اطبع هذه الصفحة


فتاوى المباريات

سلطان بن عثمان البصيري


1 - 2‬


تأمّلت ما يتحدّث فيه الناس هذه الأيام ، فوجدت أموراً عدّة ، ولعلّ من أبرزها الحديث عن المباريات ، ولقد استوقفني اندهاشُ بعض الناس من حديث بعض طلّاب العلم فيما يخصّ أحكاماً شرعيّة تتعلّق بالمباريات ، فقالوا : ما هؤلاء المشايخ حتى المباريات تكلّموا فيها !.
وبغضّ النظر عن ما ينبغي لطالب العلم فعله من عدم الحديث العام في كل شاردة وواردة ، كالحديث عن المباريات ، ليحفظ له مكانته عن امتطاء السفهاء له ، كما قال علي بن عبد العزيز الجرجاني رحمه الله ( المتوفى سنة 392 هـ ) :
أرى الناسَ من داناهم هَانَ عندَهم ومنْ أكـــرمتْهُ عِـــزّةُ النفسِ أُكْرما
أقول : بغضّ النظر عن ذلك ، ينبغي أن يُعلم أن الشريعةَ الإسلاميةَ شاملةٌ لمناحي الحياة ، على حدّ قولِ المولى – جلّ وعلا – : ( قُلْ إن صلاتي ونُسُكي ومَحْياي وممَاتي لله ربِّ العالمين لا شريكَ له وبذلكَ أُمِرتُ وأنا أولُ المسلمينَ ) ( 163 سورة الأنعام ) ، فمثلاً الأطعمة منها ما أكلُه حلالٌ ، ومنها ما أكلُه حرامٌ ، فقد قال أبو الدرداء رضي الله عنه : لقد تركنا رسول الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم وما في السماء طير يطير بجناحيه إلاَّ ذكرنا منه علماً ، أي بيّنَ لنا حكمَ أكلِه والانتفاعِ به ، وقُل مثلَ ذلك في اللباس ، والمعاملات ، وغيرها ، بل حتى قضاءَ الحاجةِ تجد الشريعةَ شملتْه بأحكامِها ، ولذا استعجبَ أحدُ المشركين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فقال لسلمان – رضي الله عنه – : والله إني لأرى صاحبكم يعلمكم كل شيء حتى يعلمكم الخرأة ! ، ( يقصد آداب قضاء الحاجة ) ، فقال سلمان : أجل نهانا أن نستقبل القبلة وأن نستنجي بأيماننا وأن نستنجي بدون ثلاثة أحجار وأن نستنجي برجيع أو عظم.
فإذا تقرّر هذا فلا غرو أن يتحدّث طلاّب العلم عن أيّ شيء في الحياة فيما يخصّ شرع الله تعالى وفق ما علموه وما ائتمنوا عليه.
ثم ليُعلم أن اندهاش البعض مما أشرت إليه أعلاه مما يؤسف له ، إذ دخلت اللوثة العلمانية على أفكار كثير من أبناء المسلمين ، تلك التي ترى فصل الدين عن الحياة ، ليبقى الدين في دور العبادة ولا علاقة له بالحياة !! ، فتقرّر عندهم أنّ المشايخ لا علاقة لهم بكلّ شيء !! ، وهذا من مظاهر الانحراف العقدي لدى البعض.
وللحديث بقيّة إن شاء الله.
وبالله التوفيق ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
 

سلطان بن عثمان البصيري
www.sbusairi.blogspot.com
 



 2 - 2‬
 

في الجزء الأول من هذا المقال ( فتاوى المباريات ) تحدثت عن أمرين مهمّين ؛ الأول : أنه ينبغي لطالب العلم الشرعيّ ألّا يتحدّث مع العامة في كل شاردة وواردة ، لِيحفظ لنفسه كرامتَها من مماراة السفهاء ، وذكرتُ قولَ القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني رحمه الله ( م ت 392 هـ ) :

أرى الناسَ من داناهم هانَ عندهم *** ومن أكرمته عــزّة النفس أُكْرما

والثاني : أن الشريعة الإسلاميّة شملت بأحكامها مناحي الحياة ، فحتى الطعام له أحكام شرعيّة ، وكذا اللباس ، وقضاء الحاجة ، فلا غرو أن يتكلّم علماءُ الشريعة عن الحكم الشرعيّ في أيّ شأن من شؤون الحياة ، كالمباريات مثلاً ، متى ما كان الدافع والموضوع توضيحَ الأحكام الشرعيّة المتعلّقة بها.
وفي هذا الجزء من المقال أبيّن أنّ حديث طلاب العلم الشرعي عن المباريات – سواء في مقالاتهم أو خطبهم أو محاضراتهم – ليس إلا لبيان الأحكام الشرعيّة المتعلّقة بها ، فمثلاً : كتاب المسابقات لشيخنا الدكتور سعد بن ناصر الشثري حفظه الله ، والذي تحّدث فيه عن أنواع من المباريات والألعاب الرياضية – ككرة القدم ، والرماية ، والسباحة ، والعدْو ، والمبارزة ، ومصارعة الآدميين ، والحيوانات لبعضها ، والشطرنج ، والبلوت بعوض أو غير عوض ، وركوب الخيل وغيرها كالجمال والبغال والفيلة ، وغيرها – ، لم يكن الحديث عنها إلا متعلّقاً ببيان الأحكام الشرعية فيها فحسْب.
وكذلك خطبة الشيخ محمد بن صالح المنجد التي كانت بعنوان : ( حمّى كأس العالم ) لم تكن إلا متعلّقة ببيان الأحكام الشرعية فيها.
والشيء بالشيء يُذكر ، أذكر أن نقاشاً كان بين بعض القضاة حول تكييف عقد اللاعب نظاماً مع النادي ؛ هل هو عقد عمل ؟ فيكون عند النزاع في موضوعه من اختصاص مكتب العمل ، أم من سائر عقود المعاوضات ؟ فيكون من اختصاص المحاكم العامة أو الجزئية.
وفي الختام أقول : لعلّه اتضح أنّ حديث طلاب العلم الشرعيّ عن المباريات إنّما هو لبيان أحكام الشريعة المتعلّقة بها ، فلا محلّ لتعجّب بعض الناس من فتاوى المباريات.
وبالله التوفيق ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين।
 

سلطان بن عثمان البصيري
www.sbusairi.blogspot.com


 

سلطان البصيري
  • مقالات ورسائل
  • الصفحة الرئيسية