اطبع هذه الصفحة


التدرج التحصيليّ سنةُ الطلب

السعيد صبحي العيسوي
@esawi_said

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد وعلى آله وصحبه وسلم؛ وبعد:
فالتَّدرُّجُ في نيلِ العلمِ من أبرزِ معالمِ التحصيل وشروطِه, وهو سُنَّةٌ شرعيةٌ وكونيةٌ، ومُراعاةٌ للنفسِ البشريةِ. قال اللهُ تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} [الإسراء: 106]. يقول العلَّامةُ عبدُ الرَّحمنِ السِّعْديُّ رحمه اللهُ: على مهلٍ؛ ليَتدبَّروه ويَتفكَّروا في معانيه، ويستخرجوا علومَه.
ويقولُ اللهُ تعالى: {ولكنْ كُونُوا ربَّانيِّينَ بما كنتم تُعلِّمونَ الكتابَ وبما كنتم تَدرُسون} [آل عمران: 79], وفي «صحيحِ البخاريِّ»: قال ابنُ عبَّاسٍ -رضي اللهُ عنهما-: {كُونُوا ربَّانيِّينَ}: (حُلَماءَ فُقَهاءَ). ويُقالُ: (الرَّبَّانيُّ: الَّذي يُربِّي الناسَ بصِغارِ العلمِ قبلَ كِبارِه).
فالتَّدرُّجُ في مراقي التعلمِ: مُراعاةٌ لطبيعةِ النفسِ البشريةِ في الترتيبِ الطبيعيِّ للمعاني والمعلوماتِ؛ إذِ البدءُ بفكرةٍ عامَّةٍ مُثِيرٌ للذِّهنِ لولوجِ التفاريعِ شيئًا فشيئًا؛ ليَحصُلَ حينَئذٍ ترتيبُ المعاني الواردةِ عليه؛ فيكونَ أدعَى لرسوخِه وثباتِه. أمَّا لو كان العكسُ حاصلًا؛ لأدَّى ذلك إلى خلطِ مسائلِ العلمِ، وتَحرُّرِها عن رباطٍ مُنسبِكٍ وعِقْدٍ مُتماسِكٍ. فكان التدرجُ ضرورةً علميةً، رُوعِيتْ فيها طبيعةُ النفسِ، وحاجتُها إلى حصولِ المعاني شيئًا بعدَ شيءٍ.

***

حقيقةُ التَّدرُّجِ التَّحصيليِّ:
يقولُ ابنُ فارسٍ: الدالُ والراءُ والجيمُ: أصلٌ واحدٌ يدلُّ على: مُضِيِّ الشيءِ, والمُضِيِّ في الشيءِ.
مِن ذلك قولُهم: درَج الشيءُ؛ إذا مضَى لسبيلِه. ورجَع فلانٌ أدراجَه؛ إذا رجَع في الطريقِ الذي جاء منه. ودرَج الصبيُّ؛ إذا مشَى مشيتَه. قالالأصمعيُّ: درَج الرجلُ؛ إذا مضَى ولم يُخلِّفْ نسلًا. ومدارجُ الأَكَمةِ: الطُّرُقُ المُعترِضةُ فيها.
قال الفيروزاباديُّ: كسَمِعَ: صَعِد في المراتبِ. وعلَّل الزَّبِيديُّ: لأنَّ الدرجةَ بمعنى المنزلةِ والمرتبةِ([1]).
وقال اللَّيثُ: الدرجةُ: الرِّفعةُ في المنزلةِ. ودرجاتُ الجِنانِ: منازلُ أرفعُ([2]).
فالمُختارُ من معاني (درَج): الصُّعودُ في المراتبِ العليَّةِ.

وأمَّا في الاصطلاحِ:

فبعدَ النظرِ في مادَّتِها اللُّغويَّةِ, يظهرُ -واللهُ أعلمُ- أنَّها تصلحُ لمعنيينِ مفيدينِ هنا:

الأوَّلُ: التَّرقِّي من الأسهلِ إلى المُركَّبِ:
كالتَّرقِّي من إدراكِ أصولِ الشيءِ وقواعدِه العامَّةِ, إلى الجزئياتِ التي بُنِيتْ عليها, أو الترقِّي من تصوُّرٍ عامٍّ إلى التصديقِ, أو صغارِ العلمِ قبلَ كبارِه.
ويمكنُ أن يُعبَّرَ عنه -أيضًا- بالترقِّي من الأدنى إلى الأعلى، أو من الأهمِّ إلى المهمِّ في علومٍ, والترقِّي يقعُ في كتبِ ومسائلِ كلِّ فنٍّ؛ على حدِّ قولِ القائلِ:
إنَّ الأهمَّ على المُهِمِّ مُقدَّمٌ ... راعِ التَّدرُّجَ عندَ أهلِ الشَّانِ
يقولُ أبو حامدٍ الغزاليُّ رحمه اللهُ: (وليكنْ قصدُه في كلِّ علمٍ يتحرَّاهالتَّرقِّيَ إلى ما هو فوقَه)([3]).
الثاني: التعاقبُ: (وهو الانتقالُ إلى مرحلةٍ بعدَ إمضاءِ ما يُقدَّم عليها)، فيشملُ:
1- تعاقبَ العلومِ؛ كعلومِ الغايةِ ثُمَّ علومِ الآلةِ, والأهمَّ من العلومِ ثُمَّ المهمَّ؛ كالتَّوحيدِ ثُمَّ الفقهِ.
2- تعاقبَ المراحلِ: من مبتدئٍ فمُتوسِّطٍ فمُنتَهٍ.
3- تعاقبَ الكتبِ: وذلك في المرحلةِ بعينِها من كتبِ تخرُّجٍ إلى استكمالِ التكوينِ إلى إثراءٍ معرفيٍّ.
فالطالبُ مُترقٍّ في مدارجِ العلومِ؛ يختارُ منها أنسبَ الكتبِ وأوفاها بالمقصودِ, ويتعلمُ أهمَّ ما فيها ويتقنُه, ويَعقُبُ ذلك تدرُّجٌ في المسائلِ, ثُمَّ العلومِ الأخرى, مُنتقِلًا بينَ الكتبِ الأصليةِ فيها, وتركيزُه على الانتقالِ من الأسهلِ إلى الأصعبِ, ومن صغيرِها إلى كبيرِها.

***

فالتدرجُ منهجٌ أصيلٌ ونَفَسٌ طويلٌ يُفضِي إلى مُكنةِ التحصيلِ, وهو سُنَّةٌ مباركةٌ, خلافًا لقفزِ المسافاتِ أو التردُّدِ بينَ سبلِ العلمِ، وتعجُّلِ النهاياتِ بلا منهجٍ مُتأنٍّ مُرتَّبٍ لن يصلَ صاحبُه لشيءٍ ذي بالٍ, ومِثلُه أيضًا عاجزُ الهمَّةِ المُتعلِّلُ بالتدرُّجِ في الطلبِ ليجعلَه مُتَّكَأً تسويغيًّا يُحلِّلُ به تأخُّرَه في التحصيلِ وتخلُّفَه في العلمِ, فهذا في الحقيقةِ تدرُّكٌ وليس بتدرُّجٍ!
فالمدارجُ والرُّتَبُ ضرورةٌ في الطلبِ؛ لأنَّ عوائقَ الفهمِ, ولغةَ العلمِ, والمصطلحاتِ العلميةَ, والنقاشاتِ تَصُدُّه من قريبٍ, والسائرُ في منهجٍ مُتدرِّجٍ يُوقَ هذه العثرةَ, ويَسهُلُ عليه فهمُ وتصوُّرُ العلمِ وعباراتِه,ودَرْكُ النِّسَبِ بينَ فروعِ العلمِ؛ لأنَّه ابتدَأ الفنَّ عامِّيًّا, ثُمَّ ترقَّى فيه, فترتَّبتْ لديه المسائلُ والأفكارُ, فتهيَّأَ لحملِ الأمانةِ العلميةِ, ومِثلُه خليقٌ بأن يُستأمَنَ على تراثِ الأُمَّةِ العِلميِّ.
يقولُ الشَّوكانيُّ رحمه اللهُ: (فإنَّكَ إذا ترقَّيتَ من البدايةِ التَّصوُّريَّةِ إلى العِلَّةِ الغائيَّةِ -التي هي أولُ الفِكرِ، وآخرُ العملِ-؛ كنتَ فردَ العالَمِ, وواحدَ الدهرِ, وقريعَ الناسِ, وفخرَ العصرِ, ورئيسَ القرنِ.
وأيُّ شرفٍ يُسامِي شرفَكَ, وأيُّ فخرٍ يُدانِي فخرَكَ, وأنتَ تأخذُ دِينَكَ عن اللهِ وعن رسولِه -صلى الله عليه وسلم-, لا تُقلِّدُ في ذلك أحدًا, ولا تقتدي بقولِ رجلٍ, ولا تقفُ عندَ رأيٍ، ولا تخضعُ لغيرِ الدليلِ، ولا تُعوِّلُ على غيرِ النَّقدِ)([4]).
قال ابنُ حجرٍ رحمه اللهُ: (تعليمُ العلمِ، ينبغي أن يكونَ بالتدريجِ؛ لأنَّ الشيءَ إذا كان في ابتدائِه سهلًا؛ حُبِّب إلى مَن يدخلُ فيه، وتلقاه بانبساطٍ، وكانت عاقبتُه غالبًا الازديادَ، بخلافِ ضدِّه)([5]).
فمَن راعَى هذه الرُّتَبَ والدرجاتِ؛ تأهَّل وحصَّل المرجوَّ من هذا العلمِ النافعِ، وقد ذكَر المُحِبِّـيُّ -رحمه اللهُ- في ترجمةِ أحدِ أعيانِ القرنِ الحادي عشَرَ: (ولازَم والدَه في الفنونِ العلميَّةِ, وأخَذ عمَّن عاصَره من أكابرِ العلماءِ، حتَّى رَقِيَ المراتبَ العليَّةَ، وجدَّ في التحصيلِ، واشتغَل بالعلومِ على الأنماطِ الحسنةِ، وسلَك في الطلبِ الطريقَ الأقومَ؛ وبدأ بما هو الأقدمُ؛ فشرَع في العلومِ الشرعيةِ، ثُمَّ صرَف الهمَّةَ للقيامِ بخدمتَيِ التدريسِ والإفتاءِ، والانتصابِ لجوابِ مَن سأل واستفتَى)([6]).
هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

تم تقييده يوم الخميس 10/ 4/ 1439هـ


---------------------------------------------------
([1]) «تاج العروس» 5/555.
([2]) «تهذيب اللغة» 10/338.
([3]) «إحياء علوم الدين» ص64.
([4]) «أدب الطلب ومنتهى الأَرَب» للشوكاني, ص130.
([5]) «فتح الباري» لابن حجر 1/163.
([6]) «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» للمُحِبِّيِّ 3/161.

وللتوسع:
ينظر بحث مدارج التعلم بين التأصيل واستكمال التكوين لكاتبه.
 

السعيد العيسوي
  • قولٌ في العلم وطلابه
  • الأبحاث العلمية
  • التعريف بالكتب المطبوعة
  • منتقى التغريدات
  • الصفحة الرئيسية