اطبع هذه الصفحة


ترجمة (إمام المسجد الحرام ) فضيلة الشيخ عبد الحق بن عبد الواحد الهاشمي (محدث الحرمين ) 1302 ــ 1392 هـ

د.عبد الله بن أحمد آل علاف الغامدي
@DrAllaf


بسم الله الرحمن الرحيم

فضيلة الشيخ عبد الحق بن عبد الواحد الهاشمي
(محدث الحرمين )
1302 ــ 1392 هـ


اسمه ونسبه :

أبو محمد عبد الحق بن عبد الواحد بن محمد بن الهاشم بن بلال الهاشمي العمري يتصل نسبه بسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو جده الثاني والأربعين .

مولده ونشأته:

قال رحمه الله عن نفسه في كتابه هذه عقيدتي وترجمتي :
"ولدت في (كوتلة الشُّيوخ) بمقاطعة (بهاوَلْفُور) سنة اثنتين وثلاثمائة وألف من الهجرة، وتربيت في حجر والدَيّ، وكنت آخر أولادهما، وقد مات إخوتي الذين وُلدوا قبلي، وبقيت وحدي محبوبًا من الوالدَين، وربياني أحسن تربية، وقرأتُ القرآن على والدي ، وأخذت منه اللغة الفارسية، ودرست عليه علم التصريف والنَّحْو، ثم أمرني بالخروج لطلب العلم، فخرجت إلى القرى والبلدان، وتلقيت مختلف العلوم من المشايخ المهرة، وأخذت نصيبًا وافرًا من علم الصرف والنحو والمعاني والبيان والبلاغة والأدب واللغة والشعر، ودَرَست كتب العقائد وأصول الفقه، وقرأت أمهات الكتب في الفقه والتفسير على المشايخ، ثم أقبلت على علوم الحديث والقرآن، وطالعتُ كتبًا كثيرة لأئمة السنة".

مشايخه:

كان رحمه الله على طريقة أهل العلم السابقين في الإكثار من الشيوخ وملازمتهم، وقد أخذ عن نحو ستين شيخًا.

وقال ابنه أبو تُراب رحمه الله : إن والدي رحمه الله قد ترك نصف مشايخه؛ من المبتدعة، وكان مشايخه حوالي ستين شيخًا.

عقيدته:

كان رحمه الله على منهج السلف أهل الحديث، يصرح بذلك، ويدعو إليه، فمن أقواله رحمه الله : "ومما أنعم الله عليَّ أنه جعلني من أمة سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم، ومما أنعم عليَّ أن جعلني من أصحاب الحديث السَّلَفيين عقيدةً وعَمَلاً".
وقال : "فإن عقيدتي هي عقيدة السَّلَف الصالح من أهل السُّنَّة والجماعة من الفقهاء والمحدِّثين، وهي عقيدة العَمَلِ بالكتاب والسُّنَّة، وحَمْلِهما على ظواهرهما من دون تأويل أو تحريف فيهما، فمَذْهبي هو مذهبُ أصحاب الحديث اعتقادًا وعَمَلاً".
وقال رحمه الله : "وأنا شديدُ التَّحرّي في مسألة الصِّفات، فأُثْبِتُ ما جاء في الكتاب والسنة من الصِّفات المقدَّسة، كالاستواء واليدين والعين والأصابع والقَدَم والضحك والكلام وغيرها، وأُجْريها على ظاهرها وعلى ما دَلَّت عليه ألفاظُها من غير تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه، فعِلْمُها حاصلٌ لنا بدَلالة الكلماتِ التي خاطَبَنا اللهُ بها، وإنما أُفَوِّضُ في الكيفية فقط، لأنها هي المجهولة، وأما ما أنبأَ عنه اللَّفْظُ اللُّغوي فهو معلومٌ لا تفويض فيه.
وأنا أُنكر على المؤوِّلة إنكارًا شديدًا، لأن التأويل في الصِّفات يُفضي إلى الخطأ والضلال، وأَسْلَمُ الناس عقيدةً أبعدُهم عن التأويل في آيات الصِّفات وأحاديثه، فالمرادُ منها بدَلالتها اللفظية الظاهرة معلومٌ واجبٌ الإيمان به.
وأُثْبِتُ رؤيةَ المؤمنين يوم القيامة لربّهم.
وأُثبتُ العُلُوَّ لله تعالى، وهو في السماء، لا أنها تُقِلُّه أو تُظِلُّه، وليس معنى مَعِيَّتِه أنه مختلِطٌ بالخَلْقِ حُلولاً، وإنما هو بالرِّعاية والعِلْم، وأُثبتُ لله عز وجل ما وَصَفَ به نفسه من الصِّفات، وأَنفي مماثَلَتَه بشيءٍ من المخلوقات، من غير إلحادٍ في أسمائه ولا آياته، إثباتًا بلا تَشبيه، وتَنْزيهًا بلا تعطيل، ومعرفةُ معاني الصِّفات هي عِلْمُ الراسخين، وهو سبحانه وتعالى مُسْتَوٍ على عَرْشه، والبدعةُ في السؤال عن الكيفية، وفي التأويل الذي لا أَدين به، فكما أن ذاتَه غيرُ مُكَيَّفة، فكذلك صفاتُه التي انفرد بها لا يُضاهيها مخلوق، وإثباتُها إيمانٌ، ونفيُ ما أثبتَه كُفْرٌ.
والجَهْميّة، والمعطِّلة، والمشبِّهة، والمتفلسفة، والمعتزلة، والخوارج، والكَرّامية، والمُرجئة، والجَبْرية، والقَدَرية، والقَرامطة، والباطنية: فِرَقٌ ضالّة".

وحسْبُك تلك التزكية العالية من إمام السُّنَّة في عصرنا سماحةِ الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن بازرحمه الله ؛ عندما قرَّظ هذه العقيدة، فقال:
"الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فقد اطلعتُ على العقيدة التي أملاها الشيخ العلّامة ناصر السّنّة وقامع البدعة أبو محمد عبد الحق الهاشمي، فألفيتُها عقيدة جليلة، موافقة لما درج عليه أهل السنة والجماعة في أبواب التوحيد والإيمان وصفات الله وأسمائه، وفي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم، وفي غير ذلك من الأبواب، فجزاه الله خيرًا، ورفع درجاته في المهديين، وضاعف مثوبته على ما كتبه من نَصْر السّنّة، وأصلح الله ذريته وبارك فيهم، ونصر بهم الحق، وثبَّتهم على الهدى، كما أسأله أن يتغمد الشيخ عبد الحق برحمته ورضوانه، وأن يغفر سيئاته، ويرفع درجاته، وأن يجمعنا به وجميع مشايخنا وأحبابنا في الله في دار الكرامة، وأن يحسن لنا الختام، ويلحقنا بعباده الصالحين غير خزايا ولا مفتونين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على خير خلقه وسيد رسله نبينا وإمامنا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أملاه الفقير إلى عفو ربه: عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن آل باز عفا الله عنه.
حرر في 15/11/1404هـ".

هذه تزكية سماحة الشيخ ابن باز لشيخه عبد الحق في السّنّة خُصوصًا، أما عمومًا فقد قال عنه: "ما وزنت به أحدًا في عصرنا في سعة العلم].

مذهبُه الفقهي:

قال رحمه الله : "والحمدُ لله تعالى على أن جعلني مُحبًّا للسنَّة المطهرة، وهجرتُ التقليد؛ مع تعظيم الأئمة الأربعة وغيرهم، وتَرْكَ الاعتراض عليهم في اجتهادهم، مع تقديم السنّة على الرأي المجرد..
ومن طريقتي أني أُفتي بما جاء في القرآن، فإن لم أجد في القرآن فإني أُفتي بما جاء في الحديث، وأجعل الحديث مفسّرًا أو موضحًا للقرآن، وإن لم أجد في القرآن والحديث شيئًا فإني أفتي بأقوال الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم من الأئمة والمجتهدين، الأقدم فالأقدم؛ والأسبق فالأسبق في الاجتهاد، والأقرب فالأقرب في الصواب.
ولا أبالي بلومة لائم وتعنيف معنِّفٍ في ترك التقليد للأئمة الأربعة وغيرهم، فكلُّ أحد يُؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه الإمام الأعظم المُطاع المُقتَدَى به، وكلُّ الناس من زمان الصحابة إلى يوم القيامة مأمورون بإطاعته واتّباعه".
وقال الشيخ حماد الأنصاري رحمه الله تعالى: "إن الشيخ عبد الحق الهاشمي -والد أبي تُراب- كان متحررًا لا يتقيد بمذهب، وكان عِلْمُه بالحديث جيّدًا، وكذلك علمه بالفقه الحنفي".
وقال الأستاذ عمر عبد الجبار عن الشيخ عبد الحق رحمهما الله: "وهو إلى هذا حافظٌ للصِّحاح الستّة وأسانيدها، ومسائل الخلاف بين الأئمة وحُجَجِهم، ويقوّي ترجيح الراجح، مع احترامه لآراء العلماء، وحبِّه للأئمة المتقدمين".
الاستقرار في مكة، وعلاقته مع العلماء، وبعض أقوالهم فيه:
لما قدم مكة للحج جرت مناقشات علمية بينه وبين بعض المشايخ، فما أن سمع به كبار علماء المملكة، وعلموا أنه شَرَح المسند، وجلسوا معه: طلبوا منه الاستقرار والتدريس في مكة، ورغب في ذلك، فسَعَوا في ذلك لدى الملك عبد العزيز، واستصدر منه رئيس القضاة الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ أمرًا ملكيًّا بتعيين الشيخ عبد الحق مدرّسًا في المسجد الحرام سنة 1367هـ وكلَّف الشيخ عبدُ الحق ولدَه أبا تراب بشحن مكتبته إلى مكة، فبقي فيها مدرّسًا حتى وفاته .
قال رحمه الله : "ثم إنه تعالى يسَّر لي الهجرةَ إلى هذا البلد الأمين، فطَلَبني وعيَّنني مدرّسًا بالمسجد الحرام الرجلُ الصالح الملك المعظم عبدُ العزيز أسكنه الله الفردوس الأعلى من فسيح جناته، وجعل خلفاءه خير خلفاء، ووفَّقهم لنُصرة الدين والعِلْم ومساعدة أهله.
وكان ذلك بواسطة رئيس القضاة الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ رحمه الله تعالى وأسكنه جنته، ورئيس الهيئات الآمرة بالرياض الشيخ عمر بن حسن، وأكرمني هؤلاء الأفاضل الأماجد الكرام نفع الله المسلمين بهم، وهم: المفتي رئيس القضاة الشيخ محمد بن إبراهيم، ورئيس الهيئات الآمرة بالحجاز الشيخ عبد الملك بن إبراهيم، والأخ الكريم الأستاذ الجليل الشيخ عبد العزيز بن باز، فكل هؤلاء من إخواني السَّلَفيين قَرابتي في الدِّين، وفئتي في السنّة المطهرة، رزقهم الله تعالى من الحسنات في الدنيا والآخرة، آمين.

قال ابنه أبو تراب : حجَّ أيام الشريف حسين، والملك عبد العزيز عدة مرات.

وقال الأستاذ عمر عبد الجبار رحمه الله تعالى: "والشيخ عبدُ الحق في العقد الثامن من حياته الحافلة بجليل الأعمال، ولكنه رغم ذلك متواضعٌ زاهدٌ وَرِعٌ قَنوع، مواظبٌ على التدريس في المسجد الحرام، وإلقاء الدروس في مدرسة المهاجرين السَّلَفية، ودار الحديث المكية، يبتعد عن الرياء والظُّهور، شأن علماء الدين في جميع العصور".

وقال الشيخ حماد الأنصاري رحمه الله تعالى: "الشيخ عبد الحق الهاشمي دَرَسْتُ عليه، وكان يُدَرِّسُ عند باب إبراهيم، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام" .

وقال عنه الشيخ محمد عمر عبد الهادي -مدير دار الحديث المكية- رحمه الله تعالى: "كان مثالاً للعالم الصالح خُلُقًا، ومواظبة، واستقامة، وحبًّا في نشر العلم، وحرصًا على إفادة الطلبة؛ حتى نَفَعَ الله به، وتخرَّج على يديه طلبةُ عِلْمٍ لهم شأنٌ عظيم وقَدَمُ صِدْقٍ في خدمة العلم وطلابه، فرحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته" .

وقال شيخنا عبد العزيز الزهراني - حفظه الله تعالى -: إن سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى قال: "ما أحدٌ من أهل السنّة شَرَح صحيح البخاري كما شَرَحَه أبو محمد عبد الحق الهاشمي" .

وأخبرنا شيخنا العلامة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عَقيل - رحمه الله تعالى - قال: "الشيخ عبد الحق أخذت عنه [يعني الإجازة] سنة 1381 أو 1382هـ تقريبا، وكان عالمًا، وكان شَرَح مسند الإمام أحمد، وإنما ضَعُفَ بصرُه، وكان لا يُبصر إلا وهو قائم؛ لا أدري كيف، ثم رَدَّ الله عليه بصره، أظنُّهُ هو إن لم أَكن واهمًا، وكان درسُه في الحَرَم في الجهة الشمالية، الظاهر أنه مقابل الميزاب، على الحصباء - تلك الأيام كان هناك حصىً ورمل، هناك مشّايات من باب السّلام إلى الكعبة، ومن باب علي إلى الكعبة، والباقي ردهات فيها رمل وحصباء، والناس تأتي بسجاداتها، لم تكن هناك فُرُش، إما يصلون على الحصباء أو على سجادته - فالظاهر أنه كان يجلس مقابل الميزاب شماليّ الكعبة، حضرنا عليه دروسًا، كان يدرّس في الصحيحين وكتب الحديث، هو ومحمد خير الهندي، وكان أكثر كلامه على متن الحديث، وأما الإسناد فيسرده سردًا، لا يتكلم على الرجال، وكان سَلَفي العقيدة، وما عثرت عليه كلمة تخالف العقيدة....
وقال أيضًا: "حضرتُ عليه خلال سنوات جملةً من دُروسه في الأمهات الستّ، وذلك في أسفار كثيرة إلى مكة.. وكان ثقةً وزيادة، وما سمعنا منه -ولا من المشايخ عنه- إلا الخير".

وكان أسلوبه علميًّا في الدرس، لا عاميًّا، يتكلم كلامًا واضحًا سهلاً بالدلائل والبراهين، ويتطرق في دروسه للردود، خصوصًا على الحنفية، ويمتاز الشيخ عبد الحق على غيره من مشايخنا في الحجاز بالشرح الكامل الوافي لمسألته.

وكان يتميز في فقه الحديث، وما كان يتقيَّد بمذهب، ويختار الأقرب للكتاب والسنة، وكان يعرف المذهب الحنفي ويُلِمُّ به، وكان رفيع الصوت لا يحتاج إلى مكبّر! وكان متينًا جسيمًا.

كان يدرّس في الحرم صحيح البخاري من الشرح الذي أَلَّفه، وهو في أربعة عشر مجلدًا، درّسه سنوات، ودروسُه كل يوم بعد المغرب، وقُرئت عليه كتبٌ كثيرة، مثل البداية والنهاية.
له خدماتٌ جليلة في منافحة أهل البدع والشرك، ومناهضة أهل الرأي، جلسنا مرة في بيته؛ فجعل يحدّث عن بعض الحنفية مثل أشرف التَّهانوي، فذكر بعض مسائله؛ أظنها في الحج، ثم رد عليه ردًّا عنيفًا على ضوء الكتاب والسنّة.

ومن أولاد الشيخ عبد الحق أحدُ العلماء الكبار اسمه عبد الرزاق، كان خطيبًا عظيمًا، توفي من مدة، وولد عبد الرزاق اسمه إسرائيل محاضر في كلية الهندسة في لاهور". انتهى بتصرف يسير.
ووصفه الشيخ ثناء الله في ثَبَته المسمى "تذكرة الجهابذة الدرري" (ص19): "الأستاذ الفاضل المحدّث الشهير صاحب التآليف الكثيرة".

من أخلاقه:

تقدم ضمن كلام العلماء آنفًا أن الشيخ عبد الحق رحمه الله: متواضع، زاهد، وَرِعٌ، قَنوع، يبتعد عن الرياء والظُّهور، حريصٌ جدًّا على نَشْرِ العِلْم ونَفْعِ الطَّلبة، ضَنينٌ بوقته.
ومن تواضعه رحمه الله أنه كان يكتب على بعض مؤلفاته: أحقر المدرّسين بالمسجد الحرام أبو محمد عبد الحق الهاشمي.

ومن ذلك أن أحد المشايخ طلب من الشيخ ترجمةً ذاتية، فمما أجابه:
"بعد التحية والاحترام أرفع لكم أنه قد وصل كتابُكم الكريم، كتبتم فيه أنكم رأيتم حقًّا عليكم أن تُدرجوا ترجمتي في تراجم المشايخ الذين ذكرتم تراجمهم في كتاب تريدون طبعه، فلما قرأتُ الكتاب وتفكَّرتُ في نفسي قلت: أَعْجَبُ من الشيخ أن يُدرج ترجمتي مع تراجم المشايخ الكبار الأعلام، وأين المتعلم من المعلِّم؟ وأين العامي من العالِم؟ وأين الظُّلْمة من النور؟ وأين الأرض من السماء، وأين الكوكب من الشمس، وأين الصغير من الكبير؟ وأين الفاصل من الواصل؟ وأين قليلُ البضاعة في العلم من كثير البضاعة فيه؟ وأين النواة من التمر؟ ما أنا إلا كالدوحة قليلة الأثمار، أو الشجرة قليلة الأزهار.. " الخ.

ومن صفاته البارزة حِرْصُه الشديد على تطبيق السنّة، وكان ينبّه أئمة الحرم المكي على بعض ما يقع من ترك أو مخالفة بعض السنن في الصلاة .

بل كان ينكر على المؤولة ويناظرهم عند حَجِّه واجتماعه بعلماء الحرمين أيام الشريف حسين، وكان الشيخ عبد الحق موضع إجلال في مناظراته معه .

ومن عجيب أخباره في تتبع العلم وحرصه عليه وهمته مع تقدم سنه: ما أخبرناه ابنه الشيخ عبد الوكيل غير مرة: أن أحد الكتبيين حج؛ واصطحب معه مخطوطة تاريخ الدوري عن ابن معين، فلما رآه الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة أخبر به الشيخ عبد الحق، فطلبه عارية، ولم يكن التصوير متيسرًا، فاشتغل بنسخه هو وأولاده بالتناوب، حتى أتموه في ثلاثة أيام متواصلة! وأرانا الشيخ عبد الوكيل هذه النسخة، وفيها خط الشيخ، وخط ابنه أبي تراب، وعدد من إخوانه، في مجلد كامل!
ومن نافلة القول أن مكتبة الشيخ عبد الحق كانت في غاية النفاسة، ولا سيما في الحديث، فكان عنده مخطوطات نادرة، مثل قطعة من صحيح ابن خزيمة، ومسند ابن راهُويه، ولكن تفرقت هذه المكتبة بعد وفاة ابنه أبي تراب مؤخرًا، وبقي القليل منها لدى ابنه الشيخ عبد الوكيل.
أ.هـ بتصرف من ترجمة الشيخ زياد التكلة .

إمامته في المسجد الحرام

أخبرني الشيخ عبدالوهاب الزيد أن الشيخ إسماعيل الأنصاري أخبره أن شيخه عبدالحق الهاشمي كان إماماً في الحرم المكي ، وذات يوم أبلغ أحدهم الملك عبدالعزيز آل سعود أنه صلى مع الشيخ عبدالحق فسمعه لا ينطق الضاد نطقاً صحيحاً في قراءة الفاتحة ،، فأعفاه الملك عبدالعزيز عن الإمامة .رحمهم الله جميعاً .
انظر كتاب :المغني في تراجم وأسانيد أهل السنة والحديث
للشيخ عبدالوهاب الزيد (تحت الطبع)

مؤلفاته:

1- كشف المغطى عن رجال الصحيحين والموطأ
2- مفتاح الموطأ والصحيحين
3- مسند الصحيحين
4- مصنف الصحيحين
5- شرح الصحيحين والموطأ
6- لب اللباب في تحرير التراجم والأبواب المسمى بالشرح الصغير
7- شرح مقدمة صحيح الإمام مسلم مع شرح كتاب الإيمان
8- شرح مسند الإمام أحمد ( المسمى فتح الخبير بشرح سند الحنبلي الكبير)
9- فهرسة مسند الإمام أحمد
10- تراجم رجال الإمام أحمد
11- تفسير القرآن بالقرآن والسنة
12- مجموعة الرسائل ( ثلاثة مجموعات فيها 19 رسالة )
أ- المجموعة الأولى وفيها أربعة رسائل :
1) كشف الغمرة عن المتردد في ميقات المكي للعمرة
2) إقامة الحجة بأن المتمتع عليه سعيان سعي العمرة وسعي الحجة
3) نصب العمود في تحقيق مسألة تجافي المرأة في الركوع والسجود
4) فتح الودود في تحقيق رفع اليدين عند السجود
ب- المجموعة الثانية وفيها ثلاثة رسائل :
1) كشف القناع عن مسألة الدعاء بعد المكتوبة بهيئة الاجتماع
2) الموازنة بين مسندي الإمامين أحمد بن حنبل وبقي مخلد
3) قبائح اليهود
ج- المجموعة الثالثة وفيها اثنا عشرة رسالة :
1) إجابة الراوية
2) مسألة الزكاة فيما زاد على النصاب
3) إثبات أن الحجر والمقام من الجنة
4) تحقيق حديث صلاة موسى عليه السلام في قبره
5) الرباعيات المنسوبة إلى البخاري رحمه الله
6) أذان الترجيع سنة متروكة
7) قِدم أصحاب الحديث
8) إثبات تزويج أم كلثوم من عمر بن الخطاب
9) مناقشة أمالي محمود الحسن حول صحيح الإمام البخاري
10) أدلة التأمين بالجهر في الصلاة
11) مسألة في أذان الجوق
12) تحقيق مسألة حرم المدينة المنورة
13- شرح الفيتي المصطلح
14- رسالة (هذه عقيدتي)
15- رسالة الاربعينين في الصلاة على سيد الكونين
16- شرح البخاري المسمى بـ(قمر الأقمار )
17- عادات الإمام البخاري في صحيحه حققه محمد ناصر العجمي وراجعه الشيخ عبد الوكيل بن عبد الحق الهاشمي
18-كتاب التوحيد للإمام البخاري رحمه الله
19- إيقاظ همم أولى الأبصار لما في الصحيح من معرفة التراجم والأسانيد والأخبار المسمى بالشرح الكبير
20- التعليق النجيح على الجامع الصحيح المسمى بالشرح الأوسط
21- هذه عقيدتي وترجمتي تقع في 16 صفحة ملحقه في خاتمة المجموعة الثالثة
22- الخلافة الراشدة.
ا.هـ من ترجمة محمد علي يماني (أبوعمار) لموقع قبلة الدنيا.

من الرؤى المبشرات:

قال رحمه الله في كتابه هذه عقيدتي: "ومما أنعم الله عليَّ في زمان طَلَب الحديث أني رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في المنام، وقد مرَّ بين يديّ، وعليه لباسٌ أبيض، وكأن القمر يجري في وجهه.
ورأيتُه أيضًا في المنام كأنه نزل على كرسي من السماء في لباسٍ حَسَن فعانقني.
ورأيتُ أيضًا في المنام أني حملتُ جنازته على رأسي ورجلٌ آخر، وأنا حاملٌ من جهة رأسه الكريم، وهو حاملٌ من جهة رجليه، وأنا أخوض في الماء في هذه الحالة، فألقي في رُوْعي في المنام أنّي أُحْيي سنّتَه الميتاء.
ورأيتُ أيضًا في المنام أني دخلت في الحجرة النبوية وبين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ديوان كبير، فسألتُه عن اسم صحابي، فقال لي: انظر في هذا الديوان. فرأيت اسمه مكتوبًا فيه.
وأيضًا رأت أُمّي النبيَّ صلى الله عليه وسلم في المنام أنه دخل بيتَنا، ودعاني، فذهبتُ إليه، وفي يدي القَلَم والدَّواة، فصار يُمْلي عليّ وأنا أكتب، ثم تَقَرَّبَتْ منّا، فقام عليه السلام، فقُمتُ معه، ثم دَخَلْنا في بيت آخر، فجعل يُمْلي عليّ.
وما ذكرت هذه الرؤى ترفُّعًا وافتخارًا وتكبّرًا واغترارًا، بل ذكرتُها إظهارًا لِـمِنَّة ربي على عبده الضعيف، وشُكرًا لنعمته سبحانه وتعالى، والله على ما أقول شهيد، وهو حسيـبي".

وفاته:

توفي -رحمه الله - في مكة، ويُخبر الشيخ عبد الوكيل عن وفاة أبيه فيقول : "في رمضان 1392هـ أصيب والدي رحمه الله بذات الرئة مرتين، مرة في اليمنى ومرة في اليسرى، وكان بكامل حواسه، حتى إذا سمع غلطة في مسائل العلم أومأ برأسه، وبقي على هذا طيلة شهر رمضان المبارك، وفي يوم الخميس الثامن عشر من شهر شوال قام؛ وجلس على فراشه، وحرّك من أعضائه، ثم استلقى، وأسلم الروح بكلمة الشهادة لبارئها.
خسارة كبرى منيت بها الأمة الإسلامية، فإنه يعزّ وجود عالم مثله في هذا الزمان! وغُسِّل رحمه الله، وصلى عليه أكثر من ثمانين ألفًا، ثم حُمِلَ في السيارة إلى المسجد النبوي، وصلى عليه هناك أكثر من سبعين ألفًا من صُبح يوم الجمعة، وحمل نعشُه على رؤوس الأصابع، والناس مزدحمون، ودُفِنَ عند أقدام الإمام مالك إمام دار الهجرة، وعند رأس إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، وبجانبه سعد بن معاذ الذي اهتز بموته عرش الرحمن، وبجانب عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنهم. وقد نزلتُ في قبره وأودعتُه في لَحْده، فطوبى له وقد بلغ أمنيته، فإنه كان يتمنى أن يُدفن في البقيع، وهكذا كان. عظّم الله أجرنا جميعًا، وعوّض الله أهل الحديث عنه خيرًا، وأجزل مثوبته، وأسكنه الفردوس، آمين ثم آمين".
وأخبرنا الشيخ عبد الوكيل أن الذي صلى عليه في مكة الشيخ عبد الله الخليفي، وصلى عليه في المدينة الشيخ عبد العزيز بن صالح، رحم الله الجميع.

فيكون -رحمه الله- قد عُمِّر تسعين سنة.

وقد رثاه ابنُه أبو تُراب بقصيدة في ستّين بيتًا، مطلعها:

أَسْقاكَ مِرْعادُ الهَتُونِ بِصَيِّبِ *** يا قَبْرَ خَيْرِ أَبٍ وخَيْرِ مُؤَدِّبِ

اللهم اغفر للشيخ عبد الحق، وارفع درجته في المهديين، واخْلُفْه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وَاجْزِهِ عن الإسلام والمسلمين أفضل ما جزيت به العلماء العاملين.

للمزيد عن ترجمته :


1- أعلام المكيين لعبد الله المعلمي .
2- رسالة هذه عقيدتي وترجمتي ملحقة بالمجموعة الثالثة من رسائل الشيخ عبد الحق الهاشمي . كتبها عام 1382هـ .
3- عادات الإمام البخاري في صحيحه للشيخ عبد الحق الهاشمي . ترجم له المحقق محمد ابن ناصر العجمي في مقدمة الكتاب .
4- نشر الرياحين في تاريخ البلد الأمين لعاتق البلادي .
5- معجم المعاجم والمشيخات د/ يوسف المرعشلي .
6- تاريخ التعليم في مكة المكرمة ورجالاته لفاروق بنجر وآخرون ( منسوخ على الحاسب ).
7- جريدة البلاد عدد 7468 في 16/ 1/ 1404هـ .
8 - ترجمة الشيخ عبد الحق بقلم الشيخ زياد التكلة _ موقع الألوكة.
9 - ترجمة خاصة بموقع قبلة الدنيا..مكة المكرمة من إعداد : أ.محمد علي يماني ( أبوعمار ) .
10- أشياخ ومقالات بقلم أبو تراب الظاهري رحمه الله . إبن المترجم له .
11- المغني في تراجم وأسانيد أهل السنة والحديث للشيخ عبدالوهاب الزيد (تحت الطبع)
12- أئمة الحرمين – عبدالله بن أحمد العلاف .

 

عبد الله آل علاف
  • كتب وبحوث
  • مقالات دعوية
  • اللوحات الحائطية
  • الصفحة الرئيسية