اطبع هذه الصفحة


وقفات مع انهيار سوق الأسهم
 3/2/1427هـ

أحمد بن حسين الفقيهي

 
الخطبة الأولى :
الحمد لله الذي أباح لنا من المكاسب أحلها وأزكاها ، وأقومها بمصالح العباد وأولاها، وحرم علينا كل كسب مبني على ظلم النفوس وهواها ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق الخليقة وبراها ، وبين لها طرق رشدها وهداها ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أزكى الخليقة وأتقاها ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .
أما بعد ....
فاتقوا الله أيها الناس : اتقوه في أنفسكم وأهليكم ، اتقوه في أعمالكم وأموالكم ، اتقوه فيما تأكلون وتدخرون ، " يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ، ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدواً مبين " .
عباد الله : فجعت بعض النفوس في الأيام الماضية بمصاب جلل ، تغيرت على إثره النفوس وتنكرت بسببه القلوب، آلام وأحزان ، آهات وزفرات ، أمراض وإغماءات ، أفراح بيوت بسبب المصيبة انقلبت إلى أحزان ، وطموحات أقوام صارت أحلام وآمال .
ذلكم المصاب عباد الله هو : الانهيار لسوق الأسهم .
ذلكم السوق الذي علق عليه الكثير آمالهم ، ولأجله باع البعض أملاكهم ومنازلهم ، لقد أصبح سوق الأسهم حديث الناس في الطرقات ، وشغلهم الشاغل في المكاتب واللقاءات ، حتى أضحت مبادئ السوق وثقافته متاحة للأطفال في المنازل جراء تسمر الآباء والأمهات أمام الشاشات وفي الصلات .
لهث حثيث ، وتنافس محموم ، لأخذ اكبر نصيب من الربح بأي طريق كانت الوسيلة ، وما ذاك إلا مصداق لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم : إن لكل أمة فتنة ، وفتنة أمتي المال . رواه الترمذي في جامعه .
عباد الله : وحول هذا الحدث كلمات ووقفات أجملها فيما يلي :
أولاً : إن كسب الرزق وطلب العيش مأمور به شرعاً ، ومندفعة إليه النفوس طبعاً ، والشريعة لا تقف في وجه الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، لكنها تصحح المسار ، وتحث الناس على الاعتدال حتى في المال ، فها هو النبي صلى الله عليه وسلم :" يستعيذ بالله من شر الغنى والفقر " رواه أبو داوود والترمذي ، وقال صلى الله عليه وسلم حاثاً على العمل والتكسب : " ما أكل أحدٌ طعاماً خيراً من أن يأكل من عمل يده ، وان نبي الله داوود عليه السلام كان يأكل من عمل يده " رواه البخاري .
إن الاستغناء عن الناس عباد الله : بالكسب الحلال لهو شرف عال ، وعز رفيع ، ومما يروى من حكم لقمان قوله : يا بني ، استغن بالكسب الحلال عن الفقر ، فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال : رقة في دينه ، وضعف في عقله ، وذهاب مروءته.
ولا شك أن المقصود من ذلك كله هو الكسب الطيب ، فالله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، قال سبحانه : يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون .
نعم المعين على المروءة للفتى * مال يصون عن التبذل نفسه
لا شيء انفع للفتى من ماله * يقضي حوائجه ويجلب انسه
وإذا رمته يد الزمان بسهمه * غدت الدراهم دون ذلك ترسه

الوقفة الثانية عباد الله : هي أن الله تعالى تكفل برزق الخلق عندما خلقهم ، فلم يتركهم سبحانه هملا ، ولم يدعهم جياعاً ، بل قدر لهم مقاديرهم وكتب لكل نفس رزقها ، ولن تموت يا عبد الله حتى تستكمل الرزق الذي كتبه الله لك ، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : إن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب .
لكن مع ذلك فإن من سنة الله في خلقه أن يوجد الفقراء والأغنياء ، فتجد ذلك الغنى الذي بسط له في رزقه ، وتوفرت له أسباب الترف ووسائل الثراء ، وتجد أيضاً الذي قدر عليه في رزقه، وعزت عليه أسباب كسبه ، ولو ربح الناس كلهم فمن أين نجد الغني والفقير، وهل يعيش الأثرياء إلا على نكبات الفقراء وانهياراتهم ، وهاهم اليوم يغتنمون انهيار السوق في الاستحواذ على أسهم صغار المتداولين وشراءها منهم لينعموا بها غداً .
ومع ذلك فهذا فضل الله سبحانه ، فضل بعض الناس على بعض ، فأعطى هذا وبسط له الكثير ، وأعطى ذاك أقل منه ، وحرم الثالث فلم يعطه شيئاً ، " والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ".
ثق يا عبد الله أن تقسيم الأرزاق بين الناس لا علاقة له بالحسب ولا بالنسب ، ولا بالعقل ولا بالذكاء ولا بالوجاهة ولا المكانة ولا بالطاعة والعصيان ، وإن كانت هذه كلها من الأسباب ، لكنه سبحانه يوزع رزقه على عباده لحكمة يعلمها فقد يعطي المجنون ، ويمنع العاقل ، وقد يعطي الوضيع ، ويمنع الحسيب فهو سبحانه ــ لطيف بعباده يرزق من يشاء ..
ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا * هلكن إذاً من جهلهن البهائم
ولم يجتمع شرق وغرب لقاصد * ولا المجد في كف امرئ والدراهم

الوقفة الثالثة عباد الله : لقد أخبر المولى سبحانه أن ما من مصيبة تصيب العبد إلا بسبب ما اقترفته يداه قال سبحانه : " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ." ولعل ما حل بالبعض من خسائر دافع لإعادة النظر في حال المرء مع ربه وما هي مصادر الرزق التي يتكسب منها ؟، فالبعض والعياذ بالله يعصي مولاه بترك فرائضه وارتكاب محارمه ، ثم يرجو منه التوفيق في ارتفاع سعر سهم و إتمام صفقته ، وأنى لرجل يحارب الله بالربا واختلاط الخبيث بالطيب أن يهنأ بعيش أو يستلذ برزق ومولاه ورازقه توعده بالمحاربة : " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين "
عباد الله : إن طلب الحلال من الرزق وتحريه أمر واجب فلن تزولا قدماً عبد يوم القيامة حتى يسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ،
" انظروا رحمكم الله إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه يجيئه غلامه بشيء فيأكله فيقول الغلام : أتدري ما هو ؟ تكهنت في الجاهلية لإنسان وما أحسن الكهانة ولكني خدعته ، فلقيني فأعطاني بذلك هذا الذي أكلت ، فأدخل أبو بكر يده في فمه فقاء كل شيء في بطنه ، وفي رواية أنه قال: لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها ، اللهم إني اعتذر إليك مما حملت العروق وخالط الأمعاء "
" وشرب عمر رضي الله عنه لبناً فأعجبه فقال للذي سقاه : من أين لك هذا قال : مررت بإبل الصدقة وهم على ماء ، فأخذت من ألبانها فأدخل عمر يده فاستقاء "،
" وها هي بعض الصالحات توصي زوجها وتقول : يا هذا اتق الله في رزقنا فإننا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار" .
أولئك القوم يخرجون الحرام والمشتبه به من أجوافهم وقد دخل عليهم من غير علمهم ، وخلف من بعدهم خلف يعمدون إلى الحرام من أسهم ومساهمات واكتتابات ليملئوا به بطونهم وبطون أهليهم .
المال يذهب حله وحرامه * يوما ويبقى بعده آثامه
ليس التقي بمتق لإلهه * حتى يطيب طعامه وشرابه

عباد الله : إذا كان من عواقب أكل الحرام وعدم تحري الطيب من الخبيث الخسارة في الدنيا وذهاب المال الذي جمع من موارد الحرام ، فهاهنا ما هو أشد من خسارة المال ، أرأيتم ذلك الرجل الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم : يطيل السفر ، أشعث المنبر يمد يديه إلى السماء ، يا رب ، يا رب ، ومطعمه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب لذلك .
فهذا الرجل استجمع من صفات الذل والمسكنة والحاجة والفاقة ما يدعو إلى رثاء حاله ، ويؤكد شدة افتقاره ، حيث تقطعت به السبل ، وطال عليه المسير، لكنه قد قطع صلته بربه ، وحرم نفسه من نوال مولاه ، فحيل بين دعائه والقبول بسبب أنه أكل من الحرام ، واكتسب من حرام ، ونبت لحمه من حرام ، فردت يداه خائبتين .
قال صلى الله عليه وسلم : " يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه ، أمن الحلال أم من الحرام " ، زاد رزين : " فإن ذلك لا تجاب لهم دعوة " .
الله أغننا بحلالك عن حرامك ، وبفضلك عمن سواك ، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه كان غفارا .

الخطبة الثانية :

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الحمد في الآخرة والأولى ، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله له الدرجات العلى ، وعلى آله وصحبه أولو النهى ، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم اللقاء .
أما بعد ....
الوقفة الرابعة عباد الله : إن الله سبحانه خلق لكل صنعة أهلون ، وعلى من أراد أن يقتحم غمار صنعة معينة أن يتتلمذ على أيدي كبار معلميها ، حتى يتقنها ويعرف مكامن الربح والخسارة فيها ، ولو كان كل الناس تجار أسهم مثلاً فمن للصناعة ؟ ومن للزراعة ؟ ومن للتجارات الأخرى ؟ فهذه سنة الله في خلقه ان جعل بعضنا لبعض سخريا .
عباد الله : على من أغراه المال وجذبته الأرباح السريعة في ذلك السوق أن ينظر أين يضع قدمه قبل أن يغامر بالدخول في سوق مليء بالمخاطر وخاصة لقليلي السيولة ، وقليلي الخبرة والمعرفة ، وقديماً قالوا : لا تضع بيضك في سلة واحدة فيأتيه الهلاك جميعاً ، وكذلك المال لا تضعه في سهم واحد أو تجارة واحدة ، بل استشر في مواطن وضعه ، واستخر ، وتحر الحلال والطيب ،حتى لا يذهب كله أو بعضه في أدنى هزة اقتصادية ، وحينها يطول بك الألم والحزن أو تبقى أسيراً خلف الأغلال في السجن .
هي شيمة الأيام كف تبتني * مذ كانت الدنيا وكف تهدم
ونرى تقلب هذه الدنيا بنا * وكأننا فيها سكارى نوم

ويقول الآخر حاثاً على القناعة في ميدان التجارة :
العبد حر إن قنع * والحر عبد إن طمع
فاقنع ولا تطمع فلا * شيء يشين سوى الطمع


أخيراً : عباد الله : حري بولاة الأمور ، وبالعلماء والعقلاء وبالمختصين في المعاملات المالية وأسواق الأسهم ، أن يكون لهم جهود ملموسة في حفظ هذه الضرورة من الضرورات الخمس، وذلك من خلال وضع الضوابط الشرعية والتنظيمات العادلة ، لتكون سياجاً منيعاً يحول دون العبث بأموال الناس ، ولأجل أن نقلل من الضحايا المتهورين والبسطاء المغامرين، وعليهم كذلك أن يحموا البلد من مصائب الربا وآثامه بإلزام البنوك بتحويل تعاملاتها إلى الوجهة الشرعية حتى ننعم بالحلال والطيب ، وندفع عقوبة الله ومحاربته لنا نظير محاربتنا له بالربا .
قال تعالى : " أعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ".


 

أحمد الفقيهي
  • الأسرة والمجتمع
  • شهور العام
  • قضايا المسلمين
  • الصلاة والطهارة
  • الحج
  • رمضان
  • عبادات وآداب
  • تراجم
  • مناسبات
  • الصفحة الرئيسية