اطبع هذه الصفحة


منكرات الأفراح

أحمد بن حسين الفقيهي

 
الخطبة الأولى :
عباد الله : تسر العين ، وينشرح القلب ، وتطيب النفس عندما نرى ونسمع عن ذلك البناء العظيم الذي ابتدأ بنيانه ، وأهله يعدون العدة لإقامته وإتيانه ، وكيف لا يكون عظيماً ، والمولى سبحانه تفضل به منة وإنعاماً ، ونبيه صلى الله عليه وسلم وجه إليه وحث عليه صيانة للإنسانية وإكراما ، فبه يقطع الشر ، ويشيع الطهر ، ويحفظ الفرج ، ويغض البصر.
أعرفتم عباد الله ذلكم البناء إنه سنة الله في بني آدم ألا وهو الزواج ، [وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ] {الرُّوم:21} .
أيها المسلمون : إن فرحة الإنسان وسروره بالأفراح التي تعود على الشباب بالعفاف لا تلبث أن تضمحل أو تزول بالكلية نظراً لما نشاهده بأعيننا ، وتصل أخباره إلى أسماعنا ، وربما صنعته أيدينا وأهلينا ، من منكرات وخطيئات تعج بها أفراحنا فتمحق بركة أعراسنا ، فتعالوا عباد الله نلقي الضوء على بعض المخالفات والمنكرات التي تنغص على أهل الأفراح أفراحهم ، وربما قلبت الأفراح إلى أتراح والعياذ بالله .
أيها المسلمون : إن من منكرات الأفراح الإسراف والتبذير التي تعددت صوره وتنوعت مع تقلب السنين والأعوام ابتداءاً ببطاقات الدعوة والمغالاة فيها شكلاً ومضموناً وعدداً وطباعة ، وانتهاءاً بقصور الأفراح والمباهاة فيها ، وهذا كله يهون أمام الإسراف في المطاعم والمشارب حيث لم يعد يكتفى وخاصة عند النساء بطعام الوليمة بل هناك ما قبلها وما بعدها أيضا من لذائذ الأطعمة والحلويات والمشروبات.
عباد الله : لقد غدا الزواج عند الشباب مطلباً عزيزاً بل أصبح شبحاً مخيفاً ، يهابه ولا يجرؤ على القرب منه ، يتمناه ولا يكاد يحصله ، حتى إذا طال عليه الأمر وعبثت به الشهوة ، ورأى الأقران يستسلمون لهذا الواقع المر واحداً تلو الآخر ، عقد العزم على اللحاق بهم ، والاستمتاع بما أحله الله ، فلا يجد مناصاً من الوقوع في الديون الباهظة ، ولا محيد عن مسالك الإسراف المفتعلة ، فيتجرع مرارة الإسراف ولا يكاد يسيغها ، ويتحمل مؤونة التبذير ديناً على عاتقه ، يستمر به سنوات وسنوات ، ينغص عليه عيشه وحياته ، ويكره معه الزوجة وأهل الزوجة بل والمجتمع من حوله ، حيث كانوا سبباً في إذلاله واهانته وضياع حاضره ومستقبله ، والسؤال أيها المسلمون : من الذي اضطر الشباب إلى ذلك واجبره عليه؟ ومن الذي أرغمه على الإسراف ودعاه إليه ؟ والجواب : أننا جميعاً والمجتمع بأسره من خلفنا دعونا الشباب إلى ذلك حين جعلنا الزواج مجالاً للمفاخرة وميداناً للمكاثرة ، ثم لا نبالي بعد ذلك بمصير النعم ولا أين يذهب بها ، أفي البطون أم إلى القمامات ، ؟ أأكلها الناس أم أكلتها السباع والعوافي ؟ أوزعت على المحتاجين أم على صناديق النفايات ؟
عباد الله : إن المصيبة كل المصيبة حين لا يكون الإسراف إلا ممن جرب الفاقة وعايش الحاجة ، وأصابه الفقر وباء بالمسكنة ، ثم لما كثر ماله وحسنت حاله ، تكبر وتجبر ، وتطاول وتعاظم ، فلا يقنع بقليل ولا يملأ عينه كثير ، وكأنه تناسى أن المنعم عليه قادر على إعادته إلى حاله الأولى بين غمضه عين وانتباهتها ، وهو على كل شيء قدير .
أيها المسلمون : لقد أمرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم بالوليمة للعرس فقال عليه الصلاة والسلام لأحد أصحابه :" أولم ولو بشاة " أخرجه الشيخان ، لكن هل يعني ذلك أن نصل إلى ما وصل إليه الحال اليوم من البذخ والإسراف وضياع الأموال ؟ ، كلا ، لأن المولى سبحانه أخبرنا في كتابه عن عاقبة الإسراف وبين حال أهله وما لهم فقال سبحانه : [يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ] {الأعراف:31} وقال سبحانه : [إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا] {الإسراء:27} ، وقال صلى الله عليه وسلم :" كلوا واشربوا ، والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة " .
أيها المسلمون : لنتذكر جميعاً ونحن نقيم أفراحنا إخوة لنا في الإسلام لا يجدون كسرة الخبز ولا شربة الماء ، ولتتذكر النساء كذلك أخواتهن المسلمات اللاتي يبحثن في بيوت النمل عن حبة القمح ليأكلنها ، ولنتساءل جميعاً أليس هؤلاء المستضعفون أحق بأموالنا ؟ وبماذا سنجيب ربنا عنهم ؟ ، أم انه يهون علينا أن ننفق الأموال في سبيل المظاهر الكاذبة ومجاراة الآخرين ؟ بينما لا يهون أن ننفقها في سبيل الله تعالى [وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ] {المنافقون:10}
دبر العيش بالقليل ليبقى *** فبقاء القليل بالتدبير
لا تبذر وإن ملكت كثيراً *** فزوال الكثير بالتبذير
عباد الله: المنكر الثاني من منكرات الأفراح : إحياء ليلة الزفاف بالغناء الماجن المصاحب لآلات العزف المحرمة ، حيث يستقدم بعض الناس فرقاً غنائية لأجل إحياء تلك الليلة ، وهذا والله من البلاء والشقاء أن تبدأ أول ليلة في الحياة الزوجية بمعصية الله عز وجل ومخالفة أمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، وماذا يتوقع لزواج كانت أول لياليه محاداة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم .
أيها المسلمون: إن تلك الأغنيات تحمل أغلبها الكلمات الماجنة والعبارات الساقطة ، بل إنها دعوات مبطنة للرذيلة ، وإخلال على رؤوس الأشهاد بالفضيلة ، مكبرات للأصوات يخرق صوتها الجدران ، ويدوي في الآذان ، بكلمات الهوى والحب وما يمليه الشيطان ، ولقد أقسم ابن مسعود رضي الله عنه بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات أن لهو الحديث المذكور في قوله تعالى : [وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ] {لقمان:6} انه هو الغناء ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ليكونون من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف" أخرج البخاري ، فانظروا عباد الله كيف قرن النبي صلى الله عليه وسلم المحرمات العظيمة ــ الزنا ولبس الحرير على الرجال وشرب الخمر بالمعازف ، وبين أنها تستحل آخر الزمان ، كما هو الواقع اليوم ، وهذا دليل عظيم على شدة تحريم الغناء وآلات اللهو والمعازف بشتى ألوانها وأشكالها .
عباد الله : إن الذي أباحه الإسلام في الزواج هو الضرب بالدف للنساء فقط مع الغناء المعتاد الحسن الذي ليس فيه دعوة إلى محرم ، ولا مدح لمحرم ، ولا مصاحبة لالآت اللهو المحرمة ، قال الشيخ ابن باز رحمه الله : الغناء في العرس ، والدف في العرس أمر جائز بل مستحب إذا كان لا يفضي إلى شر، لكن بين النساء خاصة في وقت من الليل ، ثم ينتهي بغير سهر أو مكبر صوت ، بل بالأغاني المعتادة التي بها مدح للعروس ، ومدح للزوج بالحق أو أهل العروس ، أو ما أشبه ذلك من الكلمات التي ليست فيها شر ، ويكون بين النساء خاصة ليس معهن أحد من الرجال ، ويكون بغير مكبر ، هذه لا بأس به ، كالعادة المتبعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وعهد الصحابة ، وأما التفاخر بالمطربات ، وبالأموال الجزيلة للمطربات فهذا منكر لا يجوز ، وهكذا بالمكبرات لأنه يحصل به إيذاء للناس .ا.هـ رحمه الله .
أيها المسلمون: المنكر الثالث من منكرات الأفراح : التصوير سواء التصوير الفوتوغرافي أو بالفيديو، حيث يصور الحفل وتصور النساء وهن في أبهى حلة بل ويحتفظ أهل الحفل بالفلم أو بالصور مع ما تحمله من صور للنساء اللاتي حضرن الحفل والزفاف ، وقد تنتقل تلك الصور إلى أرباب الفساد ودعاة الرذيلة الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا فيستخدمونها في أغراضهم الدنيئة ويستغلونها للتشفي من بعض يكرهونهم ، وقد ينشرونها في عبر شبكة الانترنت ، فما هو شعورك أيها الأب أو الزوج أو الأخ إذا التقط هؤلاء السفهاء الذين يحملون آلات التصوير صورة لأبنتك أو زوجتك أو أمك أو إحدى قريباتك، ثم انتشرت تلك الصورة وتلقفتها الأيدي فأصبحت مثاراً للفتنة والعياذ بالله .
عباد الله : كم حصل بهذا المنكر ألا وهو التصوير في الأفراح من فضائح ومفاسد ، وكم تهدمت به أسر ، وتفرق به من أزواج ، بل كم سفك به من دماء ، واغتيل به من كرامات ، وكم ظلم بسببه العديد من النساء المؤمنات الغافلات عما يراد بهن وما يحاك لهن من قبل المفسدين الذين قال الله عنهم : " إن الذين [إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ] {النور:19}
أيها المسلمون: المنكر الرابع من منكرات الأفراح دخول الأزواج واختلاط الرجال بالنساء، حيث يدخل الزوج على النساء ويجلس بجوار زوجته على ما يسمى بالمنصة ، فيشاهد النساء ويشاهدنه وكل في أبهى زينته ، وفي ذلك من الفتنة ما لا يخفى ، حيث يرى الزوج النساء وهن متبرجات متزينات ، وقد يكون بينهن من هي أفضل وأجمل من زوجته ، مما يؤدي إلى ضعف منزلتها في نفسه ، وتلاعب الشيطان بقلبه وعقله ، وكذلك النساء يرين الزوج وهو في أبهى زينته وجماله ، فتقع الفتنة به والعياذ بالله ، ناهيك عما يحدث في بعض قصور الأفراح من دخول المراهقين والمميزين بحجة صغر سنهم وعدم إدراكهم ، وقد قالت فاطمة رضي الله عنها : ( خير للمرأة أن لا ترى الرجال ، ولا يراها الرجال ) ا.هـ رضي الله عنها .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين

الخطبة الثانية :
عباد الله : إن من أبرز المنكرات التي تقع من النساء في الأفراح ما يقع منهن لبس غير الساتر من الثياب في ليلة الفرح ، ثياب رقيقة ، وأخرى عارية ، تبدي جزءاً من المرأة ، وكذا القصيرة والمفتوحة والضيقة التي تصف حجم الأعضاء ، والحجة عند النساء أن ذلك هو المتاح في الأسواق ونحن أمام النساء فلا حرج في ذلك ، وقد قالت اللجنة الدائمة للإفتاء لمن تلبس ما شاءت وتحتج أنها أمام النساء: قد دل ظاهر القرآن على أن المرأة لا تبدي للمرأة إلا ما تبديه لمحارمها مما جرت العادة بكشفه في البيت كانكشاف الرأس واليدين والعتق والقدمين و أما التوسع في الكشف فعلاوة على أنه لم يدل دليل على جوازه فهو طريق لفتنة المرأة وتشبه بالكافرات والبغايا الماجنات في لباسهن ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من تشبه بقوم فهو منهم .أ.هـ
عباد الله : إن من المنكرات التي تصاحب الأفراح غالباً خروج النساء من بيوتهن متطيبات متبرجات وهن في أكمل زينتهن وأبهى حلتهن ، ومرورهن على الرجال الأجانب ، وخلوتهن مع السائقين ، وقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم : " أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية " رواه احمد وغيره .
أيها المسلمون : كم يحدث عند انصراف النساء من تلك القصور من منكرات تتفطر لها الأكباد ، وترتعد لها الفرائص ، حيث تخرج المرأة حاسرة ذراعيها ، مبدية لعينيها ، كاشفة وجهها أو تخرج بتلك العباءات المطرزة المفتوحة ، ورائحة العطور تعج منها ، أمام مرأى ومسمع من الرجال الذين ينتظرون نساءهم على الأبواب ، ألا فليتق الله امرؤ من أب أو اخ أو زوج ونحوهم ولاه الله أمر امرأة أن يتركها تنحرف عن الحشمة والفضيلة والحياء والأدب ، ولتتق الله الأمهات فإنهن مسؤولات ، ولبناتهن ملاصقات ، ولملابسهن مشاهدات ، وعليهن الدور الأكبر والحمل الأعظم .
لحد الركبتين تشمرينا ** بربك أي نهر تعبرينا
كأن الثوب ظل في صباح ** يزيد تقلصا حينا فحينا
تظنين الرجال بلا شعور ** لأنك ربما لا تشعرينا
عباد الله صلوا على الرحمة المهداة والنعمة المسداة كما أمركم الله بذلك في كتابه .

 

أحمد الفقيهي
  • الأسرة والمجتمع
  • شهور العام
  • قضايا المسلمين
  • الصلاة والطهارة
  • الحج
  • رمضان
  • عبادات وآداب
  • تراجم
  • مناسبات
  • الصفحة الرئيسية