اطبع هذه الصفحة


لماذا نحفظ القرآن ؟!!

إبراهيم بن محمد الهلالي

 
الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام وهدانا لمعالم دينه الذي ليس به التباس وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس وصلى الله وبارك على الرحمة المهداة ، والنعمة المسداة محمد بن عبدالله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم نلقاه أما بعد :
لقد من الله علينا بنعمة القرآن أيما نعمة ، فهو حبل الله المتين من قال به صدق ومن حكم به عدل هو الفصل ليس بالهزل لا يخلق على كثرة الترديد ، ولا تشبع منه العلماء ، معين الصادقين ، وقوت المتقين ، فنسأل الله أن يجعلنا وإياك أخي القارئ أختي القارئة وجميع المسلمين من أهله الذين هم أهل الله وخاصته .
أخي المسلم وأختي المسلمة هل سألتما نفسيكما يوماً لماذا نحفظ القرآن ونُحفِّظه لأجيالنا ؟ لماذا كل هذه الجهود في حفظه ؟ لماذا الحرص على ذلك يتزايد من الغيورين على مستقبل الأمة وحاضرها ؟ لماذا تظافرت جهود الجميع لتحقيق ذلك فالسلطان بسلطانه ، والعالم بعلمه ومكانته ، والموسر بماله وثروته ، والمعلم بجهده وعنايته، والإداري بحرصه ومتابعته إن الجواب على ذلك يطول لكن خذ بعض الإجابة واستدلَّ بها على الباقي ، وشُدَّ يديك بما علمت فإنه نافعك بإذن الله :

1- أن حفظه تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يحفظه ويديم تلاوته ويعرضه على جبريل عليه السلام في كل عام مرة، وفي السنة التي توفي فيها عرضه عليه مرتين، وكان عليه الصلاة والسلام يقرؤه أصحابه رضي الله عنهم ويسمعه منهم.

2- أن في حفظه تأسياً بالسلف وسيراً على جادتهم، فقد كانوا يبدؤون بحفظ القرآن ودراسته قبل سائر العلوم. قال الإمام ابن عبد البر: "طلب العلم درجات ومناقل ورتب لا ينبغي تعديها ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف رحمهم الله، فأول العلم حفظ كتاب الله عز وجل وتفهمه" ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما طلب حفظ القرآن فهو مقدم على كثير مما تسميه الناس علماً، وهو إما باطل أو قليل النفع، وهو أيضا مقدم في حق من يريد أن يتعلم علم الدين من الأصول والفروع، فإن المشروع في حق مثل هذا في هذه الأوقات أن يبدأ بحفظ القرآن فإنه أصل علوم الدين".

3- حفظ القرآن من خصائص هذه الأمة: يقول ابن الجزري: "إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة، ولا يزال حفظ القرآن شعاراً لهذه الأمة وشوكة في حلوق أعدائها" يقول أحد المستشرقين: لعل القرآن هو أكثر الكتب التي تقرأ في العالم وهو بكل تأكيد أيسرها حفظاً. ويقول آخر: إننا اليوم نجد على الرغم من انحسار موجة الإيمان آلافاً من الناس القادرين على ترديده عن ظهر قلب، وفي مصر وحدها من الحفاظ أكثر من عدد القادرين على تلاوة الأناجيل عن ظهر قلب في أوربا كلها.

4- أن حفظه ميسر للناس كلهم، فكم رأى الناس من محدودي الإدراك وضعاف الحفظ من استطاع حفظ القرآن الكريم، بل حفظه الأعاجم الذين لا يعرفون العربية وحفظه الكبار في السن، وهذا من إعجاز القرآن الكريم. قال الماوردي: "الوجه السادس عشر من إعجازه: تيسيره على جميع الألسنة حتى حفظه الأعجمي الأبكم، ودار به لسان القبطي الألكن، ولا يحفظ غيره من الكتب كحفظه، ولا تجري ألسنة البكم كجريها به" وقال القرطبي في قوله تعالى: وَلَقَدْ تَّرَكْنَـٰهَا ءايَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ[القمر:15]، أي سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه فيعان عليه.فهذا مما يقوي العزيمة ويعلي الهمة في طلب حفظ كتاب الله تعالى.

5- أن حفظ القرآن مشروع لا يعرف الفشل، فحين يبدأ الراغب في حفظه ثم تنتهي عزيمته ويضعف نشاطه وقد حفظ بعض أجزائه؟ فهل يعتبر مشروعه فاشلاً؟ إن هذا الجهد لم يذهب سدى بل هب أنه لم يحفظ شيئاً يذكر، فالوقت الذي بذله في التلاوة والحفظ والمراجعة وقت قضاه في طاعة الله تبارك وتعالى، وكم من آية وسورة تلاها، وقد علمنا أن الحرف من كتاب الله بعشر حسنات.

6- أن حافظ القرآن الكريم يستحق التكريم والإجلال: فعن أبي موسى: ((إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط)) أبو داود.
فحق لمن حاز كلام الله تعالى في صدره أن يكرم ويجل، وحافظ القرآن أولى الناس بالإمامة في الصلاة التي هي ثاني أركان الإسلام ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)) مسلم.

7- أن الغبطة الحقيقية والحسد المحمود إنما يكون لمن حفظ القرآن الكريم وقام بحقه ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل..)) الحديث رواه البخاري.

8- أن حفظ القرآن وتعلمه خير من متاع الدنيا، فحين يفرح الناس بالدرهم والدينار ويحوزونها إلى رحالهم، فإن حافظ القرآن وقارئه يظفر بخير من ذلك وأبقى، هاهو يخاطب أهل الصُفّة قائلاً: ((أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطع رحم)) فقالوا: يا رسول الله نحب ذلك. قال: ((أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل)) مسلم. ولنتذكر أن الإبل أنفس أموال العرب في ذلك الزمان.

9- في حفظ القرآن رفعة في الدنيا والآخرة ونجاة من النار ((إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين)) مسلم.
وحين يدخل المؤمنون الجنة فإن حافظ القرآن يعلو غيره وتعلو منزلته، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ((يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها)).رواه الترمذي قال ابن حجر الهيثمي: الخبر خاص بمن يحفظه عن ظهر قلب، لا بمن يقرأ بالمصحف لأن مجرد القراءة في الخط لا يختلف الناس فيها، ولا يتفاوتون قلة وكثرة.

10- حافظ القرآن مع السفرة الكرام البررة ((مثل الذي يقرأ القرآن، وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران)).

11- حافظ القرآن أكثر الناس تلاوة له غالباً فهو لن يحفظه حتى يكرره كثيراً ولا يثبت حفظه إلا بالمراجعة المستمرة، وقد علمنا أن في تلاوة الحرف من كتاب الله عشر حسنات.

12- أن حافظ القرآن الكريم يستطيع التلاوة في جميع أحواله، فهو يقرأ ماشياً ومضطجعاً، ويقرأ وهو يعمل بيده أو يقود سيارته، وفي السفر والحضر، أما غير الحافظ فلا يمكنه ذلك مهما حرص.

13- أن حفظ القرآن زاد للخطيب والواعظ وللمعلم والمتكلم، إذا كان يحفظه فهو بين عينيه تحضره الأدلة والشواهد، فينتقي منها ما يناسبه، بخلاف غير الحافظ حيث يعسر عليه الوصول إلى موضع الآية فضلاً عن قراءتها حفظاً.

فهل تضع يديك بعد هذا في أيدينا لكي نقوم بالمهمة الشريفة ونحقق الغاية الحميدة في حفظ وتحفيظ كتاب الله إن هذا ما نؤمله فيك وفي أمثالك وإلى لقاء قريب إن شاء الله مع لفتة أخرى وصلى الله على الحبيب المصطفى النبي الأمي الكريم وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً

 

إبراهيم الهلالي
  • مقالات ورسائل
  • الصفحة الرئيسية