اطبع هذه الصفحة


مع الصديـــــــق رضي الله عنــه (2)
16/8/1430هـ

أحمد بن حسين الفقيهي

 
الخطبة الأولى :
عباد الله : بين الفينة والأخرى تمل النفس وتكسل ، وتغفو عن الخير والطاعة وتغفل ، والنظر في سير الصالحين وخاصة مع قرب مواسم الخيرات ، يعيد للنفس بهجتها ونشاطها ، ويذكي فيها الحماس للحاق بركب الأوائل الذين اشتروا الآخرة بالدنيا ، وإن من أولئك الصالحين الذين لا تكل النفس من الحديث عنهم خير الخلق بعد الرسل والأنبياء، إنه السابق إلى التصديق ، المؤيد من الله بالتوفيق ، والملقب بأبي بكر الصديق رضي الله عنه.
أيها المسلمون : إن الابتلاءات والعقبات في طريق الداعية إلى الله هي المحك الذي يبرز معادن الناس وأخلاقهم وثباتهم ، ولنا في الصديق عبرة فها هو رضي الله عنه يناشد النبي صلى الله عليه وسلم الجهر بالدعوة ، والمصطفى عليه الصلاة والسلام يدعوه إلى الرفق واختيار اللحظة المناسبة ، وحين حانت تلك الساعة وقف أبو بكر رضي الله عنه في الناس خطيباً داعياً إلى الله وإلى رسوله، فسار المشركون إلى أبي بكر وضربوه ضرباً شديداً ، حتى ما يعرف وجهه من انفه، ثم حمل إلى بيته وهو بين الحياة والموت .
عباد الله : أترونه حين أفاق سئل عن صحته وبدنه ، أو اطمئن على ثروته وماله ، أو دعا أسرته وولده ، كلا والله فقد كان أول ما قال بعد ما أفاق آخر النهار : ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبروه أنه في دار الأرقم ابن أبي الأرقم ، فحلف بالله أن لا يذوق طعاماً ولا شراباً حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمهله أهله حتى هدأ الناس وسكنوا ثم حملوه حتى ادخلوه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تقول عائشة وهي راوية القصة : أكب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله ، واكب عليه المسلمون ، ورق له رسول الله صلى الله عليه وسلم رقة شديدة ، فقال أبو بكر : بأبي وأمي يا رسول الله ، ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي .. ، هكذا كان حب أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهكذا ينبغي أن يكون الحب والفداء مهما كان الثمن فداءً للعقيدة والإسلام والدعوة .
عباد الله : وقف علي رضي الله عنه على المنبر فقال : من أشجع الناس قالوا : أنت يا أمير المؤمنين فقال : أما إني ما بارزني احد إلا انتصفت منه ، ولكن هو أبو بكر ، إنا جعلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشاً فقلنا : من يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يهوي عليه احد من المشركين ؟ فو الله ما دنا منه احد إلا أبو بكر شاهراً بالسيف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه ، فهذا أشجع الناس ، ولقد رأيت رسول الله وأخذته قريش فهذا يحاده ، وهذا يتلتله ويقولون : أنت جعلت الآلهة إلها واحداً ؟ فو الله ما دنا منه أحداً إلا أبو بكر يضرب هذا ويجاهد هذا ويتلتل هذا وهو يقول : ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ، ثم رفع علي بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت لحيته ثم قال : أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون خير أم هو ؟ فسكت القوم فقال علي: فو الله لساعة من أبي بكر خير من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون ، ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا أعلن إيمانه .
أيها المسلمون : قد يستغل بعض الشجعان قوته وبطشه في إيذاء الناس والتعدي عليهم ، ولكن أصحاب المقامات وذوي الشرف والوجاهات يعتصمون بالوقار والاحتشام ويستزيدون من خلائق الصدق والمروءة والوفاء ، مع مراعاة لحقوق الناس درءاً للشرور ، ودفعاً لساقط الأمور، يقول ربيعة الأسلمي رضي الله عنه : جرى بيني وبين أبي بكر كلام فقال لي كلمة كرهتها ، وندم أبو بكر عليها فقال : يا ربيعة رد علي مثلها حتى يكون قصاصاً، قلت: لا أفعل ، قال أبو بكر: لتقولن أو لاستعدين عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاءني ناس من قومي من اسلم فقالوا : رحم الله أبا بكر في أي شيء يستعدي عليك ؟ وهو الذي قال لك ما قال ؟ فقلت : أتدرون من هذا ؟ إنه أبو بكر ثاني اثنين ، وهو ذو الشيبة في الإسلام ، إياكم لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيغضب لغضبه ، فيغضب الله لغضبهما فيهلك ربيعة ، وأنطلق أبو بكر وتبعته وحدي حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه الحديث كما كان فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إليّ رأسه فقال يا ربيعة: ما لك وللصديق ؟ فقلت يا رسول الله: كان كذا وكذا ، فقال لي أبو بكر كلمة كرهتها وطلب مني أن أقول كما قال حتى يكون قصاصاً فأبيت ، فقال صلى الله عليه وسلم أجل لا ترد عليه ولكن قل : غفر الله لك يا أبا بكر ، فقلت : غفر الله لك يا أبا بكر ، قال الحسن البصري : فولى أبو بكر رضي الله عنه يبكي .. اخرج القصة الإمام احمد في مسنده .
أيها المسلمون : لقد كان أبو بكر رضي الله عنه يكره أن يسيء إلى أحد أو يؤذي غيره ، لأنه رضي الله عنه وهو الودود المؤدب يعلم أثر الإساءة في النفس وألمها ، ومع ذلك كان يغضب إذا أؤذي، وغضبه رضي الله عنه يغضب النبي صلى الله عليه وسلم فينتصر له عليه الصلاة والسلام ويرد له حقه ، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما صاحبكم فقد غامر أي دخل في غمرة الخصومة ، فسلم أبو بكر وقال : يا رسول الله انه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى عليً ، فأقبلت إليك، فقال صلى الله عليه وسلم : يغفر الله لك يا أبا بكر .. ثلاثاً .. ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل : أثم أبو بكر ؟ قالوا : لا ، فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه ، فجعل وجه النبي صلى الله لعيه وسلم يتمعر أي تذهب نضارته من الغضب ، فلما رأى ذلك أبو بكر أشفق وجثا على ركبتيه وهو يقول : يا رسول الله ، والله أنا كنت أظلم ، يا رسول الله : والله أنا كنت اظلم .. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله بعثني إليكم ، فقلتم كذبت ، وقال أبو بكر صدق ، وواساني بنفسه وماله ، فهل انتم تاركو لي صاحبي ، فهل أنتم تاركو لي صاحبي ...
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد * جاءت محاسنه بألف شفيع
عباد الله : كثيرون الذين ينجحون في وظائفهم وفي حياتهم الخارجية ، ولكن القليل من أولئك الناجحين من ينجح في حياته الأسرية ، وفي حياته الشخصية ، لكن أبا بكر رضي الله عنه مع كل النجاحات التي حازها خارج منزله ، لم تغفله تلك عن أهله وأسرته ولم تشغله كذلك عن عبادته وطاعته فدعونا ندلف إلى منزل أبي بكر وننظر ماذا قدم الصديق لأهله وأسرته .
أيها المسلمون: حينما أسلم أبو بكر رضي الله عنه اتجه إلى أهله وذويه يدعوهم إلى الإسلام، فأسلمت زوجته وأبناءه ، ثم دعا أبويه إلى الإسلام فأسلمت أمه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم حيث قدم بها أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له : يا رسول الله هذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فأدعها إلى الله ، وأدع الله لها عسى الهه أن يستنقذها بك من النار، فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاها إلى الإسلام فأسلمت ، أما والد أبي بكر فأبى أن يسلم بادئ الأمر ، فاستمر يدعوه ويذكره بالله ولم ييأس رضي الله عنه حتى كان يوم الفتح وإذ بأبي بكر يقدم بأبيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يا أبا بكر هلا تركته حتى نأتيه ، فقال أبو بكر : هو أولى أن يأتيك يا رسول الله ، فأسلم أبو قحافة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هنأ أبا بكر بإسلام أبيه وقال له : غيروا من شعره .
عباد الله : لقد كان أبو بكر رضي الله عنه يدرك الطريق الذي يسير فيه ، وانه طريق طويل تعترضه العقبات والصعوبات ، ومن اجل ذلك التفت أبو بكر إلى أسرته مبكراً ، فأعدها لتلك الأيام العصيبة والتي من أبرزها يوم الهجرة حيث أصبحت أسرة أبا بكر جيشاً متكاملاً مسانداً له في تلك الرحلة ، فعبد الله ابنه قام بدور صاحب المخابرات وكشف تحركات العدو ، وأما ابنتاه عائشة وأسماء فقد جهزا للنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه الطعام ، تقول عائشة رضي الله عنها فصنعنا لهما سفرة في جراب ، فقطعت أسماء قطعة من نطاقها فربطت به على الجراب فلذلك سميت ذات النطاقين ، وأما خادمه عامر بن فهيرة فقد رسم له أبو بكر رضي الله عنه دوراً مهماً في الهجرة فكان يرعى الغنم مع رعاة مكة حتى إذا أمسى أراح بغنم أبي بكر على النبي صلى الله عليه وسلم فاحتلبا وذبحا ، ثم يكمل عامر دور عبد الله بن أبي بكر حين يغدو من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه عائداً إلى مكة فيتتبع آثار عبد الله ليعفي عليها ، مما يعد ذكاءاً و فطنةً في الإعداد لنجاح الهجرة. عباد الله : ومع الإعداد والتربية للمستقبل وآلام الدعوة نجد في أبي بكر رضي الله عنه صورة الأب المشفق الذي لا تنسيه أعماله العظيمة أبنائه وأسرته فها هو رضي الله عنه في أزمة اتهام ابنته رضي الله عنها بالفحش تدمع عينيه حزناً عليها وعلى الحال التي وصلت إليه، ولقد تعددت الروايات التي تبين فيها عائشة رضي الهن عنها بكاء والديها لبكائها في تلك المحنة ومكثهما قريباً منها حتى انجلت الغمة تقول رضي الله عنها : فلما سمعت بما يقول الناس بكيت وبكيت ، فسمع أبو بكر رضي الله عنه صوتي وهو فوق البيت يقرأ فنزل فقال لأمي : ما شأنها ؟ قالت: بلغها الذي ذكر من شأنها ففاضت عيناه وقال : أقسمت عليك أي بنية إلا رجعت إلى بيتك .


أيها المسلمون: لقد كان ابن عباس رضي الله عنه يتمثل بقول حسان في أبي بكر فيقول :
إذا تذكرت شجوًا من أخي ثقة * فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها * إلا النبي وأوفاها بما حملا
الثاني التالي المحمود مشهده * وأول الناس طرًّا صدق الرسلا
وثاني اثنين في الغار المنيف وقد * طاف العدو به إذ صعد الجبلا
وعاش حمدًا لأمر الله متبعًا * بهدى صاحبه الماضي وما انتقلا
وكان حب رسول الله قد علموا * من البرية لم يعدل به رجلا
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ..

الخطبة الثانية :

عباد الله : لقد كان ابو بكر رضي الله عنه سباقاً إلى الخيرات ، وحريصاً على الطاعات ، يكمل هذا الجانب منه الجوانب المشرقة الأخرى في حياته ، فذات يوم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر بأصحابه ، فلما قضى صلاته قال : أيكم أصبح اليوم صائماً قال أبو بكر : أنا ، قال : من تبع منكم اليوم جنازة ؟ قال أبو بكر: أنا ، قال : من أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا ، قال : فمن عاد منكم اليوم مريضاً ؟ قال أبو بكر : أنا فقال رسول اله صلى الله عليه وسلم : ما اجتمعت في امرئ إلا دخل الجنة أخرجه مسلم .
أيها المسلمون : إن أبا بكر رضي الله عنه بأفعاله الجميلة وخصاله الكريمة لا يدخل الجنة من باب واحد فقط ، ولكن من أبواب الجنة جميعها ، يقول صلى الله عليه وسلم من كان من آهل الصلاة دعي من باب الصلاة ، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام فقال أبو بكر رضي الله عنه : ما على الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة ؟ وهل يدعى من كلها أحد يا رسول اله ؟ قال : نعم ، وأرجوا أن تكون منهم يا أبا بكر .
من اجل هذا عباد الله لا جرم أن يقول عمر وعلي رضي الله عنهما : ما سابقنا أبا بكر إلى خير قط إلا سبقنا إليه .
أيها المسلمون : حدثوني بربكم هل يجد مثل هذا الرجل مع كل هذه الأعمال والمهام التي يتولاها وقتاً لأداء كل هذه العبادات ؟ وهل يا ترى ستكون حياته نبراساً يضئ لنا الطريق في هذه الجهات ؟
يا أهل الأموال والتجارات ، ويا أصحاب المناصب والولايات ، ويا رجال العلم والدعوة دونكم أبا بكر حياته قدوة لكم جميعاً ، فاستنيروا بها ، واحتذوا بسيرها ، وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح .
ثم صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه ..


 

أحمد الفقيهي
  • الأسرة والمجتمع
  • شهور العام
  • قضايا المسلمين
  • الصلاة والطهارة
  • الحج
  • رمضان
  • عبادات وآداب
  • تراجم
  • مناسبات
  • الصفحة الرئيسية