اطبع هذه الصفحة


بث المحاكمات تلفزيونياً ظلم للمتقاضيين

سلطان بن عثمان البصيري


من المتقرّر قضاءً أن الأصل براءة الذمّة حتى يثبت شغلها بدليل ، كما أن من الضوابط القضائية الجنائية أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته ، ولا تثبت الإدانة إلا بحكم قضائي نهائي ، وبثّ المحاكمات تلفزيونياً فيه إساءة لسمعة من تثبت براءته ، وهذا ظلمٌ له ، وقد يكون في المتهم وصْفٌ يمنع من نشر محاكمته تلفزيونياً ،كما لو كانت به عـاهةٌ ، أو كان امرأة ، فقد تدخل في حالة من الهستريا أو غير ذلك أثناء الحكم عليها فهل يقبل عاقلٌ بإظهار ذلك أمام الكاميرات ؟!!
ومن جهة أخرى وفي غير القضايا الجنائية فإنه لا يخفى على من يُتابع واقع القضاء أن هناك قضايا كيديةً لا يُقصد من خلالها إلا إساءة سمعة المدعى عليه لاسيّما بين رجال الأعمال لكي يقطع الناسُ صلاتَهم بالمدعى عليه جرّاءَ سوء سمعته بعد رفع قضية عليه ، فكيف تُعرض قضيته تلفزيونياً وهي كيدية.
بل هناك قضايا أُسَرية لها خصوصية كالتي تكون بين الإخوة أو الزوجين ، فكيف أيضاً تُعرض ؟!!
هذا ومن جهةٍ ثالثةٍ فإن بثّ المحاكمات تشهيرٌ بالمتقاضيين ، والتشهيرُ في حدّ ذاته إساءة للمشهّر به ؟!!
والظلم الذي يحصل من جرّاء البثّ التلفزيوني ليس في القضايا الشخصيّة أو التي تُرفع على الأشخاص الطبيعيين فحسب بل حتى القضايا التي تُرفع على الجهات أو ما تُسمى بالأشخاص الاعتباريين ، سواء كانت قضايا تجارية أو إدارية فإنه قد يُساء من خلالها لشخص المسؤول عن الجهة.
ألا إن تبعات بثّ المحاكمات تلفزيونياً كثيرة ؛ فمنها : تشويه سمعة أقارب البريء علاوة على تشويه سمعته ، ومنها أيضاً تشويه سمعة أقارب غير البريء فيؤخذون بجريرته ، ومنها ظهور المتقاضيين أثناء مرافعاتهم بحال وكلام لا يرغبون في الظهور به أمام الكاميرات ، لاسيّما إذا علمنا أن ما يُبثّ في القنوات سيبقى أمام الناس في محركات البحث على الانترنت ، ومنها أن الناس ستترك حقوقها إذا عرفت أنه لا سبيل إليها إلا بالظهور أمام الكاميرات.
وقد استحضر المنظّّم خطورةَ النشر قبل الحكم النهائي فاعتبر نشر المحاكمات ووقائع التحقيق في الإعلام دون إذن من الجهة المختصّة من الأمور المحظورة كما في نظام المطبوعات والنشر.
ولا يعني عدم بثّ المحاكمات تلفزيونيا أن الناس لا تعلم ما يدور في المحاكمات بل أبواب مجالس الحكم مفتوحة والأصل أن الجلسات فيها علنية ، ومعنى ذلك أن لمن شاء أن يحضرها كما بيّن ذلك نظام المرافعات الشرعيّة وقواعد المرافعات أمام ديوان المظالم.
ولا يلزم من قيام دول ببثّ المحاكمات تلفزيونياً أن يكون صواباً ، فالعبرة بما يُقيم العدل لا بالتقليد الأعمى لتلك الدول ، كما يجب أن نأخذ في الاعتبار أن المحاكم في بعض الدول تمنع التصوير داخل أرْوقتها.
وعوْداً على بدء أقول إن بثّ المحاكمات تلفزيونياً فيه إساءة للمتقاضيين وإن كان النّاس ينقمون شيئاً على مرفق القضاء فليس إصْلاحه بهذا. وأقول لمن يؤيّد البثّ التلفزيوني للمحاكمات : ما الفرق بين النشر الصحفي والنشر التلفزيوني ؟!! ، وبالمناسبة فإن إقرار مثل هذا الأمر الذي يمسّ حريّات الناس ينبغي إدراجه ضمن نظام المرافعات الجديد ليأخذ حقه من الدراسة في مجلسي الشورى والوزراء كغيره من الأنظمة.
وبالله التوفيق.

---------------------------
فائدة : لقد استقرّ العمل دولياً على أنه إذا نُقِل السجين بالطائرة لا يؤتى به أمام الناس لعدة أمور من أهمها مراعاة مشاعره ! فكيف يُفضح في الإعلام لاسيّما لو كان الحكم ببراءته ؟!!


سلطان بن عثمان البصيري
www.sbusairi.blogspot.com



 

سلطان البصيري
  • مقالات ورسائل
  • الصفحة الرئيسية