اطبع هذه الصفحة


أعياد المشركين
18/12/1428هـ

أحمد بن حسين الفقيهي

 
الخطبة الأولى :
عباد الله : إن الله جلَّ شأنه كتب على عباده أن كلَّ أمةٍ تتخلى عن خصائصها ، وتخجل من مبادِئها أنها أمة لا تزال في تقهقر وإنحطاط واضمحلال في فكرها وقوتها وسلوكها .
وإن مما ابتليت به أمة الإسلام الإعجاب والتبعية المطلقة لأعداء الإسلام من قبل ضعفاء النفوس من المسلمين الذين بلغ بهم الإعجاب والإفتتان بحضارة الغرب أوجه فأضحوا من الداعين إلى الإحتذاء بحذوها والسير في ركابها ، حذو القذة بالقذة ، وحذو النعل بالنعل شبراً بشبر ، وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضبٍ لدخلوه .
أيها المسلمون : لم يعد خافياً أغترار كثيرٍ من المسلمين وتقليدهم وافتتانهم لما يأتي من أخلاق بلاد الكفر ، فالاحتفال بأعياد المشركين، والتعلقُ والافتتان ببعض مشاهير الكفرة رياضةً أو فناً أمرٌ مشاهد لا يخفى حتى حاكاهم بعض شباب الإسلام في حركاتهم وقصاتِ شعورهم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
عباد الله : في هذه الأيام يستعد النصارى الضالون للإحتفال ببعض أعيادهم الباطلة، وقد بدأت مثل هذه الأعياد تغزو مجتمعاتنا وللأسف، وتعلقت بها نفوس بعض شبابنا ذكوراً وإناثاً ، انشغلوا بها ، وتهيؤوا لها ، واتخذ بعضهم مناسبتها عطلةً وعيداً وذلك بسبب ضعف الإيمان في قلوبهم ، وتقليداً للنصارى وإتباعا لسيرهم ونهجهم في كلِّ ما يفعلونه ، إضافة إلى الانبهار والإعجاب بحضارة الغرب المادية الزائفة والإنخداع ببريقها المخدر ، ولا يخفى أثر الغزو الفكري والثقافي والترويج الإعلامي المسموع والمرئي والمقرؤ الذي يحرض على هذه الضلالات ، ويلفت إليها أنظارَ الناس وأسماعَهم ، ويحرك قلوبهم لها ، ويثير أهواءهم للإستعداد لها والمشاركة فيها .
أيها المسلمون : لقد كان رسولكم صلى الله عليه وسلم يحرصُ كلَّ الحرصِ على أن تخالف أمته اليهود والنصارى في كلِ شيءِ حتى قال عنه اليهودُ أنفسهم كما يرويه أنسٌ رضي الله عنه عند مسلمٍ : ما يريدُ هذا الرجلُ أن يدعَ من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه )) ، وإذا كان اليهود والنصارى يتجاهلون أعيادنا ولا يحتفلون بها فما بالُ بعضِ الناس يحتفل بمناسباتهم ، ويحييها على سنتهم ابتغاءاً وطلباً لرضاهم وتناسى أولئكَ قوله سبحانه (( ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم )) .
عباد الله : لقد أكثر أهل العلم في نقل التحذير من أعياد الكفار والمشاركة فيها ، جاء عن مجاهد وغيره من السلف في قوله سبحانه : (( والذين لا يشهدون الزور)) ، قال رحمه الله : الزور هي أعياد المشركين ، وقد صرح الفقهاء من أتباع المذاهب الأربعة باتفاق أهلِ العلمِ على عدم جوازِ حضور المسلمين أعياد المشركين وجاءَ عن عمرَ رضى الله عنه أنه قال : لا تدخلوا على المشركين في كنائسِهم يومَ عيدهمِ، فإن السخطة تنزل عليهم.
وقال أيضاً رضي الله عنه : أجتنبوا أعداء اللهِ في أعيادهم. أخرجه البيهقي بسند صحيح،
قال تقي الدين رحمه الله تعقيباً على ذلك: وإذا كان السخط ينزل عليهم يوم عيدهم بسبب عملهم فمن يشركهم في العمل أو بعضه أليسَ قد يعرض لعقوبة ذلك ؟ ثم قوله : أجتنبوا أعداء اللهِ في عيدهم : اليس نهياً عن لقائِهم والاجتماع بهم فيه؟ فكيف بمن عَمِلَ عَملهم؟ ولقد كان عليٌ رضي الله عنه يكرهُ موافقتهم في اسم يوم العيد الذي ينفردون به ، فكيف بموافقتهم في العمل ؟
أيها المسلمون : إن مشاركة النصارى في أعيادهم تورث نوع محبة ومودةٍ وموالاةٍ ، والمحبة والموالاةُ لهم تنافي الإيمان وقد قال تعالى (( يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ألياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق )) .
ثم إن مشابهتهم في بعض أعيادهم يوجبُ سرورَ قلوبهم وانشراح صدورهم بما هم عليه من الباطلِ ، والمشابهةُ والمشاكلة في الأمور الظاهرة يوجبُ مشابهة ومشاكلةً في الأمور الباطنة من العقائد الفاسدة ، على وجه المسارقة والتدرج الخفي ، قال ابن عقيل رحمه الله تعالى : إذا أردت أن تعرف الإسلام من أهل زمان ، فلا تنظر إلى ازدحامهم على أبواب المساجد ، ولا ارتفاع أصواتهم بلبيك ، لكن أنظر إلى موالاتهم لأعداء الشريعة .
عباد الله : إن مشاركة المسلم للكفار في أعيادِهم ليست مسألة إثم ومعصية ، وليست مسألةً خطأٍ وزلةٍ ، لكنها قد تكونُ مسألة إيمان وكفر لأن المشاركة نوعٌ من التشبه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( من تشبه بقوم فهو منهم )) أخرجه أحمد وغيره .
قال ابن تيمية رحمه الله : وهذا الحديث أقلُّ أحوالِه تحريمُ التشبه بهم وإن كان ظاهره يقتضي كُفر المتشبِّه بهم كما في قوله تعالى : (( ومن يتولهم منكم فإنه منهم )) وهو نظيرُ ما سنذكره عن عبدالهه عمرو أنه قال : من بني بأرض المشركين وصنَع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت حُشرَ معهم يوم القيامة. أخرجه البيهقي بإسناد جيد .
أيها المسلمون : إن مشاركة النصارى في أعيادهم لا تقتصرُ على الحضور فقط بل هناك صورٌ أخرى للمشاركة يغفل عنها كثيرٌ من الناس ومنها : تهنئة الكفار بأعيادهم وهذا منكرٌ عظيم وجرمٌ كبير لأنه نوعُ رضى بما هم عليه من الباطل ، وإدخالٌ للسرور عليهم.
قال ابن القيم رحمه الله : وأما تهنئتهم بشعائر الكفر المختصة بهم فحرامٌ بالاتفاق ، مثلَ أن يهنئهم بأعيادِهم وصومهم ، فيقول : عيدٌ مبارك عليكَ ، أو : تهنأُ بهذا العيد ، ونحوه فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات ، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب ، بل ذلك أعظم إثما عند الله ، وأشدُ مقتاً من التهنئةِ بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرجِ الحرام ونحوه ، وكثيرٌ ممن لا قدرَ للدين عنده يقع في ذلك ولا يدري قبح ما فعل ، فمن هنأ عبداً بمعصيةٍ أو بدعةٍ أو كفرٍ ، فقد تعرض لمقتِ الله وسخطهِ .. أ . هـ .
ومن صور المشاركة أيضاً للمشركين في أعيادِهم ما نشاهدهُ جلياً في بعض أسواقنا من بيع ما يستعينون به على إقامةِ شعائِر دينهم وأعيادهِم من شموع وورودٍ وبطاقاتٍ ، أو كتابةِ عبارات التهنئةِ على الحلوياتِ والورود وغيرهِا ، أو تأجيرِ الفنادق أو المسارحِ أو المجمعاتِ السكنية ليقيموا فيها حفلاتِهم وأعيادِهم ، فإن هذا كلَّه من التعاون على الإثمِ والعدوانِ ، والمالُ ا لذي يُجنى من واءِ ذلكَ سحتٌ ، وأيٌ لحمٍ نبتَ من سحتٍ فالنار أولى به ، قال تقي الدين رحمه الله : ولا يجوزُ بيعُ كلِ ما يستعينون به على إقامةِ شعائِرهم الدينية .
فاتقوا الله عباد الله : واعتزوا بدينكم وإسلامكم ، واحذروا سخط ربكم ومقته وعقابه ، وخذوا على أيدي سفهاءِكم الذين شدَّ بعضهم الرحالَ هذه الأيام إلى بلاد الكفار لمشاركتِهم في أعيادِهم، ولأجلِ أن يمتعوا أعينهم وأنفسهم بالحرامِ ، ثم يرجعوا وقد حملوا أوزارهم على ظهورِهم ، ألا ساء ما يرزون .
عباد الله : ها هنا بعضُ المسائل المهمة المتعلقةِ بهذه الأعيادِ الكفريةِ يحسنُ التنبيهُ عليها ومنها:
أولاً : لا يجوز تهنئةُ الكفار بأعيادِهم ، وإذا هنؤنا بأعيادِهم ، فإننا لا نجيبهم على ذلك لأنها ليست بأعيادٍ لنا ، ولأنها أعيادٌ لا يرضاها الله تعالى .
ثانياً : لا يجوز للمسلم أن يُهدي لمسلم أخر بمناسبةِ هذه الأعيادِ الباطلة ، ومن باب أولى أنهُ لا يجوز للمسلم أن يُهدي للكافر في يومِ عيدٍ من أعياده ، لأن ذلك يعدُ إقراراً ومشاركةً في الإحتفالِ بالعيدِ الباطل .
وإذا كانت الهديةُ مما يستعانُ بها على الاحتفال كالطعامِ والشموع ونحوه كان الأمرٌ أعظمَ تحريماً ، وذهبَ بعضُ أهلِ العلمِ إلى أن ذلك كفرٌ .
ثالثاً : يجوزُ للمسلم أن يُهدي للكافر والمشركِ ، بقصد تأليفهِ وترغيبهِ في الإسلام ، لا سيما إذا كان قريباً أو جاراً ، وقد أهدى عمرُ رضي الله عنه لأخيه المشركِ في مكة (( ثوباً )) لكن لا يجوزُ أن تكون الهديةُ للكافرِ في يوم عيدِ من أعيادهِ أو لأجلِ عيدٍ من أعيادِهم .
رابعاً : إذا أهدى كافرٌ لمسلم هديةً جازَ له قبولها ، تأليفاً لقلبه وترغيباً له في الإسلام ، كما قَبِلَ النبيُ صلى الله عليه وسلم هدايا بعضِ الكفارِ كهدية المقوقسِ وغيره .
وإذا جاءت الهديةُ من الكافر في يوم عيدهِ ، فلا حرجَ في قبولها ، ولا يعدُ ذلك مشاركةً ولا إقراراً للإحتفالِ ، قال ابنُ تيميةً رحمه الله : وأما قبولُ الهديةِ منهم يومَ عيدِهم فقد قدمنا عن علي رضي الله عنه أنه أُتى بهديةِ النيروزِ فقبلها .
لكن ذكر العلماءُ شروطاً لقبول الهديةِ من الكافرِ في يومِ عيدهِ وهي :
- ألا تكون الهديةُ من ذبيحةٍ ذبحت لأجل العيد .
- وألا تكون الهدية مما يستعان به على التشبه بِهم في يومِ عيدهم كالشمعِ والبيض ، ونحو ذلك .
- وأخيراً أن يكون قبولُ الهدية بقصد تأليفهِم ودعوتِهم للإسلام لا مجاملةً أو مودةً أو محبـة .
اللهم يا حي يا قيوم علمنا ما ينفعنا وأنفعنا بما علمتنا .

الخطبة الثانية

عباد الله : قال بعض العلماء ما مضمونه : أضاع الإسلامَ جاحدٌ وجامد، أما الجاحدُ فهو الذي يأبى إلا أن يفرنج المسلمين ويجردَّهم من جميع مقوماتِهم ويحملهم على إنكار ماضيهم ، وإذا دعا أمثال هؤلاء داعٍ إلى الإستمساكِ بقرآنِهم وعقيدتهم ومقوماتهم وباللسان العربي وآدابِهِ والحياة الإسلامية قامت قيامتهم وصاحوا لتسقط الرجعيةُ وقالوا: كيف تريدون الرقي وأنتم متمسكونَ بأوضاعِ باليةٍ قديمةٍ من القرون الوسطى ونحن في عصرٍ جديد ، ثم يضيف رحمه الله : وجميعُ هؤلاء الخلائق تعلموا وتقدموا وطاروا في السماءِ ، والمسيحي منهم باقيٍ على إنجيلهِ وتقاليده ، واليهوديُ باقٍ على توراتهِ وتلمودهِ ، واليابانيُ باقٍ على وثنيتهِ ، وهذا المسلم المسكينُ يستحيلُ أن يترقى إلا إذا رمى قرآنه وعقيدته ولباسه وفراشه وطعامه وشرابه وآدابه وانفصل من كلِ تاريخه ، فإن لم يفعل فلا حظ له في الرقي . أ . هـ .
أيها المسلمون : إن عزة الإسلام وأهلهِ عزةٌ دائمةٌ ، لا يرفعها تأخرُ حضاري ، ولا تراجعٌ علمي ، ولا انكسارٌ عسكري ، ولا تقهقر مادي ، نحن الأعزاء بالله إن صدقنا في إيماننا وإسلامنا "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين" ، قال عمر رضي الله عنه (( نحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزةَ بغيره أذلنا الله )) .
صلوا الى السراج المنير ، والبشير النذير .
اللهم أتي نفوسنا تقواها .. وزكها .
يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث أصلح لنا .
اللهم أقبل توبتنا وأغسل حوبتنا .
اللهم أرفع عنا الغلا والوباء والربا والزنا .

 

أحمد الفقيهي
  • الأسرة والمجتمع
  • شهور العام
  • قضايا المسلمين
  • الصلاة والطهارة
  • الحج
  • رمضان
  • عبادات وآداب
  • تراجم
  • مناسبات
  • الصفحة الرئيسية