اطبع هذه الصفحة


( الفتاة الكاشيرة )

سلطان بن عثمان البصيري


نشرت جريدة الحياة في عددها ( 14018 ) وفي يوم الخميس الموافق 12 / 5 / 1422هـ خبراً يتضمّن شكوى من امرأة أرجنتينية ضد زوجها الذي قيّدها بعد أن تحرّكت غيرته عندما علم أنّ زوجته تتعرّض للتحّرش نتيجة عملها خادمة في المنازل !!
 



لقد جاءت الشريعة الإسلامية بالمسـاواة بين الرجل والمرأة في الثواب ، إذ قال الله تعالى :
[وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا] {النساء:124} ، وقال : [مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] {النحل:97} ، وقال : [وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ] {غافر:40}

وكذلك المساواة في أصل التكليف ، كما قال الله تعالى :
[وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ] {الذاريات:56} ، وقال : [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ] {الأحزاب:36} ، وفي الحديث المرفوع : ( النساء شقائق الرجال ) رواه أهل السنن.

لكن ولِمَا تقرّر من الفرق بين الرجل والمرأة في البنية الجسدية والعقلية كما قال الله تعالى : [وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى] {آل عمران:36} ، فإن الشريعة الإسلامية من تمام عدلها جعلت للرجل تكاليف تختلف عن تكاليف المرأة ، فالرجل مثلاً مكلّف بالإنفاق على المرأة إذا كانت زوجة ، كما قال الله تعالى : [لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ] {الطَّلاق:7} ، لأن الرجل قادر على جلب المال من أي عملٍ يعمله ، وأما المرأة فليست مكلّفة بالإنفاق على زوجها ، وذكر الأمثلة على الفوارق بين الرجل والمرأة يطول ، بيْد أن بيت القصيد إثبات الفرق بين الرجل والمرأة ، فالقياس في هذا أي قياس المرأة على الرجل يُسمّى قياساً في معنى الأصل ، والمراد به كما نقل ابن القيّم عن ابن تيميّة رحمهما الله : ( القياس بإلغاء الفارق وهو ألا يكون فرقٌ بين الصورتين مؤثّر في الشرع ) والمقصود بالصورتين صورة الأصل وصورة الفرع ، وحيث وجد الفارق بين الصورتين – ففرقٌ بين الرجل والمرأة – فإن القياس لا يصحّ.

إذا تقرّر هذا فلا يُطلب من المرأة أن تعمل عملاً لا يوائم طبيعتها ، نعم لها الحق في الرزق والعيش كما هو من مصالح الناس جميعاً ، ولكن بما يحفظ لها كرامتها.

فمثلاً العمل الشاقّ ليس لها ولا يُطلب منها ، بل هو للرجل إذ ليس لها مُكنة في أدائه ، وكذلك العمل الذي يُعرّضها لكل صفيقِ وجهٍ وقليلِ أدبٍ ، لأنها دُرّة يجب صيانتها والحفاظ عليها.

وإن من البلايا إقدام بعض المتاجر على توظيف النساء ( كاشيرات ) أي محاسبات للعائلات ، وتأييد البعض لهم ، سواء ممن ليس له نظرة في مآل الأمر ، أو ممن يُريد فتنة الناس.

إن المتاجر التي تقوم بتوظيف المرأة كاشيرة ممثلة في الشركات التي تتبعها وحيث إنها لا تملك إدارات نسائية ، ولن تملك لأنها لا تريد أن تملك ، تفتح الباب لمسؤوليها من الرجال ليستقبلوا طلبات الفتيات للتوظيف ومن ثَمّ مقابلتهن واختبارهن وتدريبهن على آلات المحاسبة والصرف ، ويستتبع ذلك أن يُشرف الرجال عليهن !! فمن أين سيكون المشرف والمراقب ؟؟ بل من سيتولى الجرد اليومي لصناديق الكاشيرات ؟؟ ومن سيتولى تقييم عملهن وما يتبعه من ترقية وعلاوة ؟؟ أليس الرجال ، وأين يبْقين الكاشيرات إذا أُغلقت المتاجر للصلاة ؟؟ ومن يحميهن من الموظفين وغيرهم ؟؟

ثم إن صناديقهن ليست مخصصّة للنساء فقط ، بل للعائلات !! ، لفتح المجال ليتعامل معها الرجل ، فإمّا أن تفتنه الكاشيرة .. بعذوبة كلامها أو لحظ نظراتها أو ما ظهر من لباسها .. وربما كانت البداية البريئة بين الزبون والكاشيرة بتبادل وسائل الاتصال بينهما من أجل التسوّق !! ، فيا لله كم من زبون سيُفتن ويزهد في زوجته ، ويفسد عليه بيته ، بل ربما يحصل ما هو أكبر من ذلك ، وإما أن يفتن الزبونُ الكاشيرةَ .. ويحصل لها مثل الفساد الذي يحصل له !!

إن المتاجر التي تقوم بتوظيف المرأة كاشيرة ممثلة في الشركات التي تتبعها ليس قصدُها أن تسدّ المرأةُ حاجتَها بالأجر التي تتحصّل عليه من توظيفها كاشيرة .. فمتى علمنا لهؤلاء اهتماماً بشؤون المجتمع التي تعود عليه بالنفع فيما يُرضي الله ؟؟ لماذا لم يتجهوا لتوظيف الشباب الذين يبحثون عن الوظيفة والاستقرار ؟؟ نعم ، لماذا لم يتجهوا لتوظيف الشباب الذين يبحثون عن الزواج وهم بالآلاف !! أم قصْدهم تعريض المرأة لما يخدش حياءها !! ليتمّ ابتزازها من ذئاب بشرية !! ولكي يُقلّصوا مبالغ الرواتب !!

ولمن أيّد هذا الأمر ممن يراه مصدرَ رزق للمرأة أقول :أين البرامجُ الاجتماعية التي تُهيء لها العمل المناسب ؟؟ بل أين روحُ التكافل الإسلامية ؟؟ أين النفقةُ على الزوجة ؟؟ أين الصدقةُ على القريب والمحتاج ؟؟ هل نُعالج الخطأ بخطأ ؟؟ لماذا لا نُساعدهن في حاجاتهن ، كما ساعد موسى عليه الصلاة والسلام بنتي شعيب الّتين ابتعدتا عن الرجال في السقي وكانتا ينتظران ذهاب الرجال فيما قاله الله تعالى عنهم ، إذ قال:
[وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ – أي دون الرجال – امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ] {القصص:23 - 24}.

ثم لماذا هذه المتاجر لم تهيئ المكان المناسب لهن ؟ ، كما هو الواجب عليهم حسبما ورد في الباب التاسع من نظام العمل والعمال السعودي.
ألا إن العاقل لم يكن يوماً ضدّ عمل المرأة الذي يحفظها ويوائم طبيعتها ، ولكنه ضدّ العمل الذي يُعرّضها لكل صفيقِ وجهٍ وقليلِ أدب ، ولله درّ الشاعر القحطاني رحمه الله إذ قال :

إن الرجال الناظرين إلى النساء --- مثل الكلاب تطوف باللُحمانِ
إن لم تصُنْ تلك اللحومَ أُسودُها --- أُكلت بلا عِوَض ولا أثمانِ


بالأمس وُجدَ من يُطالب بأن تكون المرأة عندنا خادمة في المنزل ، واليوم كاشيرة ، وغداً ربما مظيفة طائرة ، ثم نادلة في مطعم .. وهكذا خطوة خطوة ، كأكل العنب حبّة حبّة ،وكما حصل في دولٍ مجاورة ، ومما سطّره الشيخ على الطنطاوي رحمه الله عن سياسة خطوة خطوة في ذكرياته فيما نقله عنه الشيخ عبد المحسن العبّاد في كتابه " لماذا لا تقود المرأة السيارة في المملكة العربية السعودية " (5/226): ، إذ قال : (( وجاءت مرة وكيلة ثانوية البنات المدرسة سافرة فأغلقت دمشق كلها حوانيتها، وخرج أهلوها محتجين متظاهرين حتى روّعوا الحكومة فأمرتها بالحجاب وأوقعت عليها العقاب ، مع أنها لم تكشف إلا وجهها ، ومع أن أباها كان وزيراً وعالماً جليلاً ، وكان أستاذاً لنا.
ومرّت الأيام وجئت هذه المدرسة ألقي فيها دروساً إضافية وأنا قاضي دمشق سنة 1949، وكان يدرِّس فيها شيخنا الشيخ محمد بهجت البيطار، فسمعت مرّة صوتاً من ساحة المدرسة، فتلفت أنظر من النافذة ، فرأيت مشهداً ما كنت أتصور أن يكون في ملهى فضلاً عن مدرسة ، وهو أن طالبات أحد الفصول ـ وكلهن كبيرات بالغات ـ قد استلقين على ظهورهن في درس الرياضة ، ورفعن أرجلهن حتى بدت أفخاذهن عن آخرها! )).
إلى أن قال (ص 238): (( كان أن دمشق التي عرفناها تستر بالملاءة البنت من سنتها العاشرة، شهدت يوم الجلاء بنات السادسة عشرة وما فوقها يمشين في العرض بادية أفخاذهن، تهتز نهودهن في صدورهن تكاد تأكلهن النظرات الفاسقة، وشهدتُ بنتاً جميلة زُيِّنت بأبهى الحُلَل وأُلبست لباس عروس وركبت السيارة المكشوفة وسط الشباب... قالوا: إنها رمز الوحدة العربية! ولم يَدْر الذين رمزوا هذا الرمز أن العروبة إنما هي في تقديس الأعراض لا في امتهانها )).
إلى أن قال (ص 239): (( ألا مَن كان له قلب فليتفطر اليوم أسفاً على الحياء، مَن كانت له عين فلتَبْكِ اليوم دماً على الأخلاق، مَن كان له عقل فليفكر بعقله، فما بالفجور يكون عز الوطن وضمان الاستقلال، ولكن بالأخلاق تحفظ الأمجاد وتسمو الأوطان )) انتهى كلامه رحمه الله.

ألا إن العجب لا ينقضي من أفكار أولئك الكُتّاب المميعين لخطورة تعريض المرأة في عملها للتعامل مع الرجل دون حاجة إذا عُلِم أنهم ينقلون في جرائدهم أخباراً تُبيّن مآل الزجّ بالمرأة لعمل تتعرّض من خلاله للتعامل مع الرجل دون حاجة ، فقد نشرت جريدة الرياض في عددها ( 12452 ) وفي يوم الأحد 18/ 5 / 1423هـ الموافق 25 يوليو 2002م خبراً يتضمّن محاكمة محكمة غواتيمالا لرئيس محكمة تحرّش بزميلاته في السلك العدلي ، بعد أن كشفت إحدى زميلاته عما يفعله بعد انفراده بالزميلات في مكتبه !!

ونشرت جريدة الحياة في عددها ( 14018 ) وفي يوم الخميس الموافق 12 / 5 / 1422هـ خبراً يتضمّن شكوى من امرأة أرجنتينية ضد زوجها الذي قيدها بعد أن تحرّكت غيرته عندما علم أنّ زوجته تتعرّض للتحّرش نتيجة عملها خادمة في المنازل !!

وفي الختام أقول :
إنّ من البشائر أن هذه البلاد محفوظة بحفظ الله ، ومن الشواهد عليه أنه قد صحّ الخبر عن سيّد البشر صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم أن أكبر فتنة على وجه الأرض من خلق آدم عليه السلام إلى قيام الساعة فتنة المسيح الدجال ، وسيُقيّض الله لها شاباً من هذه البلاد فيُطفئ فتنة الدجال ببيان الحقّ للناس ، ثم ينزل عيسى عليه السلام فيقتل المسيح الدجّال ، فإذا كان الله سيُقيّض لأعظم فتنة من يُبيّن الحقّ فيها من هذه البلاد فيُرجى ذلك لما دونها من الفتن.
والله نسأل الخير والصلاح والعون والتسديد للراعي والرعيّة.


سلطان بن عثمان البصيري
www.sbusairi.blogspot.com

 

سلطان البصيري
  • مقالات ورسائل
  • الصفحة الرئيسية