اطبع هذه الصفحة


سقوط بغداد بين الماضي والحاضر
5/2/1428هـ

أحمد بن حسين الفقيهي

 
الخطبة الأولى :

إن الحمد الله نحمده ونستعينه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبد ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ً كثيرا ...
أما بعد فيا عباد الله :
التاريخ نذير قوم لا يغفل ،وشاهد حق لا يكذب ، انه عبرة لمن تذكر وادكر ، ولولا التاريخ لم يصل إلينا خبر ولا أثر ، فهو غذاء الأرواح ، وعنوان الأمم ، وخزانة أخبار الناس والرجال.
من تأمل التاريخ استنار قلبه ورشد عقله وحسن رأيه لأنه يعيش عصره بتجارب غيره ، ومن حوى التاريخ في صدره أضاف أعماراً إلى عمره .
أيها المسلمون : أن الأمة التي لا تقرأ تاريخها ، ولا تستفيد منه في حاضرها ومستقبلها ، لهي أمة مقطوعة منبتة ، ولو أن المسلمين في هذا العصر استوعبوا دروس الماضي لما أخطئوا في كثير من الأمور ، لأن من سنن الله في خلقه أن كثيراً من الأحداث التي تقع في عصر من العصور لا تلبث أن تتكرر في عصور أخرى ، يقول المؤرخ ابن الأثير : وإنه لا يحدث أمر إلا وقد تقدم هو أو نظيره ، فيزداد الإنسان بذلك عقلاً ، ويصبح لأن يقتدي به أهلا .
عباد الله : إن سقوط بغداد على يد هولاكو المغول ، فيه شبه كبير فيما حصل لبغداد في زماننا الحاضر على يد هولاكو الغرب ففي يوم الثلاثاء 22/ من شهر الله المحرم سنة 656هـ شرع المغول في الهجوم الكاسح على بغداد ، وأحاطوا بالمدينة من كل الجهات ، نصبوا عليها المنجنيق ، وأخذوا يمطرونها بوابل الحجارة ، حتى دكوا الثغرات في الأسوار والأبراج .
وفي زماننا الحاضر في يوم الخميس 17 من شهر الله المحرم سنة 1424هـ شرعت قوات التحالف في الهجوم الكاسح على بغداد ، وأحاطوا بها من كل جانب ، امطروا المدينة بوابل من الصواريخ والقنابل ، حتى دكوا الكثير من المرافق والمستشفيات وبيوت الآمنين .
أما وجه العجب عباد الله فيتضح في يوم سقوط بغداد حيث سقطت في أيدي المغول في يوم الأربعاء الموافق السابع من شهر صفر ، وفي نفس اليوم والتاريخ يوم الأربعاء من شهر صفر من عام 1424هـ سقطت بغداد ودخلتها قوات التحالف وعاثت فيها الفساد .
عباد الله : لقد كانت بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية ، موئلاً للعلم والعلماء ، ومقراً للقادة والساسة والصناع ، ازدهرت حضارتها واتسع عمرانها وصارت مهوى أفئدة الناس ، من زارها لم يخرج منها ، ومن سمع عنها اشتاق إليها ، حتى قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ليونس ابن عبد الأعلى : أيا يونس ، دخلت بغداد قال : لا : فقال الشافعي : أيا يونس: ما رأيت الدنيا ولا الناس .
أيها المسلمون : في عام 655هـ وهي السنة السابقة لغزو التتار للعراق كان بين أهل السنة والرافضة حرب شديدة ، نهبت فيها الكرخ - محلة الرافضة - حتى نهبت دور قرابات الوزير ابن العلقمي فاشتد حنقه على ذلك ، وكان هذا مما اهاجه على أن دبر على الإسلام وأهله ما وقع من الأمر الفظيع الذي لم يؤرخ أشنع منه منذ بنيت بغداد فكاتب التتار وحرضهم على قصد بغداد وظن أن الأمر يتم له وأنه سيقيم خليفة علوياً ، وسيعيد أمجاد الرافضة .
عباد الله : وإذا كان سقوط بغداد في أيدي التتار بتدبير من رافضة ومنافقي ذاك الزمان ، فإن التاريخ يعيد نفسه ، فسقوط بغداد في زماننا هذا كان بمعونة من الرافضة والعلمانيين .
لقد كاتب الرافضي ابن العلقمي التتار ، وأطمعهم في أخذ البلاد وسهل لهم ذلك ، وجلب لهم الحقيقة ، وكشف لهم ضعف الرجال وذلك كله طمعاً في أن يزيل السنة بالكلية وأن يظهر البدعة الرافضية ثم توجه نحو الجيش وقلص عدده من مائة ألف إلى عشرة آلاف مقاتل فقط.
وصل التتار إلى بغداد فأحاطوا بها من ناصيتها الغربية والشرقية وجنود بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة ، يبلغون عشرة آلاف فارس وهم في غاية الضعف ، انشد فيهم الشعراء القصائد يرثون لهم ويحزنون على الإسلام وأهله .
حين وصل التتار إلى بغداد خرج إليهم وزير الدولة ابن العلقمي وكان أول من برز وبصحبته أهله وأصحابه وخدمه وحشمه فاجتمع بهولاكو لعنه الله ، ثم عاد فأشار على الخليفة بالخروج إليه والمثول بين يديه لتقع المصالحة على أن يكون نصف خراج العراق لهم ، ونصفه للخليفة وعلى أن يزوجه ابنته على أبنه ، فخرج الخليفة في سبعمائة راكب من القضاء والفقهاء ورؤوس الدولة والأعيان ، فلما اقتربوا من معسكر هولاكو حجبوا عن الخليفة إلا سبعة عشر نفساً وأنزل الباقون عن مراكبهم وقتلوا عن آخرهم .
أما الخليفة فأحضر بين يدي هولاكو ، واضطرب كلامه من هول ما رأى من الإهانة والجبروت ، ثم عاد إلى بغداد وفي صحبته نصر الدين الطوسي والوزير العلقمي ، فأحضر من دار الخلافة شيئاً كثيراً من الذهب والحلي والجواهر ، والأشياء النفسية وكان أولئك الملأ من الرافضة وغيرهم من المنافقين قد أشاروا على هولاكو ألا يصالح خليفة المسلمين ، وقال الوزير : متى وقع الصلح على المناصفة لا يستمر هذا إلا عاماً أو عامين ، ثم يعود الأمر إلى ما كان عليه قبل ذلك .
ثم حسنوا له قتل الخليفة ، وكان هولاكو متهيباً من قتل خليفة المسلمين ، فهون الرافضة الأمر عليه ، فقتلوه رفساً حتى مات ، وقيل : بل خنق حتى مات وقتلوا معه ابنه الأكبر، وأسروا ابنه الصغير وبناته الثلاث ، وألفاً من بنات بني العباس ، وقتلوا أكابر الدولة ، حتى إن الرجل كان يستدعى من دار الخلافة فيخرج بأولاده ونسائه فيذهبون به إلى المقبرة ، فيذبح أمام أسرته كما تذبح الشاة ، ويأسرون من يختارون من بناته وحواريه .
ولقد ذكرت المصادر أن الذي أشار على هولاكو بقتل الخليفة هو الوزير ابن العلقمي ، والمولى نصير الدين الطوسي ، وكأن أحفادهم في زماننا يعيدون تاريخ أسلافهم في تضحيتهم برئيس بلدهم في يوم عيد المسلمين.
عباد الله : استمعوا إلى ابن كثير وهو يصف بغداد بعد قتل الخليفة وكأنه يصور دار السلام والعراق اليوم : " حين قتل التتار الخليفة وأعيان البلد مالوا على بغداد ، فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان ، وأعملوا السيوف في الرقاب مدة أربعين يوماً ، حتى دخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش وقني الوسخ ، وكمنوا لذلك أياماً لا يظهرون ، وكان الفئام من الناس يجتمعون في الحانات ، ويغلقون عليهم الأبواب فتفتحها التتار إما بالكسر أو بالنار ، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي المكان ، فيقتلونهم في الأسطحة حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة ، ولم ينج من أهل بغداد أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ، ومن التجأ إليهم أو التجأ إلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي .
لقد عادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلها كأنها خراب ليس فيها إلا القليل من الناس وهم في خوف وجوع وذلة وقلة ولقد تراوحت أعداد القتلى بين مليون ومليوني قتيل على اختلاف روايات المؤرخين .
أيها المسلمون : ولما انقضت الأربعون يوماً بقيت بغداد خاوية على عروشها ، ليس بها إلا الشاذ من الناس ، والقتلى في الطرقات كأنهم التلال ، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتنت البلاد من جيفهم ، وتغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد ، ولما نودي بالأمان في بغداد خرج من كانوا تحت الأرض في المقابر والحشوش كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم، وقد أنكر بعضهم بعضا ، فلا يعرف الوالد ولده ، ولا الأخ أخاه ، ولا الزوج زوجه، و أخذهم الوباء فتفانوا ، ولحقوا من سبقهم من القتلى ، وعم الطاعون بلاد الشام ، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والطعن والطاعون .
لسائل الدمع عن بغداد أخبار *** فما وقوفك والأحباب قد ساروا
يا زائرين إلى الزوراء لا تغدوا *** فما بذاك الحمى والدار ديار
تاج الخليفة والربع الذي شرفت *** به المعالم قد عفاه إقفار
علا الصليب على أعلى منابرها *** وقام بالأمر من يحويه زنار
عباد الله : كان الوزير ابن العلقمي بعد خيانته للخليفة ، وتعاونه مع هولاكو ، طامعاً أن يوليه هولاكو الحكم في بغداد مكافأة له أو أن ينصبوا غيره خليفة علوياً ، وكان لعنه الله وقبحه يريد أن يعطل المساجد والجوامع والمدارس ببغداد ، ويستمر بالمشاهد ومحال الرفض، ينشر من خلالها علمهم وعملهم بها وعليها ، لكن الله خيب ظنه ، فلم يوافقه التتار على ما أراد واطرحوه ، وصار معهم في صورة بعض الغلمان .
أيها المسلمون : كعادة أعداء الله إذا تمكنوا فإنهم يطئون جميع من تمكنوا منهم حتى من أعانوهم على ظلمهم بخيانة المسلمين ومصانعة أعدائهم ، ولقد أذاق الله ابن العلقمي عذاب الدنيا على أيدي التتار حيث أذاقوه خزي الدنيا قبل عذاب الآخرة ، حيث لم يكافئوه على معونته لهم وخيانته للمسلمين ، وكان المغولي يأتي إلى ابن العلقمي وهو جالس في مجلسه فيدخل بخيله في مجلسه ، فتبول الخيل على فرشه وبساطه ويصيبه شيء من رذاذ بولها وهو لا يقوي على الاعتراض من شدة الذل والهوان ، وقد رأته امرأة من بغداد في ذله هذا فقالت له : يا ابن العلقمي هكذا كان بنو العباس يعاملونك ، فوقعت كلماتها في قلبه ، وانقطع في داره إلى أن مات كمداً وضيقاً ، وذلك بعد ثلاثة أشهر فقط من خيانته الشنيعة ، وما مات حتى رأى بعينيه ، وسمع بإذنيه ما لا يوصف من الذل والإهانة من المغول ومن المسلمين على حد سواء .
عباد الله : تلك عاقبة العملاء والخائنين ، ولن يسلم الخائن لأمته من ذل يراه في الدنيا ولو طال به المقام، ولعل الله أن يرينا في العملاء والخائنين في هذا الزمان عذاب وذل الدنيا قبل عذاب الآخرة .
وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون .
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة .

الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين ، والعقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ، وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فيا عباد الله :
إن في سقوط بغداد في السابق والحاضر دليل واضح على دور الرافضة وخيانتهم للمسلمين ، ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية الذي سبر عقيدة الرافضة وأفعالهم فقال عنهم : يميلون مع أعداء الدين ، وقد رأينا ورأى المسلمون انه إذا ابتلي المسلمون بعدو كافر كانوا معه على المسلمين .
وقال أيضاً : وكذلك إذا صار لليهود دولة بالعراق وغيره تكون الرافضة من أعظم أعوانهم ، فهم دائماً يوالون الكفار من المشركين واليهود والنصارى ، ويعاونهم على قتال المسلمين ا.هـ رحمه الله .
عباد الله : إن الطوائف والأقليات التي ليست على دين أهل البلد هي اقرب للخيانة والغدر من الأداء والوفاء متى ما رأت الفرصة سانحة لذلك ، وإن إحسان أهل البلد إليهم سنوات متتابعة، وحمايتهم لهم ، وحفظ حقوقهم لا يمنعهم أبداً من الغدر والخيانة ، وممالأة الأعداء على أبناء أوطانهم ، وأما زعمهم أنهم وطنيون ، وأن ولائهم لأوطانهم ومصلحة الأوطان فوق أديانهم وطوائفهم ومذاهبهم ، فما هو إلا شعار يخدرون به أهل الغفلة من الناس .
بغداد يا دار الرشيد تجلدي *** لا هنت بل هان العميل ومن غدا
نعلاً لأمريكا وشرطيا لها *** متذللين وبعضهم صاروا يدا
يتسابقون لنصرهم حتى غدا *** رمز الجهاد مطارداً ومشردا
فلقد ذكرت أبا رغال بفعلهم *** والعلقمي أراه عاد مجددا
اللهم ربنا عز جارك وتقدست أسماؤك وجل ثناؤك سبحانك وبحمدك .

 

أحمد الفقيهي
  • الأسرة والمجتمع
  • شهور العام
  • قضايا المسلمين
  • الصلاة والطهارة
  • الحج
  • رمضان
  • عبادات وآداب
  • تراجم
  • مناسبات
  • الصفحة الرئيسية