اطبع هذه الصفحة


رحم الله أبا الهيثم

د.عبد المعطي الدالاتي


كانوا ثلاثة أصدقاء جمعهم حب العلم ، ومهابة المعلم ..
دخلوا عصر يوم إلى المسجد ، فإذا معلمهم يحيى القطان يلقي في الناس درس الحديث ، مستندا إلى سارية المسجد..
فوقفوا على أقدامهم يستمعون إلى الكلام المبارك حتى أذان المغرب ..
لم يجلسوا حياء ، وما أجلسهم المعلم ! ..
كانوا ثلاثة أصدقاء ، لا يكادون يفترقون،
وكيف ؟! وقد كانوا معاًعلى موعد مع التاريخ ..
فعلي بن المديني سيغدو أستاذ العلل ، ومعلم الإمام البخاري الذي قال :
" ما استصغرتُ نفسي أمام أحد إلا أمام ابن المديني "..
ويحيى بن معين سيغدو أستاذ الجرح والتعديل ، وعلم الرجال ..
وثالثهم سيغدو الأجمع في علم الرواية ، إذ سيحفظ ألف ألف حديث نبوي ،
وسيترك لنا المُسنَد العظيم ..
وزيادة فوق الحسنى ، سيغدو أحمد بن حنبل" ناصر السنة "
وسيحبس التاريخُ أنفاسه أمامه ..
وقليلا ما يفعل التاريخ!
فقد حبسها من قبل في الغار يومَ الرسالة، إذ قال أمين السماء لأمين الأرض : اِقرأ ..
وحبسها يوم الردة ، إذ وقف الصدّيق وحده يقول :
" لأقاتلنهم حتى لو انفردت سالفتي .. لأقاتلنهم مااستمسك السيف في معصمي "..
وحبسها يوم الجهاد في عين جالوت ،إذ قال المظفر قطز :" واإسلاماه "..
وحبس التاريخ أنفاسه يوم المحنة ، محنة ناصر السنة ..
إذ أجاب العلماء إرهابَ المعتصم تحت لذع السياط ، وقطع الرؤوس
وأخذوا كلهم بالرخصة والتقية ، إلا أبا عبد الله ..
فقد كان كلما نصحوه بالرخصة يقول :
"إذا أجاب العالم تقية ، والجاهل يتمادى في جهله ، فمتى يتبين الحق ؟!"..
وكان يقول :" من ينجيني يوم القيامة من هؤلاء الذين يمسكون أقلامهم ينتظرون ما أقول ؟!
الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك "..
وسجن الإمام سنتين .. و جلَده مائة وخمسون جلادا ، يتداولون ما بينهم السياط ، فما قال للإرهاب الفكري يوما: نعم ..
بل كان هو الذي يجلدهم بالصبر والثبات ..
وفي يوم رجع الإمام بعد الجلد إلى زنزانته متألما ، فسمع سجين أنينه ..
فدنا منه وقال له:
" أنا أبو الهيثم العيّار اللص ! ضُربت ثمانية عشر ألف سوط بالتفاريق ،
وصبرت في طاعة الشيطان لأجل الدنيا ، ألاتصبر أنت في طاعة الرحمن لأجل الدِّين ؟!"..
ويضيق المعتصم بالإمام ، فيعلن في الجلادين:
- من يقتله بالسوط ؟!
ويجيب أغلظهم ،أبوالدنّ : أنا.
- بكم تقتله ؟!
- بعشرين سوطا ..
- شدّ .. اِقطع .. قطع الله يدك !
فشدّ وما قطع ، وما قُتل الإمام ولا استكان ، وكان كلما ضعفت نفسه تذكر مقالة صاحبه السجين !
...
ويشاء الله أن ينتصر الإمام بالصبر ، فيخرج من السجن حاملا جراحَه والمبدأ ..
وتلتئم الجراح ، ويبقى من زمن المحنة ثلاث صور ..
أولاها
صورة المعتصم وهو يفتح مدينة عمورية ، فيقول الإمام :
" غفرت للمعتصم ماصنع بي ، بفتح عمورية "..
والثانية
صورة الإمام وقد هجر - وهو المحب- من وقفا معه أمام السارية بين العصر والمغرب ،لأنهما أجابا الرخصة..
وحتى في مرض موته ، يدخل عليه ابن المديني يودعه،
فيشيح الإمام بوجهه عنه!
فيقول علي : سبحان الله ! يا أبا عبد الله ، ألا تغفر؟!
وبعد حين ، سأل طالبٌ أستاذه ابن المديني :
" لماذا لم تصبر كما صبر أحمد بن حنبل ؟!
فوكزه الأستاذ بمرفقه ، وقال له:
" اسكت .. ذاك رجل كنا نشبّهه بالأنبياء " ..
والثالثة
صورة الإمام بين طلابه ، وهو يذكر صاحب السجن ، ويقول :
" رحم الله أبا الهيثم " ..


***
 

د.الدالاتي

  • مقالات
  • ربحت محمدا
  • مرايا ملونة
  • نجاوى
  • هذه أمتي
  • أنا مسلمة
  • لحن البراءة
  • دراسات في أدب الدالاتي
  • مصباح الفكر