترتب على ذلك مسألة اغتصاب وجبر النساء على ما لا يردنه في مثل هذا الأمر ، ونحن نشاهد هذا في الكثير من الدول ، وإذا كانت المرأة العفيفة في بيتها قد أغلقت عليها أبوابها ولم تتكلم مع أحد ويقوم ضعاف النفوس بالقفز عليهن والاعتداء على شرفهن فكيف بالدور المختلطة ، ومن هنا فإن الاختلاط مفسدته عظيمة وشره كثير ، وأنا ما تحدثت بمثل هذا إلا من المحبة العظيمة لمقام خادم الحرمين الشريفين ، الذي له منزلة عالية بما قدمه للأمة من خدمات عظيمة جليلة شكرها كل مؤمن في مشارق الأرض ومغاربها ، وكذلك رغبت أن تكون هذه الأهداف السامية التي سعى إليها المقام الكريم محققةً على أعلى درجات التحفظ ، بحيث لا يكون هناك ما يخدش فيها ولا يكون فيها ما يكون مؤثرا على هذا الهدف العظيم ، ثم إن هذه الجامعة نريد أن تكون على أعلى الدرجات ، وأن تخدم الأمة ، وأن تحقق الأهداف العظيمة التي سعي إليها بتأسيس هذه الجامعة ، ورغبة في قيام الجامعة لهذه الأهداف النبيلة العظيمة ، وأسأل الله جل وعلا أن ينفع بهذه الجامعة ويجعلها من أسباب الهدى والخير والصلاح ، وفي هذا المقام أحث كل من لديه القدرة على المساهمة في هذه الجامعة أن يحتسب الأجر للمساهمة فيها ، سواء كان بتقديم علم أو بتقديم خدمات فنية أو إدارية أو غير ذلك ، فإن هذا من القربات ، فالجامعة أنشئت على هدف نبيل لذلك السعي للمساهمة فيها بكل ما نستطيع قُربة ، ومن ذلك محاولة إبعاد كل ما يكون مسيئا إليها من سمعة أو كلام أو نحو ذلك ، وكذلك محاولة إبعاد كل تصرف يقوم به بعض المسئولين بالجامعة ، والتي نظن أن مقام خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله لا يرضى به ، فإننا سمعنا تلك المقالة الجميلة التي قالها وفقه الله قبل عام في انتقاد الصحف والقائمين عليها بنشر صور النساء ، فهذا يدل على أن مثل هذه التصرفات ليست من خادم الحرمين الشريفين ، وإنما من بعض المسئولين ، وولي الأمر يسعى لخير هذه البلاد ، ويسعى لما يحقق المصلحة ، وما يحقق رفعة شأن هذه الأمة الإسلامية ، وجعل الأمم الأخرى تستفيد منها بحيث تكون مصدرًا للعلم لا مجرد مستقبلَ له ).
فالشيخ أراه بهذا الكلام ساهم في قطع الطريق على أقزام الصحافة ومن ورائهم من يسيء لهذه البلاد نحو التغريب بالاختلاط ، بل بما لا يقل خطراً عنه وهو تذويب تميّز المسلم بدينه ، أو ما يُسمى بالتطبيع مع اليهود !! ، فبالأمس يُجالس أحدُهم – وهو من لا يُعرف له في العلم أصل – صُحُفياً إسرائيلياً بحجّة المهنة .. واليوم ربّما بحجّة البحث العلمي !!
ألا إن التعامل مع اليهود ليس حراماً مطلقاً ، فقد مات النبي – صلى الله عليه وسلم – ودرعه مرهونة عند يهودي ، ولكن الحرام أن يُساوى مسلمٌ بيهوديٍ !! ، نعم لا يُهضم اليهودي حقّه لكن لا يظهر على المسلم أبداً ، ونبراسُنا في ذلك ما تضمنته سورة الممتحنة من أحكام من أولها إلى آخرها ، فقد بيّنت كيف تكون علاقة المسلم بغيره.
كما إن الشيخ ذَكَرَ من الحلول إيجادَ لجان شرعية في مثل هذه الجامعة لتفقد هذه العلوم والنظر فيها ، وهذا ما لا يُريده أقزام الصحافة ومن ورائهم أهل الباطل ، لأن اللجان الشرعية ستكون غُصّة في حلوقهم.
كما إن الشيخ دعا من أراد الخير للمشاركة في الجامعة ، وهذا ما سيُكدّر خواطر من لا يُريد خيراً.

وأختم بأمور :
الأول : أسأل الله أن يوفق خادم الحرمين الشريفين لكل خير ، ويسدده.
الثاني : أؤكد على تميّز الجامعة العلمي وكونها منارة لنشر العلم والتقنية ، وما فيها من مخالفات كالاختلاط تجب إزالتها لتحفظ للجامعة تميّزها.
الثالث : أن يُنشأ في سكنِ الجامعة مكتبٌ تعاوني للدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات ، أسوةً بالإسكان في الهيئة الملكية بينبع ، وعملاً بتوصيات مؤتمر حوار الأديان ، وذلك من أجل بيان الإسلام لمنسوبي الجامعة من غير المسلمين.
الرابع : كلام الشيخ مبنيٌّ على قواعدَ شرعيّةٍ ، أما كلام منتقديه فلا يعدُ أن يكون حديث هوى ، فمن كلام الشيخ :
- ما خالف الشرع لا يكون صحيحا ولا صوابا.
- كل ما نهت عنه الشريعة فهو مفسدة وإبعاده من الأمور المرغب بها شرعا ، وكل أمر أمرت به الشريعة فإنه مصلحة للعباد وفيه تحقيق لما فيه الخير والسعادة.
الخامس : من شاء أن يستمتع بمشاهدة حلقة ( علماؤنا والبرج العاجي ) فسيجدها مبثوثة في الشبكة العنكبوتية ، وليس راءٍ كمن سمع.
السادس : لأقزام الصحافة أقول : أنتم سحابة صيف بإذن الله .. سريعاً ما تنتشر وسريعاً ما تزول .. ولكم كتبت مقالاً عنوانه : ( يزيد يخترق الوسط الإعلامي ).
 

سلطان بن عثمان البصيري

 

سلطان البصيري
  • مقالات ورسائل
  • الصفحة الرئيسية