اطبع هذه الصفحة


ما أشدَّ عجبي !!

إبراهيم بن محمد الهلالي

 
إن الناظر لواقع المسلمين يشتد عجبه من تخبطهم _ في كثير من الأحيان _ في ردهات الغرب ، أو افتتانهم بحضارة الآخر زعموا أو نظرهم لأنفسهم بالدونية المقيتة التي تجعلهم يغمطون مكانتهم ، ويستنكرون لتراثهم .
ما أشد عجبي :
ممن يقومون يبحثون عن النور عند الآخرين والسراج في بيوتهم ، ويتطلبون العلاج بأيدي أعدائهم والترياق في أيديهم فصرخت بهذه الكلمات من قلب مفعم بالحب لكل مسلم وعطفاً على كل قريب من إخوان العقيدة فأقول وبالله التوفيق :
إنه ينبغي لنا نحن المسلمين أن نقف طويلاً طويلاً مع قوله تعالى في الآية التاسعة من سورة الإسراء: (إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ) [الإسراء:9]. فإن في فهم هذه الآية الكريمة وتدبرها جوابًا لكل التساؤلات المطروحة في هذه الأيام عن أسباب السعادة وأسباب الشقاء وأسباب الكوارث والويلات المتلاحقة على المسلمين، وأسباب تقلص الفضائل وفشو الرذائل وظهور الضغائن والأحقاد والتمزق في الأواصر وانقطاع الصلات إلى غير ذلك من التساؤلات، فإن السبب العظيم لحصول كل خير منشود، وتجنب كل شر مخوف، هو الإيمان والعمل الصالح، ومن ذلك اتباع كتاب الله تعالى اتباعًا تامًا صحيحًا، فما اشتكى المؤمنون مُرّ الشكوى ولا اشتد تألمهم وتوجعهم وعظمت أحزانهم وغمومهم ومصائبهم إلا لأن كتاب الله مهجور غير متبوع إلا ممن رحم الله من عباده، ولو اتبع كتاب الله حق الإتباع لتبدل الحال إلى أحسن الأحوال، فإن الله عز وجل تكفل بذلك، وقال في الآية الخامسة والخمسين بعد المائة من سورة الأنعام: (وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون)[الأنعام:155]. ولقد ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: (ِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَم)[الإسراء:9]. أن هذا القرآن العظيم الذي هو أعظم الكتب السماوية وأجمعها لجميع العلوم وآخرها عهدًا برب العالمين جل وعلا:(يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ)[الإسراء:9]. أي إلى الطريقة التي هي أرشد وأعدل وأصوب. وهذه الآية الكريمة أجمل الله تعالى فيها جميع ما في القرآن العظيم من الهدى إلى خير الطرق وأعدلها وأصوبها، فلو تتبع تفصيلها على وجه الكمال لأتى على جميع القرآن العظيم لشمولها لجميع ما فيه من الهدى إلى خير الدنيا والآخرة، هذا القرآن العظيم الذي يهدي للتي هي أقوم والذي هُجر وابتُعد عنه ابتعادًا عظيمًا، أمرنا ربنا تبارك وتعالى بأن نتبعه وأن نلتزمه، فإن في اتباعه خير الدنيا والآخرة. وسنذكر إن شاء الله تعالى جملاً وافرة في جهات مختلفة كثيرة من هدي القرآن للتي هي أقوم، بيانًا لبعض ما أشارت إليه الآية الكريمة، وتنبيهًا ببعضه على كله من المسائل العظام، والمسائل التي أنكرها الملحدون من الكفار، وطعنوا بسببها في دين الإسلام لقصور إدراكهم عن معرفة حكمها الباهرة.

ومن ذلك وأول ذلك على وجه الإطلاق مما يهدي إليه القرآن مما هو أقوم. أي أرشد وأعدل وأصوب: توحيد الله في ربوبيته، توحيد الله فإن القرآن فيه هدى للتي هي أقوم، أي للطريقة التي هي خير الطرق وأقومها وأعدلها، وهي توحيده، وقد دل استقراء القرآن العظيم على أن توحيد الله جل وعلا ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: توحيده سبحانه في ربوبيته، وهذا النوع في التوحيد جُبلت عليه فطر العقلاء. الفطر المستقيمة والعقول السليمة فُطرت على أن الله سبحانه واحد في ربوبيته. قال سبحانه في سورة الزخرف: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللّه)[الزخرف:87]. وقال في سورة يونس: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلاْبْصَـٰرَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيّتَ مِنَ ٱلْحَىّ وَمَن يُدَبّرُ ٱلاْمْرَ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ)[يونس:31]. وإنكار فرعون لهذا النوع من التوحيد في قوله في سورة الشعراء: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ)[الشعراء:23]. لا يقدح في أن الفطر المستقيمة جُبلت على أن الله واحد في ربوبيته، لا يقدح في ذلك؛ لأنه تجاهل من عارف أنه عبد مربوب، هو عارف أنه عبد مربوب بدليل قوله تعالى في سورة الإسراء: (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ بَصَائِر)[الإسراء:102].
وبدليل قوله تعالى في سورة النمل: (وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّا)[النمل:14].
وهذا النوع من التوحيد لا ينفع إلا بإخلاص العبادة لله، لا يكفي أن تكون فصيح اللسان حسن العبارة في الاستدلال على توحيد الربوبية بحيث يتمايل الجالسون أمامك عجبًا وسرورًا مما تسوقه من الأدلة على وحدانية الله في ربوبيته، إن لم ينفع هذا النوع في إخلاص العبادة لله لم يُغني شيئًا، ولم يُجد شيئًا ولا فائدة له ولا منه، ولو كنت تحرك كل ساكن بسبب براعتك وفصاحة لسانك وحُسن بيانك في الاستدلال على توحيد الله في ربوبيته، المهم أن يؤثر ذلك فيك فتكون قويًا بنفس الدرجة في توحيد العبادة.
والدليل على أن هذا النوع لا ينفع إذا لم يكن معه إخلاص في عبادة الله قوله تعالى في سورة يوسف:(وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ)[يوسف:106]. (يُؤْمِن) وفي آخر الآية: (وَهُمْ مُّشْرِكُونَ)! وجملة "وهم مشركون" حال، والحال تكون قيدًا لعاملها أو وصفًا له، فكيف يكون الشرك وصفًا للإيمان أو قيدًا له؟! لكن الإيمان الذي أسند إليهم في أول هذه الآية هو الإيمان اللغوي الذي هو مجرد التصديق باللسان وليس الإيمان الشرعي، ولهذا لا تنافي بين العامل والمعمول بين الحال وعاملها لا تنافي. لأنهم يقولون: الله خلقنا ورزقنا ودبر أمورنا ويميتنا ويحيينا ثم يعبدون غيره ويلجأون إلى غيره، ويستغيثون بغيره، ويتضرعون إلى غيره ويذبحون لغيره إلى غير ذلك مما كان يفعله أهل الجاهلية.
فوصفوا بأنهم مشركون ولم ينفعهم إيمانهم اللغوي ولم يغن عنهم شيئًا بل لم يغن عن إدخالهم في عداد المشركين، والآيات في هذا القسم الأول (توحيد الربوبية) كثيرة جدًا
فهل آن لعبَّاد القبور والأولياء والملالي أن يعوا هذا النوع من التوحيد فيصمدوا إلى ربهم تاركين العباد وجاههم لأنفسهم هذا إن كانوا أولياء حقاً ، هل آن لهؤلاء المساكين أن يعلموا أن هذه هي دعوة الرسل وليست ابتداعٌ من الإمام محمد بن عبدالوهاب قدس الله سره ورفع الله قدره ويعلموا أنه وأئمة الدعوة رحمهم الله إنما هم أتباعٌ وليسوا أرباب ابتداع فهذه دعوة الله في كتابه ، اللهم إنا نحمدك على ما هديتنا له من الحق والنور ونسألك الثبات عليه حتى نلقاك ياكريم .

النوع الثاني: توحيده جل وعلا في عبوديته وضابط هذا النوع من التوحيد هو تحقيق معنى لا إله إلا الله، وهي مركبة من نفي وإثبات "لا إله" هذا نفي "إلا الله" هذا إثبات.
فمعنى النفي فيها خلع جميع المعبودات غير الله كائنة ما كانت في جميع أنواع العبادات كائنة ما كانت. ومعنى الإثبات منها إفراد الله جل وعلا وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص، العبادات بإخلاص على الوجه الذي شرعه سبحانه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام.
وأكثر آيات الله في هذا النوع من التوحيد، وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم، قال سبحانه حاكيًا عن استنكار أهل مكة لعرض النبي للتوحيد عليهم وتعجبهم من ذلك في سورة (ص) (أَجَعَلَ ٱلاْلِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْء عُجَابٌ) [ص:5]. أنتم تقولون أن الله خلقنا ورزقنا وتذكرون ما هو دون ذلك مما هو دالٌ على توحيده في ربوبيته كيف زلت أقدامكم في هذا النوع الثاني العظيم، واستنكرتم أن يكون الإله واحدًا؟ لأن إيمانهم كما قلنا لغوي فحسب ليس شرعيًا. ليس تأثرًا وانفعالاً وخضوعًا وإذعانًا لغوي فحسب. لا يُغني ولا يُسمن من جوع.
ومن الأدلة على هذا النوع من التوحيد قوله تعالى في سورة محمد: (فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلائَ ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ) [محمد:19]. وقوله في سورة النحل: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ)[النحل:36]. في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله، واجتنبوا الطاغوت، وقوله تعالى في سورة الأنبياء: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ) [الأنبياء:25].
وقوله سبحانه في سورة الزخرف: (وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ءالِهَةً يُعْبَدُونَ)[الزخرف:45]. وقوله سبحانه في سورة الأنبياء: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ) [الأنبياء:108].
والآيات سوى ذلك في هذا النوع كثيرة كثيرة.

والنوع الثالث: توحيده جل وعلا في أسمائه وصفاته: وهذا النوع ينبني على أصلين:
أولاً: تنزيهه جلا وعلا عن مشابهة المخلوقين في صفاتهم. تنزيهه عن أن يشابه المخلوقين في صفاتهم لقوله تعالى في سورة الشورى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء) [الشورى:11].
الأصل الثاني: الإيمان بما وصف الله تعالى به نفسه وما وصفه رسوله أن تؤمن بذلك ، ألاَّ ترد شيئاً من ذلك، إذا وصف الله تبارك وتعالى نفسه بصفة، أو أثبت له رسوله صفةً؛ وجب عليك أن تؤمن بذلك، ووجب عليك أن تبتعد كل البعد من التأويل والتحريف أو التكييف أو التمثيل أو التعطيل أو التشبيه، احذر ذلك كله وتلقه بالقبول وأمِرّه على ما جاء عليه.
ليس معنى هذا ألا يفهم المعنى المندرج تحت الاسم أو الصفة، إنما المعنى قطع الطمع عن إدراك كيفية الاتصاف، فإنه سبحانه في هذا الأصل الثاني الذي ذكرناه قد وصف نفسه بعد أن ذكر (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء) [الشورى:11]. قال: (وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ) [الشورى:11]. وصف نفسه بأنه سميع بصير. فيقبل هذا ويتم به الإيمان ويقطع الطمع عن إدراك كيفية الاتصاف. كيف السمع؟ وكيف البصر؟ اقطع الطمع تمامًا عن إدراك هذه الكيفية لأنه سبحانه قد قال في سورة طه: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) [طه:110].
إذا عُرف هذا، فليعرف أن أكثر آيات القرآن الكريم في تقرير التوحيد ونفي ضده،
ما أشد عجبي :
أن نملك هذه الأدلة الدامغة في كتاب الله وهو ميسر بين أيدينا ، حججه واضحة ، ودلائله بيِّنة ونوره ساطع ، وحقائقه ظاهرة ومع ذلك لا نتدبره ، أي غبنٍ نحن فيه إن فاتتنا كنوزه .
وفقنا الله وإياكم لفهم مراده، وأن نكون من أطوع عباده، وأن نُعدَّ ليوم العرض على الله ما يستحق من زاده وتجاوز الله عن الزلل والهفوة إنه جوادٌ كريم.

 

إبراهيم الهلالي
  • مقالات ورسائل
  • الصفحة الرئيسية