اطبع هذه الصفحة


الموتة الصغرى (النوم)
20/3/1429هـ

أحمد بن حسين الفقيهي

 
الخطبة الأولى :
عباد الله : نعم الله علينا في هذه الحياة كثيرة لا تعد ولا تحصى ، نتقلب فيها صباح مساء ، لا غنى بنا طرفة عين عن واحدة منها .. [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ] {إبراهيم:34} ، ومن بين تلك النعم عباد الله التي امتن الله بها علينا ، نعمة نتلبس بها كل يوم ، تتكرر في حياتنا ، ونحن عنها غافلون ، وعما فيها من العبر والعظات معرضون.
تلك النعمة عباد الله هي نعمة النوم الذي جعله الله تعالى رحمة بالعباد لترتاح أبدانهم ، وتسكن جوارحهم ، وتهدأ أنفسهم ، ولا يدرك قدر نعمة النوم إلا من أصيب بمرض أو أرق أو مسه جوع أو برد ، أو حالت دون نومه الهموم والغموم .
أيها المسلمون : النوم نعمة أمتن الله بها على عباده ، ودعاهم ليتفكروا فيها ويشكروا الله تعالى عليها فقال سبحانه : [وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ] {الرُّوم:23} ، فيا ترى أي قوة في هذا الكون سوى قوة الله تستطيع أن تجعل الليل هادئاً ساكناً للمنام ، والنهار مبصراً للحركة وانتشار الأنام ؟ وأي قوة ــ مهما بلغت ــ تستطيع أن تتصرف لو استمر الزمان ليلاً سرمدياً أو نهاراً أبديا ؟ [قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ [قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ] {القصص:71} ، [قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ] {القصص:72} .
عباد الله: إن العبد إذا تدبر نعم الله عليه وتبصر فيها ، ووازن بين حالة وجودها وبين حالة عدمها ، تنبه عقله لمواضع المنة ، بخلاف من جرى مع العوائد ورأى أن هذا أمر لم يزل مستمراً ولا يزال ، وعمي قلبه عن الثناء على الله بنعمه ورؤية افتقاره إليها في كل وقت ، فإن هذا لا يحدث له فكره شكراً ولا ذكرا .
أيها المسلمون : في النوم سر من أسرار الله الدالة على قيوميته ووحدانيته ، وأنه سبحانه المتفرد بتدبير العباد في يقظتهم ومنامهم ، [وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ] {الأنعام:60} .
عباد الله : إن الأنفس يتوفها الله جميعاً عند نومها ، فإذا شاء أن يفسح لبعضها في الأجل ، أعادها إلى الحياة مرة أخرى ، ومن قدر عليها الوفاة أمسكها فلا يقظة بعد هذه النومة إلا يوم ينفخ في الصور ، فمن ذا الذي يقدر على هذا ويقدره سوى الله جل جلاله ، [اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا المَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ] {الزُّمر:42} .
أمامك يا نومان دار سعـــادة * يطول الثوى فيها ودار شقــــــــاء
خلقت لإحدى الغايتين فلاتنم * وكن بين خوف منهما ورجاء
أيها المسلمون : لقد كان للمصطفى صلى الله عليه وسلم هدى عظيم في النوم ، حيث كان ينام أول الليل ، ويقوم آخره ، و اعدل النوم وأنفعه للبدن والأعضاء كما يقول الأطباء ثمان ساعات في اليوم والليلة أي ما يعادل ثلث الليل والنهار، وإذا لم يأخذ المرء كفايته من النوم أضر بنفسه ، وأوردها موارد التلف والهلاك ، وإذا نام زيادة على مقدار الحاجة اعتاد الخمول والكسل ، وفوت على نفسه الكثير من مصالح الدنيا والآخرة ، وقد جاء في منثور الحكم "من لزم الرقاد عدم المراد" .
عباد الله: لقد كره العلماء نوم الصبحة لضرره على البدن حيث يضعف القوى وينهك البدن ويورث الأمراض ، ولأن أول النهار وقت الرزق والسعي شرعاً وعرفاً ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: اللهم بارك لأمتي في بكورها ، وقد رأى ابن عباس رضي الله عنهما ابناً له نائماً نومة الصبحة فقال له: قم ، أتنام في الساعة التي تقسم فيها الأرزاق ، وجاء عن بعض التابعين قوله : إن الأرض تعج من نوم العالم بعد صلاة الفجر .
وقد أحسن القائل حين قال :
ألا إن نومات الضحى تورث الفتى * خبالا ونومات العصر جنــــون
ألا إن بين الظهير والعصر نومـــة * تحاكي لأصحاب العقول فنون
عباد الله : لقد كان نبيكم صلى الله عليه وسلم ينام على شقه الأيمن ويضع يده اليمنى تحت خده الأيمن ثم يقول : اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك .. أخرجه أو داوود وغيره ، ولما رأى صلى الله عليه وسلم رجلاً نائماً على بطنه نهاه عن تلك الضجعة وقال : " مالك وهذا النوم ، هذه نومة يكرهها الله ، أو قال : يبغضها الله "، ، وسبب الكراهة عند هذه الرقدة أنها ضجعة أهل النار كما صح بذلك الحديث عند ابن ماجة رحمه الله تعالى.
أيها المسلمون : لقد رعى الإسلام المسلم في كل شؤونه ، فها هو الحبيب صلى الله عليه وسلم يأمر المسلم أن ينفض فراشه قبل أن يضطجع عليه بقوله : "إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة ثوبه " وفي رواية " فليأخذ إزاره فلينفض بها فراشه وليسم الله فإنه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه " .
عباد الله : إن من أدب الإسلام عند المنام ألا ينام المرء وبيده بقايا من أثر الطعام حتى يغسلها، قال عليه الصلاة والسلام : " من نام وفي يده غمر ولم يغسلها ، فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه " رواه احمد وصححه الألباني. والغمر هو الدسم والزهومة من اللحم وغيره ، وقد ذكر أهل الطب أن رائحة الدسم قد تجذب بعض أنواع الحشرات أو الحيوانات التي قد تسبب للإنسان أنواع من الأذى .
عباد الله : لما كان النوم هو المحطة الأخيرة في يوم المسلم ، وقد يكون المحطة الأخيرة في عمره الدنيوي ، حسن أن يختم المسلم يومه بالطهارة وذكر الله عز وجل، جاء في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة" أخرجه الشيخان ، ومن هديه عليه الصلاة والسلام في ذكره لله عند النوم أنه يجمع كفيه ، ثم ينفث فيهما ، ويقرأ فيهما بـ قل هو الله أحد ، وقل أعوذ برب الفلق ، وقل أعوذ برب الناس ، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده ، يبدأ بهما على رأسها ووجهه ، وما أقبل من جسده ، يفعل ذلك ثلاث مرات .
عباد الله : هناك الكثير من الأذكار الواردة عن نبينا صلى الله عليه وسلم عند النوم ، وحري بنا أن نحافظ عليها وأن نكون قدوة صالحة لأبنائنا في أدائها والمحافظة عليها ، وكم يحسن أن يشجع الأولياء أولادهم على حفظ هذه الأذكار لتكون حصناً لهم من الشيطان ، وليحوزوا بها رضا الرحمن .
عبد الله : إذا كنت لا تدري إذا صعدت روحك إلى بارئها ــ حال النوم ــ أتكون ممن تمسك روحه فلا تعود ، أم ممن ترسل لتستكمل بقية أجلها ، فليس يليق بك أن تودع الدنيا بالفجور والعصيان أو أن يكون آخر ما يقرع سمعك ما يغضب الرحمن ، بل ودع الدنيا بخير ما ينبغي أن تودع به من ذكر الله ، وعزيمة على القيام لأداء فريضة الله ، وإذا أنعم الله عليك وأمد في عمرك فاستيقظت فاحمد الله ، وقل كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم : "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور" أخرجه البخاري ومسلم .
اللهم يا حي ياقيوم فقهنا في الدنيا ، وارزقنا شكرك وذكرك وحسن عبادتك .

الخطبة الثانية

عباد الله : أعمار أمة محمد صلى الله عليه وسلم ما بين الستين والسبعين ، ومن نام في يومه وليلته ثمان ساعات وأمد الله في عمره حتى بلغ 60 سنة فقد أمضى من عمره عشرين سنة نائماً ، وإن العاقل منا حين يدرك مضي كل هذا العمر في النوم ، العاقل هو من ينتفع بنومه ، ويضمه إلى ميزان حسناته ، ويجعله عبادة يثاب عليها ، بدلا من أن يخسر كل هذا الكم من ساعات وأيام حياته دون فائدة ، وقد كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول : " إني لأحتسب نومتي (أي أرجو الثواب عليها ) كما احتسب قومتي " .
أيها المسلمون : إن المتأمل اليوم في حال العلماء الربانيين ، والدعاء المخلصين يلحظ قلة نومهم ــ مع حرصهم على أخذ كفايتهم ــ وهذا هو ديدن السلف رحمهم الله تعالى ، لا يطعمون الكرى إلا قليلا ، ولا يهجعون في ليلهم إلا يسيرا ، تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ، قال الحسن البصري رحمه الله : توبوا إلى الله من كثرة النوم والطعام ، وقال ابن قدامة المقدسي رحمه الله : وينبغي ألا ينام حتى يغلبه النوم ، فقد كان السلف لا ينامون إلا غلبة ، ويقول الضحاك رحمه الله : أدركت أقواما يستحيون من الله في سواد هذا الليل من طول الضجعة .
فاتقوا الله عباد الله ــ واحرصوا رحمكم الله على هدى الإسلام وأدبه في النوم وغيره من شؤون الحياة تفوزوا وتفلحوا .
ثم صلوا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه .


 

أحمد الفقيهي
  • الأسرة والمجتمع
  • شهور العام
  • قضايا المسلمين
  • الصلاة والطهارة
  • الحج
  • رمضان
  • عبادات وآداب
  • تراجم
  • مناسبات
  • الصفحة الرئيسية