اطبع هذه الصفحة


10 صفات للمربي الناجح
13/5/1436هـ

د.فيصل بن سعود الحليبي
@Dr_fisal_holibi


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
فاجأ الابن والده بسؤال: كم تأخذ مرتبًا على الساعة الواحدة؟ استغرب الوالد السؤال، ثم أجابه: مائة ريال، فقال الابن: هل تسلفني خمسين ريالاً؟ قال له الأب: لماذا؟ فأجابه: لدي خمسون ريالاً، وتسلفني خمسينًا أخرى، أصبح المجموع مئة، خذها يا والدي، وأعطني ساعة من وقتك!
أعتقد جازمًا أنه في زمن المتغيرات، وانتشار الفتن، وتنوع أشكالها، وانتشار وسائلها، كان لابد من مضاعفة الانتباه للمسؤوليات عمومًا، والأقربون أولى بالمعروف، الشباب والفتيات، هم أبناؤنا وبناتنا ولا شك، فلذات أكبادنا، نجاحهم يفرحنا، وهدايتهم تسعدنا، وشقاؤهم ـ أيضًا ـ يتعبنا، وفشلهم يرهقنا، وفسادهم يشقينا.

نعم .. المسؤولية ثقيلة، وهمها كبير، وربما أخذتْ من صحتك ووقتك، لكنَّك إن زرعت حصدت، وإن أهملت بارت حقولك، وسوف تسأل عنها بغير شك؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) رواه البخاري.

مَنْ هو المربي الناجح؟

المربي الناجح هو من تميّز بالصفات التالية:

الصفة الأولى
: يحمل في قلبه النية الطيبة؛ يقصد بتربيته لولده وجه الله تعالى في تكثير عباده الصالحين؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال ـ في الحديث الحسن ـ: (تزوّجوا الْوَدُود الْوَلُود؛ فَإِنِّي مكاثرٌ بكم الْأُمَم يَوْم الْقِيَامَة»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، وَقَالَ ابْن الصّلاح: حسن الْإِسْنَاد.
وإذا قلنا حسنَ القصد في النية في التربية، فإنا نعني صناعةَ الهدف السامي في تربية الولد، فماذا ترجو أن يكون ولدك ـ ذكرًا كان أو أنثى ـ ؟
كم مربٍ ـ منّا ـ سأل نفسه هذا السؤال؟ وإذا كنا نعني بالولد ( الذكر والأنثى) فإنا نعني بالمربي هنا : ( الأب والأم والمعلم وكل من أكرمه الله بهذه المهمة العظيمة ).
والهدف حينما نضعه لابد أن يكون: واقعيًا لا خرافيًا، ومزمّنًا لا مطلقًا، ومقاسًا لا عصيّا على القياس، فمثلاً: أهدف إلى تعليم ولدي الصلاة المفروضة من سن السابعة حتى الثامنة، ثم أنظر هل أتْقَنها أو لا، ثم أهدف إلى تعليمه السنن الرواتب من الثامنة إلى التاسعة، ثم أنظر هل أتقنها أو لا؟ وهكذا في شأن تعليمه القراءة والكتابة، أو تعليمِه مهاراتٍ حياتية كبرى حينما يكون في سن المراهقة، أو أعلى من ذلك، كل مرحلة عمرية بحسبها.
وهذه الأهداف الابتدائية، تكون في مضمار خطة تسير بالولد حثيثًا نحو الهدف الأسمى من صناعته على عينك؛ ليكون فردًا صالحًا؛ يخدم نفسه، وأسرته، ووطنه، وأمته، بأيِّ عمل شريف، أيًا كان تخصصه.

الصفة الثانية:
أن يتعرَّفَ المربي على خصائص كل مرحلة من مراحل النمو، ثم يتفهّمَ هذه الخصائص والسلوكات التي هي في الغالب يشترك فيها أكثر البشر، فمن أكبر الأخطاء أن نعامل المراهق معاملة الطفل الصغير، أو أن تكون النظرةُ إلى الشاب الرشيد كالنظرة إلى المراهق، أو أن نتوقع أن استجابة البنت هي تمامًا كاستجابة الابن!! إن الأمر مختلف بين هذا وذاك، أعتقد بأن نسبة عالية من المربين لم يطلعوا على هذه الخصائص، وبالتالي يقعون في حيرة من تصرفات أولادهم..كيف يتعاملون معها، وكيف يصلون بهم إلى أهدافهم وهم يتفاجؤون بهذه التغيرات النفسية والبدنية والاجتماعية.
فكم أتمنى أن يسارع المربي إلى التعرف على هذه الخصائص ليجد متعة بدلاً من الحيرة في المسير بولده نحو هدفه المنشود، وخصوصًا أن هذه المراحل وخصائصها تقدم في أثواب سهلة ميسرة من خلال الدورات التدريبية.

الصفة الثالثة:
أن يكون متعرفًا ومطلعًا على المتغيرات التي تحف الجوانب التربوية، وأقصد بالمتغيرات هنا: كل شيء يتجدد وله تأثير في سلوك الأولاد، سواء أكان يتصل بأخلاقهم، أوعقيدتهم، أو صحتهم، أو سلوكهم، أوعلاقاتهم، أو مصادر تأثرهم، ومنابع ثقافتهم، والمطلوب ليس فقط معرفة هذه المؤثرات، بل لابد من اكتساب مهارة التعامل مع هذه المؤثرات، فمثلاً: برامج التواصل الحديثة بكل أنواعها التنافسية، سواء أكانت مكتوبة، أو مسموعة، أو بصورة ثابتة أو متحركة، وما يحتف بذلك كله من برامج الإثارة الأكثر جاذبية..في مثل هذا المثال المستحدث والمتغيّر في آن واحد يتميّز المربون والمربيات، أيهم يُشعر الأولاد بإدراكهم لهذه المتغيرات والمؤثرات، جملة منهم يتصلون بالمستشار، ويعرض المتصلُ عليه حلين: أحدهما بالمنع من استخدام هذه البرامج، أو فتحها على مصراعيها، ويبقى الأسلوب الأمثل حائرًا بين الحلين، لا يدركه إلا القليل، كلٌ بحسب نمط شخصية ولده، وبيئته.

الصفة الرابعة:
قراءة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تربيته لأولاده وأصحابه، فإنها الأنموذج الأكمل الذي يجب أن يحتذى، فهمها قرأنا أو اطلعنا فلن نجد مربيًا أنجح منه، ولا أسدَّ منه، ولا أحنَّ منه، ولا أحكم منه، صنع رجالاً، وخرّج جيلاً لم تطلعِ الشمس على أفضل منهم، حتى قال عنهم صلى الله عليه وسلم: (خير أمتي قرني) رواه البخاري، وإنك إن سألت أحدهم ـ رضي الله عنهم ـ : لم فعلت كذا، أو قلت كذا، لأجابك: أوصاني به رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أمرني بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو نهاني عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي حياته الرائعة سنعرف كيف كان رفيقًا، حنونًا، قليلَ العتاب، كثيرَ التبسّم، يقدر البنت، ويلاعب الأطفال، ويقبلهم، ويمازحهم، ويشارك الشباب أنشطتهم، ويوليهم المهمات الصعبة والمصيرية ويتحمل النتائج، وكيف نراه حازمًا في اتخاذ القرار واختيار الكلمة المرهّبة ـ أحيانًا ـ حينما يُخَالف أمره من غير استفتائه أو مشورته، ولكلِّ أسلوب من أساليبه التربوية شاهد صحيح من سيرته العطرة، فواعجبًا لنا نعتذر لأنفسنا حينما نتعامل مع أولادنا بالغلظة أو الجفوة لضيق أوقاتنا، أو كثرة أشغالنا التي لا تدع لنا فرصة لنكون أطول بالاً، وأوسعَ صدرًا لتربيتهم، أو تعديل سلوكهم، فالمسألة ليست مفروضة فقط في نفوس سهلة القياد، أو عقول فطنة تعي التوجيه في وقت قصير، بل لابد أن نضع الأسس التربوية الشاملة لفريق آخر، ربما يتسم بالعناد، أو الجنوح، أو التردد، أو ضعف الثقة، أو وهن القدرة الفكرية والعقلية، فهل سنكون نحن أكثر شغلاً من حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم!! هيهات، وهو إمام الدعوة، وقائدها، يحمل همَّ أمته في الدنيا والآخرة.

الصفة الخامسة:
الصبر والرفق وطول البال، واحتساب الأجر في ذلك، فطريق التربية يحتاج إلى نفس طويل، يرمق فيه المربي آخر الدرب كما يرمق أوله، طفله الذي يهدهده بين يديه يتراءى في مخيلته وقد غدا مهندسًا أو طبيبًا أو عالماً جليلاً، هذا النَفَس الممتد تراه مزيّنًا بحسن التوكل على الله تعالى بأن ينبته نباتًا حسنًا، ولذا فإنه لا مكان لدى المربي الناجح للعجلة أو التذمر من تأخر النتائج، وبهذا النفس الطويل يكون أقدر في تخطي العقبات، وحل المشكلات، من هنا نلاحظ أن الله تعالى عبّر بلفظ الاصطبار عن الصبر في موضعِ أمرِ الأهل بالصلاة، فقال تعالى: (وأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا)، والاصطبار درجةٌ أعلى من الصبر، وهذه إشارة ربانية لهذه الخصيصة من خصائص المربي الناجح، فمرحلة الضعف البدني في سن الطفولة ستمر بأعبائها، ومرحلة التمييز ستمر بأعبائها، ومرحلة المراهقة ستمر أيضًا، وهكذا حتى تزهر الدنيا بفلذة كبدك، وقد أنبت ذلك السهر والتعب شخصية فذة يشار إليها بالبنان، تسعدك في الدنيا وتفرحك في الآخرة، فلا ينبغي أن يبالي المربي الناجح بتلك الدعوات المثبطات عن الصبر في طريق التربية، أو الوساوس الذاتية أو الخارجية التي قد تجعله يعيش لذاته دون التفكير في إصلاح ذريته، بحجة الحفاظ على شبابه وصحته ونفسيته.
وأخو الصبر: الرفق، (إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ) رواه مسلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فيرفق المربي بمن يربي في تعليمه، وتطبيبه، وفي تعامله مع أخطائه، وتكرارِ الخطأ منه، ولا يعني بحال ألا يكون عليه حازمًا في مواضع الحزم، فإن الشاعر يقول:

وقسا ليزدجروا..فمن يك راحمًا..فليقس أحيانًا على من يرحم

فيحزم عليه بمنعه ـ مثلاً ـ من صحبة الأشرار، أو مشاهدة ما يثير الغرائز، أو يعاقبه على التهاون في الصلوات إذا كان بعد العاشرة عقابًا تأديبيًا وليس مبرحًا أو انتقاميًا، ويقلل من العقاب بقدر المستطاع حتى لا يفقد أثرَه في نفسه أو سلوكه، ومع العقاب ـ المربي الناجح ـ يبين سببه، والهدف منه.

الصفة السادسة
: التنويع بين الترغيب والترهيب، فالترغيب بالنتائج الإيجابية يحفّز الولد إلى التلذذ بالصواب، والتمتع بالتعلم، وإكمالِ مسيرة الاكتساب المهاري بدون ملل، وبه ترتفع المعنويات، وتزداد الطاقات، ويبعد الأفق في الوصول إلى أبعد الغايات، فإذا ما قلَّت الرغبة، أو ضعفت الهمة، أو استهان الولد بما يجب الاهتمام به، فإنه لا بأس بالترهيب الذي يمنعه من السقوط في هاوية الفشل، وهو ترهيب غير متلفِّع بالتعنيف، ولا متلبّس بالغلظة، بل حسْنُه أن يعرفَ الولدُ به حبَّ والده له، وشفقتَه عليه، فهو تأديب لا تعذيب، يُبقي للولد كرامتَه وشرفَ إنسانيته وحقَه في التعلم الذي من الطبيعي أن يسبقه الخطأ، الذي هو سمة من سمات البشر، أما عنف المربي فلا يدل إلا على جهله وضعف مهارته وقصر نظره فيمن يربيه.

الصفة السابعة:
القدوة والأنموذج.
فإن من أسرع الصفات التي يكتسبها الولد من مربيه وأكثرها ثباتًا في سلوكه تلك الصفات التي يكتسبها بالقدوة والأنموذج من مربيه؛ لأنه يكتسبها بالمشاهدة والتطبيق غير المصحوب بالأمر أو النهي، وغالبًا ما تتسم بالاقتناع بها داخليًا، فالمربي الشغوف ـ مثلاً ـ بالقراءة والاطلاع وشراء الكتب والسياحة فيها، سيجد أن هذا يسري في عدد من أولاده دون إلحاح عليهم، أو حتى دعوتهم إليها، بل إن المربي القدوة عليه أن يستعد للإجابة عن أسئلة الولد: لماذا تفعل كذا؟ وكيف؟ وماذا لو لم تفعل؟ وهكذا، فتكون الإجابات بمثابة التأييد النفسي للقناعة الابتدائية، فيكون من شأنها ترسيخ العمل الصالح، وديمومة الولد عليه.

يا أيــــُّــــــــــــــها الرجلُ المُعلم ُغـَيرَهُ ..... هلاَّ بنفسك كانَ ذا التعليـم ؟
تصفُ الدواءَ لذي السِقـامِ وذي الضَنى ..... كَيْمَا يَصِحُ بهِ وأنتَ سقيـــم
ابدأ بنفسكَ فانهها عن غيهــــــــــِّـــــا ...... فإذا انتهت عنهُ فأنتَ حكيم
فهنــــــــاكَ يَقبــــلُ ما وعظتَ ويقتدى ...... بالعلمِ منكَ وينفعُ التعليـــم
 

الصفة الثامنة: أن يكون المربي متابعًا لكل وسيلة حديثة يمكن من خلالها الوصول إلى الهدف من التربية بوقت أسرع، كما يمكن اكتشافَ أيِّ الوسائلِ أكثر جاذبية له، وهذا يرفع مستوى التواصل بين المربي وولده، وخصوصًا مع هذا التطور التقني الرهيب، الذي من خلاله تستطيع إعطاءه دفقات من المعارف والمشاعر أكثر مناسبة لعصره وزمنه الذي يعيش فيه.

الصفة التاسعة: أن يدني المربي ولده منه ولا يبعده عنه مهما كانت حاله وظروفه واستجابته، لأنه إن قرّبه فاز به ولو بعد حين، وأن أبعده قرّبه من أهل الفساد والفكر المنحرف، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم للشاب الذي استأذنه في الزنا: ( ادنه ) مع أنه يستأذنه في فعلة شنيعة، فقربه منه، وحاوره بلطف ومهارة، ثم وضع يده عليه ودعا له، فلم يرى الشاب بعد ذلك يلتفت إلى الحرام.

الصفة العاشرة:
الدعاء، فإن من شأن عباد الرحمن أنهم يخصون ذرياتهم بدعاء يقولون فيه: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً)؛ لأنهم يهدفون إلى غاية واضحة عالية كريمة وهي لحوقهم بهم في الجنة، فإن الله تعالى وعدهم بذلك فقال: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ)، فما أجمل الدعاء للذرية، وما أروع اليقين فيه.
أما الدعاء عليهم، فهو حيلة العاجز، ويخشى من إجابة الدعوة، فتحلُ الحسرة، ويقع الأسف والندم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تدعو على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يُسال فيها عطاء فيستجيب لكم. رواه مسلم.

لنتذكر أخيرًا أن درجة المربي الناجح ترتفع في الجنة حينما يورث ابنًا صالحًا يستغفر له ويدعو له، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: أَنَّى لِي هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ". أخرجه أحمد وصححه الألباني.
أسأل الله تعالى أن يأخذ بنواصينا ونواصي أولادنا لكل خير وطاعة، وأن يجعلهم قرة عين لنا ولأوطانهم ولأمتهم، فإنه جواد كريم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


 

د.فيصل الحليبي

  • مقالات
  • حوار مع القلوب
  • استشارات أسرية
  • كتب دعوية
  • الخطب المنبرية
  • مختارات صوتية
  • الصفحة الرئيسية