اطبع هذه الصفحة


وهن المقارنة وتثبيط الهمم

السعيد صبحي العيسوي
@esawi_said

 
بسم الله الرحمن الرحيم

 
الهمّة التي ينادى بها طالب العلم همّةٌ تنأى به عن البطالة, وتعينه على شدائد التحصيل؛ فهي همةٌ نوعيةٌ لا كهمّة الكسالى من أبناء العصر، تسمو به إلى القرون الأولى من أهل العلم.
لكنّ الناظر في الواقع يجد ما يكبّل تلك الهمّة يظنّها البعض رافعةً للهمّة، بينما هي مثبّطةٌ نازلةٌ بها! فغلبة الجهل، والقعود عن إدراك المعالي كبّل كثيرين عن سلوك طريق الفضائل والتفرّد في نيلها.
وهنا أحكي ما وقع لي في ذلك؛ إذْ كان أوّل أمري الإغراق في تتبّع سير المعاصرين وأفراد الجيل, ونوادر ما يحكى من أحوالهم؛ فاطّلعت على أنّ هذا العالم يقوم الليل بكذا, وذاك يقرأ عدّة ساعاتٍ, وثالثٌ اعتزل الوظيفة للتفرّغ للعلم, ورابعٌ يصلّي ركعاتٍ كثيرةً ...

فلمّا فتح الله عيني على كتب التراجم؛ إذا بي أشفق على نفسي وعلى أبناء هذا الجيل, وكيف لهم أن يولعوا بسير المتأخّرين وعندهم شموس الضّحى وكواكب الجوزاء؟!
فقرأت مثلًا أنّ عبد الغنيّ المقدسيّ رحمه الله, صاحب «عمدة الأحكام» كان يصلّي بعد دخول وقت الضّحى ثلاثمئة ركعةٍ إلى قريبٍ من وقت النّهي!
وهذا هنّاد بن السّريّ رحمه الله, صاحب كتاب «الزّهد», حكي عنه أنّه فرغ يومًا من القراءة لطلّابه، فتوضّأ، وجاء إلى المسجد، فصلّى إلى الزّوال في المسجد، ثمّ رجع إلى منزله فتوضّأ، وجاء فصلّى الظّهر، ثمّ قام على رجليه يصلّي إلى العصر، يرفع صوته بالقرآن، ويبكي كثيرًا, ثمّ إنّه صلّى العصر، وأخذ يقرأ في المصحف، حتى صلّى المغرب. ويقال: هذا دأْبه منذ سبعين سنةً ... وغير ذلك كثيرٌ جدًّا.

فليس من أدبيّات الهمّة هنا الإغراق في (المقارنة) و (الحثّ) على تتبّع سيرة أبناء هذا الجيل، حتى وإن روعيتْ نوعيّتها وتميّزها؛ فالهمّة شيءٌ، والتكبيل بأبناء العصر شيءٌ آخر. فهمّة أبناء الجيل فاترةٌ قاصرةٌ في كثيرٍ من أحوالها إذا ما قورنتْ بهمم السّلف.
يقول ابن الجوزي رحمه الله: (وما زالت الهمم تتقاصر، وآل الأمر إلى خلفٍ هم بئس الخلف، فمات العلم)[1]. فقائس نفسه على أبناء جيله إذا أمعن النّظر فيهم وجد قرنه قد بزّ، فظنّ نفسه قد حصّل وجمع وتمكّن، وما هو إلّا مجموع الأصفار إذا ما قورن بتحصيل السّلف والرّاسخين.

وقد اقترب من هذا المعنى جداً الشيخ محمد الخضر حسين إذ يقول:
(لم يقض حقّ العلم، بل لم يدر ما شرف العلم، ذلك الذي يطلبه لينال به رزقاً، أو ينافس فيه قريناً، حتى إذا أدرك وظيفةً، أو أنس من نفسه الفوز على القرين، أمسك عنانه ثانياً، وتنحّى عن الطلب جانباً)[2].
 
فما أن يعتري الطالب "وهن المقارنة" بجيله، حتى يحار في المتاهات، ويكبّله ضعف المقارن عن بلوغ الغاية في الرّسوخ، فإذا الضّعف والرّكاكة قد حلّا بقلب الطالب، لينزل من رتبة الإخلاص والهمّة إلى الاغترار بما حباه الله من علمٍ, ويسقط في درك المراءاة والتّسميع.
لذا فإنّ من أعظم الخطر الولع بتراجم المعاصرين، والنّأي عن إنعام النّظر وإقرار العين بحياة الأوائل من سلف هذه الأمّة، ممّن حباهم الله التجرّد والصّدق والهمّة العليّة، التي كان وقودها محبّة الله، وعزّة هذا الدّين لا عزّ الأنفس، ونصرة الحقّ لا نصرة أنفسهم.
وإذا كان "الإبداع" منوطًا بـ"الاتّباع"، وسلامة البناء مبنيّةً على عمق الأساس = فلا بدّ إذنْ من نظرةٍ متأنّيةٍ في الأسوة والقدوة، ومعايرة الأسهم حذو القذّة بالقذّة على معيار السلف في عملهم وتنسّكهم؛ فلهم في محراب التعبّد أنّاتٌ وابتهالٌ، وفي ظلام اللّيل إقبالٌ, ولهم في العبادة دروبٌ، كما أنّ لهم في العلوم مسالك وطرقًا، ومحالٌ أن ينال إبداعٌ في العلوم غير قائمٍ على اتّباع الأوائل في جادّتهم, فتعيّنت الاستفادة ممّا كتب في سير أعلام هذه الأمّة, لا توهين العزائم وتكبيلها بأبناء هذا الجيل!
نعم، قد يوجد هذا الوصف في آحاد المتأخّرين، إلا أنّ الكثرة الكاثرة على خلاف ذلك, حتى من تميّز منهم لم يسلمْ من التأثّر بصبغة الواقع سلبًا, ومن تأمّل ذلك علم.

وإذا كان من المقرّر أنّ أغلب الناس مولعون بأبناء عصرهم ومصرهم, حتى كان ذلك جبلّةً في الخلق؛ إذْ قد ركّب فيهم تقليد بعضهم بعضًا وتأسّي بعضهم ببعضٍ = فكان من نصح الطالب أن يروى فضوله بنماذج حيّةٍ من عبق الماضي، يستنشق عبرها عبير أنفاس السلف، وحينئذٍ فلا بدّ له من اتّخاذ قدواتٍ يرى جهادهم في الطلب، ثم جهادهم في العمل والتعليم؛ فتثار لديه مكامن الاقتداء.

فكلامهم أقرب إلى الحكمة، وعندهم من إدراك العلوم ما ليس لعصرنا، ولهم من حسن التعبير ما لم يصلْ إليه المعاصرون, وإذا أردْنا أن نستثني شيئًا من ذلك؛ فليكنْ شيئًا قليلًا معينًا على التأسّي والهمة، ممّن ذاعت أخبارهم من العلماء الذين شهد لهم بالاتّباع والتمكّن والنّهم في الطّلب؛ ذلك أنّ تأثّر الطّلاب في الجملة خاصّةً من هم في أول الطلب بمن يشاهدونه ويتعلمون منه, وحينئذٍ يفتح لهم بابٌ يسيرٌ من الاطّلاع على سيرهم؛ إذْ إنّ تأثّرهم بالأحوال والأعمال أبلغ من الاقتداء بالأقوال المجرّدة المرويّة, ثمّ يرقّى بهم في الاطّلاع على سير القوم وكيف كانت أحوالهم.
هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه.


-------------------------------
[1] «تعظيم الفتيا» ص107.
[2] «موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين» 5/ 1/ 161.

 

السعيد العيسوي
  • قولٌ في العلم وطلابه
  • الأبحاث العلمية
  • التعريف بالكتب المطبوعة
  • منتقى التغريدات
  • الصفحة الرئيسية