اطبع هذه الصفحة


القرآن الكريم
7/4/1428هـ

أحمد بن حسين الفقيهي

 
الخطبة الأولى :
فيا عباد الله : كانت البشرية تعيش في ظلام دامس ، وليل بهيم ، لعبت بعقولها الانحرافات والخرافات ، حتى أكرما الله وأنزل عليها القرآن ، ليخرجها من الظلمات إلى النور ، ومن الخضوع للأوثان والأصنام إلى الخضوع الكامل للواحد الديان، وإن المتطلع اليوم في واقع كثير من الناس وسط أجواء المتغيرات المتكاثرة ، والركام الهائل من المصائب والبلايا ، يلحظ بوضوح حاجة النفوس إلى تحصيل ما يثبت قلوبها ، ويطفئ ظمأها ، ويجلو صداها ، وذلك كله موجود في كتاب الله عز وجل ، ذلكم الكتاب الذي جعله الله سبحانه عمدة الملة ، وآية الرسالة، لا طريق إلى الله سواه ، ولا سبيل إلى النجاة بغيره ، فهو سلوة الطائعين ، ودليل السالكين ، ولذة قلوب المتقين ، كيف لا وهو كلام رب العالمين ، المنزل على سيد المرسلين بلسان عربي مبين ، " تنزيل من حكيم عليم " .
أيها المسلمون : إذا كان الأنبياء السابقون عليهم السلام قد أوتوا من المعجزات ما آمن عليه البشر في وقتهم ، ثم انتهت تلك المعجزات بموتهم وفناء أقوامهم ، فإن الذي أؤتيه محمد صلى الله عليه وسلم ، كان وسيظل معجزة يدركها اللاحقون بعد السابقين ، ويراها المتأخرون كما يراها المتقدمون ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : "ما من الأنبياء نبي إلا وأعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة " أخرجه مسلم .
القرآن عباد لله هو المصباح الذي لا تنطفئ مصابيحه ، والمنهاج الذي لا يضل ناهجه ، والعز الذي لا يهزم أنصاره، انزله الله في أمة تتباهى بالفصاحة والبيان ، وتتفاخر بالبلاغة وجزل الكلام فتحداهم الله جميعاً انسهم وجنهم فقال سبحانه : " قل لئن اجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " .
عباد الله: لقد حاول الأعداء قديماً وحديثاً العبث بالقرآن ، والتشويش في صدقه ، شككوا في تنزيله ، وطعنوا في جمعه وتدوينه ، ونالوا من قراءته وحروفه ، ثم رجعوا في النهاية خائبين، إذ أذعن لفصاحته بلغاؤهم ، وانقاد لحكمة حكماؤهم ، وابهر بأسراره علماؤهم ، أرسلت قريش أحسن رجالاتها ليكلم النبي صلى الله عليه وسلم ، فجاء الوليد بن عتبة ، وكلم النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً وهو منصت ، فقرأ عليه مطلع سورة فصلت حتى بلغ قوله تعالى : " فان اعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود " ، فامسك عتبة على فيه، وناشده الرحم ، ثم رجع إلى أهله ، واعتزل قريش فترة ، فلما جاء قريش قال بعضهم لبعض، لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلما جلس إليهم قالوا ما وراءك ؟ قال ورائي أني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالسحر ، ولا بالشعر ، ولا بالكهانة ، قالوا : سحرك يا أبا الوليد بلسانه قال هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم ...
أتى بكتاب اعجز الخلق لفظه * فكل بليغ عذره صار أبكما
تحدى به أهل البلاغة كلهــم * فلم يفتحوا فيما يعارضه فما
حوا كل برهان على كل مطلب * ويعرف هذا كل من كان أفهما
أيها المسلمون : إن صلة الكثير من الناس بكتاب ربهم يكتنفها شيء من الهجران والعقوق سواء في تلاوته أو تدبره أو في العمل به ، والله سبحانه وتعالى لم ينزل كتابه ليتلى باللسان تلاوة مجردة عن التدبر والفهم ، منفصلة عن العلم والعمل ، ولا ليكتب على لوحات وملصقات تزين بها الجدران ومداخل البيوت ومجالسها ، ولم ينزله سبحانه ليكتب في حجب وحرز وتمائم تعلق على الأكتاف وفي الرقاب ، لتدفع بها العين ، ويرد بها البلاء ، وما أنزل القرآن ليقرأ على الموتى والأضرحة أو في المناحات باسم العزاء ، وما أنزل القرآن لتفتتح بها الإذاعات والقنوات ثم يتلوه العزف والطب والغناء ، لقد أنزل الله القرآن ليقرأ وليتدبر ، وليتذكر به من يتذكر ، : " كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب " .
أيها المسلمون: إن الله سبحانه امتدح من يتلون كتابه ووعدهم بالمزيد من فضله : " إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله انه غفور شكور " ، فلا تبخلوا بالأوقات على كتاب الله تعالى فهو خير لكم من حطام الدنيا التي يتنافس البعض عليها، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم ، " أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد ثلاث خلفات عظام سمان ؟ فقالوا : نعم ، فقال صلى الله عليه وسلم : فثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته خير من ثلاث خلفات عظام سمان " أخرجه مسلم ، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أقرؤوا القرآن ، فإنكم تؤجرون عليه ، وكل حرف عشر حسنات ، أما إني لا أقول : ( ألم ) حرف ، ولكن ألف عشر ولام عشر ، وميم عشر ، فتلك ثلاثون " أخرجه الخطيب .
يا أهل القرآن : هاهي سير بعض سلفكم وحالهم مع القرآن ، يقول عثمان بن عفان رضي الله عنه : لو طهرت قلوبكم ما شبعت من كلام الله ، وها هو أبو حنيفة النعمان يصلي صلاة العشاء خلف الإمام فيقرأ الإمام: " إذا زلزلت الأرض زلزالها " فلما قضى الإمام الصلاة وخرج الناس , نظر المؤذن إلى أبى حنيفة وهو جالس يفكر , فقلت : أقول لا يشتغل قلبه بي فلما خرجت أنزلت القنديل , ولم يكن فيه إلا زيت قليل , فجئت وقد طلع الفجر وهو قائم قد اخذ بلحية نفسه , وهو يقول : يا من يجزي بمثقال ذرة خير خيرا ، ويا من يجزي بمثقال ذرة شر شرا، أجر النعمان عبدك من النار ، وما يقرب منها من السوء وأدخله في سعة رحمتك ، قال :فأذنت فلما دخلت قال : تريد أن تأخذ القنديل ، قلت : قد أذنت لصلاة الغداة ، قال : أكتم علي ما رأيت ، وركع ركعتي الفجر ، وجلس حتى أقمت الصلاة وصلى معنا الغداة على وضوء أول الليل .
يروى أن بعض فقهاء مصر دخلوا على الشافعي رحمه الله وهو في المسجد وبين يديه المصحف ، فقال لهم الشافعي : شغلكم الفقه عن القرآن ، وإني لأصلي العتمة وأضع المصحف بين يدي ، فما أطبقه حتى الصبح.
عباد الله : إنه بقدر ما تكشف هذه النصوص عن قدر القرآن وقيمته وصرف الهمم له عند هؤلاء الأخيار ، فهي تكشف أيضاً عن جلدهم وطول مكثهم في تلاوته وتدبره ، كيف لا والمشغول بالقرآن يعطى أفضل ما يعطى السائلون :
أخرج الإمام الترمذي في جامعه في الحديث القدسي يقول الرب تبارك وتعالى : " من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين " ..
يا حامل القرآن إن تك هكذا * فلك الهنا بفوز عقبى الدار
ومتى أضعت حدوده لن تنتفع * بحروفه وسكنت دار بوار

الخطبة الثانية :

فيا عباد الله : إن الموعظة بالقرآن لا تقتصر على جيل دون جيل ، ولا على فئة من الناس دون أخرى ، وإن الله جعل القرآن مأدبته الأخيرة من السماء ، لم ينزله جملة كغيره من الكتب بل نجوماً متفرقة مرتلة ما بين الآية ، والأثنتين والآيات ، والسورة والقصة ، في مدة زادت على عشرين سنة ، وذلك لتتلقاه الأمة بالحفظ ، وليستوي في تلفقه في هذه الصورة الكليل والفطن ، والبليد والزكي ، والفارغ والمشغول والأمي وغير الأمي ، فيكون لمن بعدهم فيهم أسوة في نقل كتاب الله حفظاً قرناً بعد قرن وخلفاً بعد سلف .
أيها المسلمون : لقد كانت المنازل في السابق يعرف أهلها بقراءتهم لكتاب الله يقول صلى الله عليه وسلم : أني لأعرف أصوات .الأشعريين بالليل حين يدخلون ، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل ، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار ... رواه المسلم . يقول أبو هريرة رضي الله عنه " البيت الذي يتلى فيه كتاب الله كثر خيره ، وحضرته الملائكة ، وخرجت منه الشياطين ، والبيت الذي لا يتلى فيه كتاب الله ضاق بأهله ، وقل خيره ، وحضرته الشياطين ، وخرجت منه الملائكة " .
أيها المسلمون : أه على بيوت المسلمين حين تعج بالأصوات المنكرة ، والصور الفاضحة ، وترى فيها كل شيء إلا القرآن أو ترى القرآن ولكن لا ترى عليه أثراً للقراءة ، وكأن البركة تكفي لوجوده ولو كان مهجوراً .
كم من أناس في هذا الزمن تولعوا بالغناء والمعازف حتى لا تفارق مسامعهم هجروا كتاب الله فلا يقرؤونه بل ولا يطيقون سماعه أحياناً .
بيوت يحيا ليلها ويقضى نهارها بسماع الغناء والمعازف ، حتى إن أصواتها لتنبعث من وراء الجدران ، مبالغة في الجهر بالعصيان .
كم من بيوت خلت من ذكر الرحمن ، وعلا ضجيجها بمزمار الشيطان ، فانتشرت الشياطين في أرجائها ، وتربعت في أركانها ، وجالت في قلوب أصحابها ، فحرفتهم عن سبيل الغي والفساد ، فكثرت فيهم الأمراض النفسية ، والأحكام المزعجة .
مساكين من يمضون في قراءة الجرائد ونحوها كل يوم أضعاف ما يمضونه لقراءة القرآن .
مساكين من يقفون على أقدامهم أو يجلسون على الأرائك بأحاديث لا منفعة من ورائها ، ثم تراهم يتضايقون حين يجلسون دقائق معدودة لقراءة القرآن .
عباد الله : عظموا كتاب ربكم واستشفوا به من أدوائكم ، واطلبوا به النصر على أعدائكم ، وميزوا به بين أعدائكم وأصدقائكم ، ثم صلوا على نبيكم كما أمركم الله بذلك في كتاب بركم .

 

أحمد الفقيهي
  • الأسرة والمجتمع
  • شهور العام
  • قضايا المسلمين
  • الصلاة والطهارة
  • الحج
  • رمضان
  • عبادات وآداب
  • تراجم
  • مناسبات
  • الصفحة الرئيسية