اطبع هذه الصفحة


خنساوات فلسطين
19/10/1427هـ

أحمد بن حسين الفقيهي

 
الخطبة الأولى :
عباد الله : في مثل هذا اليوم ، في الجمعة الماضية كان توقيت ذلك الحدث العظيم الذي تجلت فيه صور الشجاعة والإباء.
حدث أعاد لنا أمجادنا السابقة ، وذكرياتنا الخالدة وسيبقى ذكرى تستلهم منه الأجيال اللاحقة الدرس والعبرة ،
فيا ترى ما هو ذلك الحدث ، وأين مكانه ؟ ومتى زمانه ؟
أيها المسلمون : لقد نما إلى علم اليهود أن مسجد النصر ببيت حانون يتحصن فيه قرابة سبعين مقاوماً من المقاومة الفلسطينية ، فبدأت قوات الاحتلال بمحاصرة المدينة ، وضيقت الخناق على الحي الذي يوجد فيه المسجد ، ثم اقترب العدو بدباباته وجرافاته حتى أحاطت بالمسجد من جميع الجهات و اعتلى القناصة من الجيش اليهودي أسطح المنازل المجاورة .
عباد الله : قام المجاهدون قبل صلاة الفجر من يوم الجمعة بمشاغلة العدو بالأسلحة التي يملكونها والتي أوشكت على النفاد ، وقام أخوانهم في خارج المسجد في الخطوط الخلفية بفتح جبهة أخرى لإنهاك العدو ، وإطلاق القذائف على تجمع الآليات الصهيونية ، أما دور النساء في هذه المعركة والتي أطلق عليها اسم معركة ( أهل الجنة ) فترويها لكم قائدة تلك المظاهرة فتقول : بعد توارد الأخبار عن حصار عدد من المجاهدين في مسجد النصر كنا نعد الثواني طوال الليل ، وما أن صلينا الفجر ، وأشرقت الشمس حتى وجدت مئات من النساء بانتظاري ، خرجنا جميعاً في مسيرة حاشدةٍ صوب بيت حانون مستنفرات قابضات على الجمر ، نبتغي نصرة إخواننا وأبنائنا ، وإنقاذ المحاصرين سرنا وكان شعارنا في تلك المسيرة ( الله أكبــر قادمون يا بيت حانون ) ، تقول إحدى المشاركات : تسلحنا بلا إله إلا الله والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وسرنا إلى بيت حانون ، وكنا نتذكر أمهات المؤمنين عائشة وخديجة ونحن نسير نحو جيش الاحتلال ، وكنا على يقين أن الله معنا ولن يتركنا .
لقد ساروا ولسان حالهم يقول :
من ذا يقوم ويسقي الترب من دمـــه * مـن ذا يضرج باب المجد يستطر
من ذا يكبر لا يلوي على أحـد؟ * من ذا يشمر للعلياء يبتــــــدر
الله أكبر في الساحات نسمعها * الله أكبـر بالأعـداء تنفجر
الله أكبر يا رباه أحي بــنا * روح الشهـادة فالأعداء قد كثروا
تكالبوا واستقروا في مرابعـنا * أواه يـا أمتي الأورام تنتشـــر
لا يصلح الحال درب لا دماء به * فما الحلول ولا الأوهام تــزدهر
لا يرجع الحق إلا خفق الوية * تطوي الثريا وللأفاق تنتشـر
لن يُسعف الحال إلا مهجة عزمت * تسقي التراب وترويه وتصطـبر
أيها المسلمون : اجتازت مسيرة النساء محطات من الحصار العسكري الصهيوني ، ووصلت إلى مقربة من المســـجد وعندها قام اليهود بالنداء على النساء عبر مكبرات الصوت بعدم الاقتراب والعودة إلى منازلهن ، لكن مسيرة الماجدات لم تتوقف ، وأصررن على فك الحصار حتى ولو كلفهن ذلك أرواحهن ، عندها أطلق العدو الرصاص غزيراً ، فسال الدم من سيدات فلسطين وصباياها ، وسقط منهن عدد من الشهيدات وكثيرٌ من الجريحات ، لكن إصرارهن كان أكبــر من رصاص المحتل الغادر ، وأكبر من الآلام التي ترافق الجراح ، وأكبر من تمزيق الأجساد بالرصاص ، تقول قائدة المسيرة : كنا نعلم أن العدو سيواجهنا بأي طريقة ، وكنا نعلم أنهم جبناء ، فقررنا المواجهة ، ونحن مستعدات لدفع الثمن أياً كان إما الحياة بعزة أو الموت في سبيل الله ، هكذا خرجنا ، ومن يخرج بهذه النفس ، وبهذه القوة فسينصره الله عز وجل .
عباد الله : استطاعت النساء الفلسطينيات رغم القذائف والدبابات من الوصول إلى مقر الحصار ، ونجحن بحمد الله في التغطية على المجاهدين المحاصرين الذين انسحبوا من دائرة الحصار وانتشروا في خطوط أخرى لمواجهة الاحتلال .
أيها المسلمون : لقد هال خروج أولئك النسوة الأعداء قبل الأصدقاء ، ولقد أنصف الأعداء أولئك الفارسات في ظل صمت قنواتنا وشاشاتنا وانشغالها بالفنانات والراقصات وأرباب الشهوات ، يقول وزير القضاء الإسرائيلي السابق : إن ما قامت به هؤلاء النسوة هو أسطورة ، وموقف بطولي ، سيضفي المصداقية والاحترام على النضال الفلسطيني وسيصبحن هؤلاء النسوة مثالاً سيحرص على اقتدائه الفلسطينيون والعرب والمسلمون في جميع أنحاء العالم ، ويقول أيضاً أحد المعلقين العسكرين : إن هؤلاء النسوة صنعن تاريخاً بعد أن تزودن بإيمان كبير وعقيدة صلبة جعلهن يقدمن على هذه المخاطرة من أجل العمل على فك الحصار عن المقاومين الفلسطينين الذين كانوا محاصرين في المسجد .
أيها المسلمون : لقد خرجن أولئك النسوة ونجحن في تحقيق مرادهن ، خرجن ليسجلن موقفاً نحن في أمس الحاجة إليه وسط هذا العجز العربي القاهر خرجن ليلقين بأنفسهن في أتون الموت من أجل أن نعتدل في جلستنا ، وحتى نرفع رؤوسنا قليلاً بعد حقبة من الطأطأة الطويلة .
لكن الله يا نساء فلسطين حيث أعدتن لنا ذكرى صفية وأم عمار ، وأزلتن عنا خزي الجبناء وعار العملاء :
من خلفكن ألوفهم أصفار * وكبارهم بجاوركن صغار
يا من فعلتن الذي عن فعله * دول نأت واستنكف المليار
من قال إن المعجزات قد انتهت * ووجودكن لعصرها استمرار
لا عذر بعد خروجهن لقـاعد * منا وليست تقبل الأعـذار
يابيت حانون اشربي ما شئت * من دمنا ولو منـه جرت أنهار
لن نستريح وفي عيونك دمعـة * وفداؤك الأرواح والأعـمار
والنصر آت لا محالة فاصبـري * فعدونا متخبطٌ منهـار
زفت نهايته وهذا نعشه * في كـل زاويةٍ به مسمار
وظلام ليلك لن يطول فأبشري * ميعادنا شمـس غداً ونهارُ

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة ..

الخطبة الثانية
عباد الله : إن العداوة بيننا وبين اليهود مبدأ ثابت لا يتغير ولا يزول كما قرره ربنا سبحانه في كتابه ولذا فالحرب بيننا وبين اليهود مستمرة ، ومهما حاول أذناب اليهود والنصارى وعملائهم من بني جلدتنا أن يقنعونا نحن المسلمين بإمكان أن تحل المحبة محل العداوة ، وأن يحل السلام مكان الحرب فإن ذلك محال وسراب ، كيف والمولى سبحانه يقول:  [وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] {البقرة:120}
أيها المسلمون : حدثوني بربكم مذا جنينا من اتفاقات مدريد و أوسلوا وخارطة الطريق ، هل قللت من عدد شهدائنا ؟ وهل أعادت مقدساتنا؟ وهل حفظت ماء عزتنا وكرامتنا ؟ أم أنها زادتنا وزادت إخواننا هناك عذاباً فوق العذاب بما كان يعمله ويعقده العملاء الخائنون ، ولقد أثبتت لنا التجارب أن ما انتــزع بالقوة لا يسـترد إلا بالقوة ، وأن راية الحق إذا ارتفعت تصاغرت أمامها كل راية .
يا مسلمون : ليس الخوف على الإسلام وانتصاره فلهذا الدين رب يحميه ، ولكن الخوف أن يستبدل الله قوماً غيـــرنا لتحقيق موعوده وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم  . الآية.
عباد الله : إن عجزنا عن نصرة إخواننا بأنفسنا فلننصرهم بأموالنا ودعائنا ولن نعدم بإذن الله مستجاب الدعوة يفتح الله على أيديه أبواب النصر لإخوانه المسلمين .
ثم صلوا رحمكم الله على الهادي البشير .

 

أحمد الفقيهي
  • الأسرة والمجتمع
  • شهور العام
  • قضايا المسلمين
  • الصلاة والطهارة
  • الحج
  • رمضان
  • عبادات وآداب
  • تراجم
  • مناسبات
  • الصفحة الرئيسية