اطبع هذه الصفحة


تدليس المستفتي على المفتي

د. بدر عبد الحميد هميسه


يجب على المسلم أن يسأل أهل العلم عن الأحكام الشرعية التي لا يعرفها والنوازل الحادثة التي يجهلها ، والمسلم لا يخجل من السؤال عن أمور دينه صغيرها وكبيرها.. جليلها ودقيقها... يسأل من يثق بمعرفته وتقواه، قال تعالى \" فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ \" النحل: 43. عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُخْبِرُ ؛أَنَّ رَجُلاً أَصَابَهُ جُرْحٌ فِى رَأْسِهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ أَصَابَهُ احْتِلاَمٌ فَأُمِرَ بِالاِغْتِسَالِ فَاغْتَسَلَ فَكُزَّ فَمَاتَ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَفَلَمْ يَكُنْ شِفَاءَ الْعِىِّ السُّؤَالُ.قَالَ عَطَاءٌ وَبَلَغَنَا أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَوْ غَسَلَ جَسَدَهُ وَتَرَكَ رَأْسَهُ حَيْثُ أَصَابَهُ الْجِرَاحُ. أخرجه أحمد 1/330(3057) و\"الدارمي\" 752 و\"أبو داود\" 337 و \"ابن ماجة\" 572 .
فهو أمر بالسؤال ، والأمر للوجوب عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ . قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو ، مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ ، يَقُولُ : سَمِِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا ، يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا ، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُسًا جُهَّالاً ، فَسُئِلُوا ، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا. أخرجه \"أحمد\" 2/162 (6511) و\"البُخَارِي\" 1/36(100) ، وفي \"خلق أفعال العباد\"47 و\"مسلم\" 8/60(6893) .
ومفهوم هذا الحديث أن الفتوى بعلم ، منهج صحيح متبع . يقول الخطيب البغدادي رحمه الله : \" أول ما يلزم المستفتي إذا نزلت به نازلة أن يطلب المفتي ؛ ليسأله عن حكم نازلته ، فإن لم يكن في محلته ، وجب عليه أن يمضي إلى الوضع الذي يجده فيه ، فإن لم يكن ببلده ، لزمه الرحيل إليه وإن بعدت داره ، فقد رحل غير واحد من السلف في مسألة \" الفقيه والمتفقه 2 / 375 .
وليس أي شخص يتعرض للإفتاء , بل لا بد أن يكون صاحب أهلية في ذلك ، لأن من يفتي يوقع عن الله تعالى , عن ابن المُنكدر قال:‏ \"العالم بين الله تعالى وخلقه،‏ فلينظر كيف يدخل بينهم\".‏ وقال ابن العربى : كره مالك وقوم أن يقول المفتى : هذا حلال ، وهذا حرام في المسائل الاجتهادية ، فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا .
وقال: رَأَيْت أَبَا حَنِيفَةَ فِي النَّوْمِ ، فَقُلْت : مَا فَعَلَ اللَّهُ بِك يَا أَبَا حَنِيفَةَ ؟ قَالَ : غَفَرَ لِي ، فَقُلْت لَهُ : بِالْعِلْمِ ؟ فَقَالَ : مَا أَضَرَّ الْفُتْيَا عَلَى أَهْلِهَا ، فَقُلْت : فَبِمَ ؟ قَالَ : بِقَوْلِ النَّاسِ فِيَّ مَا لَمْ يَعْلَمْ اللَّهُ أَنَّهُ مِنِّي. ابن عبد البر : جامع بيان العلم وفضله 1/36.
لذا فقد اشترطوا فيمن يتصدر للإفتاء شروطا كثيرة قال النووي في روضة الطالبين : \" فيشترط إسلامه وبلوغه وعدالته، فالفاسق لا تقبل فتواه، ويلزمه أن يعمل لنفسه باجتهاده، ويشترط في المفتي أيضا التيقظ، وقوة الضبط، فلا يقبل ممن تغلب عليه الغفلة والسهو، ويشترط فيه أهلية الاجتهاد\" النووي : روضة الطالبين وعمدة المفتين 8/87 .

ومن أهم هذه الشروط وتلك الآداب التي يجب أن تتوافر فيمن يتصدر للإفتاء :


أولاً : الورع والديانة :

فلا بد لمن يتصدر للإفتاء من أن يكون دينا ورعا يخشى الله تعالى ويتقه , لأنه بقوله يبين الحلال من الحرام , ويرد الحقوق والأمانات إلى أهلها , ويحكم بين الناس بالعدل تصديقا وتطبيقا لقوله تعالى : \" إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) سورة النساء , عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ:الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ ، اثْنَانِ فِي النَّارِ ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ : رَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ ، فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ ، فَهُوَ فِي النَّارِ ، وَرَجُلٌ جَارَ فِي الْحُكْمِ ، فَهُوَ فِي النَّارِ.
- وفي رواية : الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ ، قَاضِيَانِ فِي النَّارِ ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ : رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ ، فَعَلِمَ ذَاكَ ، فَذَاكَ فِي النَّارِ ، وَقَاضٍ لاَ يَعْلَمُ ، فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ ، فَهُوَ فِي النَّارِ ، وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ ، فَذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ.
أخرجه أبو داود (3573) و\"ابن ماجة\" 2315 والتِّرْمِذِيّ\" 1322م و\"النَّسائي\" ، في \"الكبرى\" 5891 ( صحيح ) انظر حديث رقم : 4298 في صحيح الجامع ..
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح:‏ وينبغي للمفتي أن يكون كالراوي في أنه لا يؤثر فيه قرابة وعداوة،‏ وجرّ نفع ودفع ضر،‏ لأن المفتي في حكم مخبرٌ عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص،‏ فكان كالراوي لا كالشاهد،‏ وفتواه لا يرتبط بها إلزام بخلاف حكم القاضي.‏ النووي : أدب الفتوى والمفتي والمستفتي ص 4.

ثانياً : العلم :

لا بد أن يوجِد للناس مفتين راسخين ، يُطْمَئَنُّ لدينهم وعلمهم لقوله تعالى : [وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ] 122 سورة التوبة .
قال مالك –رحمه الله - : \"ما أفتيتُ حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك\". وفي رواية: \"ما أفتيت حتى سألتُ من هو أعلم مني: هل يراني موضعا لذلك\" ؟ . قال مالك: \"ولا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلاً لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه\". صفة الصفوة - (1 / 216).
وقال ابن حزم – رحمه الله تعالى - : ( وكل من كان منا في بادية لايجد فيها من يعلمه شرائع دينه ففرض على جميعهم من رجل أو امرأة أن يرحلوا إلى مكان يجدون فيه فقيها يعلمهم دينهم، أو أن يُرحِّلوا إلى أنفسهم فقيها يعلمهم أمور دينهم، وإن كان الإمام يعلم ذلك فليرحِّل إليهم فقيها يعلمهم ، وبعث عليه السلام معاذا ً وأبا موسى إلى اليمن، وأبا عبيدة إلى البحرين، معلمين للناس أمور دينهم، ففرض ذلك على الأئمة ). الأحكام لابن حزم - (5 / 687) .
ولذا قال قتادة رحمه الله تعالى:(من حدث قبل حِينه, افْتضح في حِينه ).
ولبعض الأندلسيين:

نــعـــــــوذ بـــالله من أنــــاسٍ* * * تــَشَــيـَّـخـوا قبـل أن يَشِيْخـوا

ولبعضهم في تدريس من لا يصلح:

تصدر للتدريس كل مهوِّس * * * جهولٍ يسمى بالفقيه المدرس
فحق لأهل العلم أن يتمثلوا * * * ببيت قديم شاع في كل مجلس
لقد هزُلت حتى بدا من هزالها * * * كُلاها وحتى سامها كل مفلس

قال ابن القيم – رحمه الله تعالى - : ( من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص ، ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضا .
وقال أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله : ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية ، وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب ، وليس له علم بالطريق ، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة ، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس ، بل هو أسوأ حالا من هؤلاء كلهم ، وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى ، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ، ولم يتفقه في الدين ؟ .
وكان شيخنا رضي الله عنه – يقصد الشيخ ابن تيمية رحمه الله - شديد الإنكار على هؤلاء ، فسمعته يقول : قال لي بعض هؤلاء : أجعلت محتسبا على الفتوى ؟ فقلت له : يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب ؟! ) . إعلام الموقعين عن رب العالمين - (5 / 79).
وقال ابن القيم – رحمه الله تعالى - : ( أول من وقع عن الله هو الرسول ، وأول من قام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين ، وإمام المتقين ، وخاتم النبيبن ، عبد الله ورسوله ، وأمينه على وحيه ، وسفيره بينه وبين عباده ؛ فكان يفتي عن الله بوحيه المبين ، وكان كما قال له أحكم الحاكمين : [قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ] . فكانت فتاويه جوامع الأحكام ، ومشتملة على فصل الخطاب ، وهي في وجوب اتباعها ، وتحكيمها والتحاكم إليها ثانية الكتاب ، وليس لأحد من المسلمين العدول عنها ما وجد إليها سبيلاً . وقد أمر الله عباده بالرد إليها حيث يقول [فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ] 59 سورة النساء .
ثم قام بالفتوى بعده بَرْك الإسلام ، وعصابة الإيمان ، وعسكر القرآن ، وجند الرحمن أولئك أصحابه ^ ألين الأمة قلوباً ، وأعمقها علماً ، وأقلها تكلفاً وأحسنها بياناً ، وأصدقها إيماناً ، وأعمُّها نصيحة ، وأقربها إلى الله وسيلة ، وكانوا بين مكثر منها ومقل . وكان المكثرون منهم سبعة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر .وقال أبومحمد بن حزم: ويمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم سفر ضخم .. وكما أن الصحابة سادة الأمة وأئمتها وقادتها فهم سادات المفتين والعلماء .قال مجاهد: العلماء أصحاب محمد.ثم صارت الفتوى في أصحاب هؤلاء ، كسعيد بن المسيب ؛ راوية عمر وحامل علمه. قال الزهري: كنت أطلب العلم من ثلاثة : سعيد بن المسيب – وكان أفقه الناس –وعروة بن الزبير ، وكان بحراً لا تكدِّره الدلاء ،وكنتَ لا تشاء أن تجد عند عُبيد الله طريقة من علم،لا تجدها عند غيره إلا وجدت.وكان المفتون من التابعين:ابن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وخارجة بن زيد وأبا بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام وسليمان بن يسار وعبيد الله بن عب د الله بن عتبة بن مسعود . وهؤلاء هم الفقهاء السبعة . إعلام الموقعين ( 1 / 11 ) .
فانظر – رعاك الله – إلى من كان كان يوقع عن الله تعالى .
جاء في ترتيب المدارك وتقريب المسالك - (ج 1 / ص 50)على أن إمام دار الهجرة ؛ الإمام مالك – رحمه الله تعالى – أنه أوتي مهابة في القلوب ، حتى قال فيه القائل :

يأبى الجواب فما يراجَـــع هيبة * * * والسائلون نَوَاكِس الأذقــان
أدب الوقار وعز سلطان التقى * * * فهو المطاع وليس ذا سلطان

ويحكى عن بعض العلماء : أنه ركب مع تجار في مركب ، فانكسرت بهم السفينة ، فأصبحوا بعد عزِّ الغنى في ذل الفقر ، ووصل العالم إلى البلد فأُكرِم ، وقُصد بأنواع التحَف والكرامات ، فلما أرادوا الرجوع إلى بلادهم ؛ قالوا له : هل لك إلى قومك كتاب أو حاجة ؟ فقال : نعم ؛تقولون لهم : إذا اتخدتم مالاً لايغرق إذا انكسرت السفينة، فاتخذوا العلم تجارة .
وهذا أحد الشعراء المجيدين ، يمدح عالماً تأهَّل وهو أهلٌ للإفتاء ، من قِبَل الخليفة في وقته ، فيقول :

ألا هكذا ترقى هضاب المناصـب * * * وفي مثله يزْدان صـدْر الموَاكِبِ
وقد لاح ثغر الدين وافتر ضاحكاً * * * سروراً بما أسدته أيدي المواهب
بهاء وإفتــاء وحزم بسـؤدد * * * وسعْـد بإقبال وعلم بصـاحب

ثالثاًً : عدم التجرؤ على الفتوى :
التجرؤ على الفتوى لا يكون من صفات أهل العلم , قال تعالى : \" قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (60) سورة يونس . ولقد كان السلف يتهربون عنها ويتدافعونها, فلا يقوم بها إلا من كان أهلاً لها؛ ذكر النووي في أدب الفتوى والمفتي والمستفتي روايات وأقوال تحذر من التجرؤ والتسرع في الفتوى منها قوله : \" وروينا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:‏ \"أدركتُ عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا،‏ وهذا إلى هذا،‏ حتى ترجع إلى الأول\".‏ وفي رواية:‏ \"ما منهم من يحدث بحديث،‏ إلا وَدَّ أن أخاه كفاه إياه،‏ ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا\".‏ ‏
‏وعن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم: \"مَنْ أفتى عن كلِّ ما يسأل فهو مجنون\".
وعن الشعبي والحسن وأبي حَصِين -بفتح الحاء- التابعيين قالوا:‏ \"إن أحدَكَم ليفتي في المسألة ولو وَرَدَتْ على عُمَر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر\".
وعن عطاء بن السائب التابعي:‏ \"أدركتُ أقواماً يسأل أحدهم عن الشيء فيتكلم وهو يرعد\".
وعن ابن عباس ومحمد بن عجلان:‏ \"إذا أغفل العالم ‏(‏لا أدري‏)‏ أُصِيبت مقاتله\".‏
وعن سفيان بن عيينة وسحنون:‏ \"أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً\".‏
وعن الشافعي -وقد سئل عن مسألةٍ فلم يجب-،‏ فقيل له،‏ فقال:‏ \"حتى أدري أن الفضل في السكوت أو في الجواب\".‏
وعن الأثرم:‏ سمعتُ أحمد بن حنبل يكثر أن يقول:‏ (لا أدري)،‏ وذلك فيما عرف الأقاويل فيه.‏
وعن الهيثم بن جميل:‏ شهدتُّ مالكاً سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها:‏ (لا أدري).‏
وعن مالك أيضاً:‏ أنه ربما كان يُسأل عن خمسين مسألة فلا يجيب في واحدة منها،‏ وكان يقول:‏ \"من أجاب في مسألة فينبغي قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنة والنار وكيف خلاصه ثم يجيب\".‏
وسئل عن مسألة فقال:‏ (لا أدري)،‏ فقيل:‏ هي مسألة خفيفة سهلة،‏ فغضب وقال:‏ (ليس في العلم شيء خفيف).‏
وقال الشافعي:‏ (ما رأيتُ أحداً جمع الله تعالى فيه من آلة الفتيا ما جمع في ابن عيينة أسكت منه عن الفتيا).‏
وقال أبو حنيفة:‏ (لولا الفَرَقُ من الله تعالى أن يضيع العلم ما أفتيتُ،‏ يكون لهم المهنأ وعلي الوزر).‏
راجع : النووي : أدب الفتوى والمفتي والمستفتي ص 3.
وعن على بن أبى طالب قال : عليكم بخمس ، لو رحلتم فيهن المطى لأنضيتموهن قبل أن تدركوا مثلهن : لا يرجو عبد إلا ربه ، ولا يخافن إلا ذنبه ، ولا يستحيى من لا يعلم أن يتعلم ، ولا يستحيى عالم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول : الله أعلم ، واعلموا أن منزلة الصبر من الإيمان كمنزلة الرأس من الجسد ، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد ، وإذا ذهب الصبر ذهب الإيمان .أخرجه أبو نعيم فى الحلية (1/75) ، والبيهقى فى شعب الإيمان (7/124 ، رقم 9718) ، وابن عساكر (42/510) .
هذا وقد عقد ابن القيم في كتابه الماتع إعلام الموقعين فصلاً في تحريم القول على الله بغير علم وقال تحته: \"وقد حرم الله سبحانه القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء، وجعله من أعظم المحرمات، بل جعله في المرتبة العليا منها فقال تعالى: \" قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33) سورة الأعراف.
فرتب المحرمات أربع مراتب وبدأ بأسهلها، وهو الفواحش .ثم ثنى بما هو أشد تحريما منه، وهو الإثم والظلم ثم ثلث بما هو أعظم تحريماً منهما، وهو الشرك به سبحانه .ثم ربع بما هو أشد تحريماً من ذلك كله وهو: القول عليه بلا علم، وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله، وفي دينه وشرعه,وقال تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117) سورة النحل , فشدد عليهم سبحانه بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه وقولهم لما لم يحرمه هذا حرام، ولما لم يحله هذا حلال، وهذا بيان منه سبحانه أنه لا يجوز للعبد أن يقول هذا حلال وهذا حرام إلا بما علم أن الله سبحانه أحله وحرمه . وقال بعض السلف: ليتق أحدكم أن يقول: أحل الله كذا وحرم كذا، فيقول الله: له كذبت لم أحل كذا ولم أحرم كذا. إعلام الموقعين 1/39.

وكما أن على المفتى واجبات وآداب يجب أن يلتزم بها , فإن على المستفتي مثل ذلك أيضا ، ومن أهم هذه الواجبات والآداب :

أولا: السؤال عما ينفع :
فلا يسأل فيما هو مفترض بعيد الوقوع. فهذا من: \"أغاليط المسائل\" ومن الجدل الذي نهينا عنه , قال تعالى : مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) الزخرف , و جاء الحديث بالنهي عنها قال صلى الله عليه وسلم \"إن أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخَصِمُ\" أخرجه البخاري (فتح الباري …5/106)، ومسلم (4/2054) من حديث عائشة.
وقد سأل بعض الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم أسئلة لا ثمرة لها، فغضب لذلك غضبا شديدا، كسؤال عبدالله بن حذافة له: من أبي؟ لأن مثل هذا السؤال لا نفع له قط، لأنه إن كان له أب غير الذي ينسب إليه بين الناس، لم يكسب من ذلك إلا أن يفضح أمه، ويزري نفسه.
وقد عاقب عمر رجلا جعل كل همه أن يسأل عن المتشابهات، التي لا يتعلق بها حكم عملي، وقد يثير الجري وراءها مراء وجدلا لا طائل تحته، إلا إضاعة الأوقات، وبلبلة الأفكار، وإيغار الصدور.
ولما سئل الإمام مالك عن معنى \"الاستواء\" في قوله تعالى (استوى على العرش) غضب وقال للسائل: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة! .
وقد روي في التفسير أن بعض المسلمين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم: ما بال الهلال يبدو رقيقا كالخيط، ثم لا يزال ينمو حتى يصير بدرا، ثم ينقص حتى يصير كما كان، فأنزل الله قوله: (يسألونك عن الأهلة، قل هي مواقيت للناس والحج) فعدل عن الجواب عن عين سؤالهم إلى الجواب عن منافع الأهلة في الدين والحياة، فهذا ما يقدرون على فهمه في ذلك الوقت، وهو كذلك أجدى عليهم وأنفع لهم.

ثانيا: طلب العلم :
على المسلم أن يتفقه في دينه، ويتعلم من أحكامه ما ينفعه، وما يسير به في طريق سوي، حتى لا تختلط عليه الأمور، ويلتبس عليه الحق بالباطل والحلال بالحرام.
ولهذا جاء في الحديث: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. أخرجه ابن ماجة (224) .
فكل إنسان مسلم، ذكرا كان أو أنثى، فالمسلمة كالمسلم في طلب العلم بالإجماع، وإن لم يرد في الحديث بلفظ \"مسلمة\".
قال تعالى : \" قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9) سورة الزمر.
وإذا لم يتعلم المسلم، تكون النتيجة أنه يسير في طريق، ولكن غير الطريق السليم، يبتدع في الدين ما ليس منه، ويعبد الله على غير ما شرع، والله تعالى لا يريد من عباده أن يبتدعوا، لأن الله تعالى هو الشارع، وليس لهم أن يشرعوا في دينهم ما لم يأذن به الله.
إذا لم يتعلم الإنسان دينه، فقد يحلل الحرام، ويحرم الحلال. يحرم على نفسه ما لم يحرم الله، ويبيح لنفسه أو لغيره ما حرمه الله. قد يرد الصحيح ويقبل الباطل، ويصوب الخطأ، ويخطئ الصواب.
وإذا لم يتعلم أخذ الفتوى عمن ليسوا أهلا لها , فكما أن العلم مطلوب لمن يفتي فهو كذلك مطلوب لمن يستفتي ,
قال ابن حمدان الحنبلي : \" ويجب الاستفتاء في كل حادثة له ويلزم تعلم حكمها ويجب عليه البحث حتى يعرف صلاحية من يستفتيه للفتيا إذا لم يكن قد عرفه وهل يجب عليه الترجيح لمفت يفتيه على غيره فيه وجهان ولا يكتفي بكونه عالماً أو منتسباً إلى العلم وإن اتنصب في منصب التدريس أو غيره من مناصب أهل العلم فلا يكتفي بمجرد ذلك ويجوز له استفتاء من تواتر بين الناس خيره\" . أحمد بن حمدان الحراني الحنبلي : صفة الفتوى والمفتي والمستفتي 68 .

ثالثاً: عدم التدليس في الفتوى :

من الآفات التي ابتلي بها بعض الناس ممن لا علم لهم , ولا دين ولا ورع : التدليس على المفتى في الفتوى , فلا يعطيه إلا وجها واحدا من الحقيقة , حتى تخرج الفتوى مناسبة لهواه , والتدليس من أشد أنواع ,قال حماد بن زيد وعوف الأعرابي : \" التدليس كذب \" ( 645 ) .وقال شعبة بن الحجاج : \" التدليس أخو الكذب \" ( 646 ) .وقال : \" لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أدلس \" ( 647 ) . مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 13) والباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 8) والكفاية في علم الرواية - (ج 1 / ص 345) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 178) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 167) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 423).
ولقد أمرنا الله تعالى بالعدل في القول وعدم الغش والتدليس فيه فقال : \" وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)سورة الأنعام .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ قِطْعَةً ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ.\".أخرجه ابن أبي شَيْبَة 7/234(22965) و\"أحمد\" 2/332(8375) و\"ابن ماجة\" 2318 و\"ابن حِبَّان\" 5071 .
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ أم سَلَمَةَ ، قَالَتْ:جَاءَ رَجُلانِ مِنَ الانْصَارِ يَخْتَصِمَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِى مَوَارِيثَ بَيْنَهُمَا قَدْ دُرِسَتْ لَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِِصلى الله عليه وسلم : إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ وَإِنَّمَا انَا بَشَرٌ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ الْحَنُ بِحُجَّتِهِ ، اوْ قَدْ قَالَ : لِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ . فَإِنَّمَا اقْضِى بَيْنَكُمْ عَلَى نَحْوِ مَا اسْمَعُ . فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أخيه شَيْئًا فَلا يأخذه ، فَإِنَّمَا اقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ يؤتى بِهَا إِسْطَامًا فِى عُنُقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . فَبَكَى الرَّجُلانِ . وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقِّى لآخى . فَقَالَ رَسُولُ اللهِِ صلى الله عليه وسلم : إما إِذْ قُلْتُمَا فَاذْهَبَا فَاقْتَسِمَا ثُمَّ تَوَخَّيَا الْحَقَّ ثُمَّ اسْتَهِمَا ، ثُمَّ لِيَحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ.أخرجه أحمد 6/320 و\"أبو داود\" 3584 .
أعرف أحد الأشخاص , كان ولده قد سافر إلى الخارج وأخذ يرسل إلى والده كل ما يحصل عليه من مال , حتى بنى بيتا له ولأخوته , وزوج أخوته البنين والبنات , وحتى أنه في زحمة تفرغه لإسعاد أخوته نسى نفسه , وتقدمت به السن وهو لم يتزوج بعد , وقبل نزوله واستقراره في بلده كان قد اشترى قطعة أرض زراعية ليجعلها مشروعه بعد رجوعه ورفض وقت شرائها أن يكتب عقد الشراء باسمه , وقال طالما أبي موجودا لا اكتب شيئا باسمي , ولما عاد بعد غربته الطويلة وأراد أن يأخذ هذه الأرض التي اشتراها , جحدها والده , وقال ليس لك عندي شيء , وأنت ومالك لأبيك , هكذا على إطلاق الأمر , ولما كلمه الناس ذهب إلى أحد المفتين , ودلس عليه وقال إن هذه الأرض ملكي ويريد ابني أن اخصه بها دون أخوته , وهي ميراث للجميع , فقال له الشيخ : ذلك غير جائز وذكره بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم : ( اتقوا الله واعدلوا في أولادكم ) رواه مسلم 3/1241 , فطار الرجل بهذه الفتوى وتشبث بها .
وذكر لي أحد الأفاضل أن رجلا استفتاه بأنه كانت له خالة ماتت وتركت بنتاً يتيمة لا عائل لها فرباها وعلمها وزوجها , وأعطاها ميراثها من والدتها الذي هو عنده , وكتبت تنازلا بذلك ووقعت عليه , ثم جاءت بعد مدة طويلة وبعد ارتفاع سعر الأرض جاءت لتطالب بميراثها مرة أخرى , فأفتاه الرجل بأنها طالما أخذت ميراثها فلا يجوز لها المطالبة به مرة أخرى , وبعد مدة اكتشف الشيخ أن الرجل قد دلس عليه وأنه قد جعل هذه البنت المسكينة وهي طفلة لا تتجاوز السابعة من عمرها لا تعي عن الدنيا شيئا توقع له على التنازل عن ميراثها وأخفى الأوراق حتى بلغت سن الرشد ووضع عليها تاريخا حديثا وسجلها باسمه ,ولم يذكر للشيخ شيئا من ذلك.
وحكى لي أحد مشايخنا الفضلاء – عليه رحمة الله - أن رجلا جاءه وقال له : لقد قلت لزوجتي أنت طالق , وهذه هي المرة الثانية فقال : حسبت عليك طلقة , وليس لك بعدها إلا المفارقة , فقال كنت في حالة غضب وإغلاق لا أدري ما أقول , فقال له شيخنا وكان رجلا ظريفا , يعنى إذا جاءك أبوك ونادى عليك وأنت في هذه الحالة , قلت له : نعم يا أمي , ولو جاءت أمك تنادي عليك قلت لها ، نعم يا أبي ,قال لا لم أصل إلى هذه الدرجة فقال أذن يقع الطلاق ,فجاءت زوجته وقالت : يا شيخ لقد دلس عليك زوجي ليست هذه هي المرة الثانية التي يقول لي فيها أنت طالق , قال لها لقد قال لي إنها المرة الثانية , قالت الثانية هذا العام , ولقد قالها لي قبل هذا العام أكثر من مرة , وكان يدلس على من يستفتيهم .
فهذه أمثلة من الواقع , وهي غيض من فيض , فعلى المستفتي أن يتقي الله ويراقبه في استفتائه إذا استفتى، ولا يجعل الفتوى ذريعة إلى أمر يعلم من قرارة نفسه أنه غير جائز شرعا، وإنما لبس على المفتي، وغره بزخرف القول، أو بإخفاء عنصر له تأثير في تكييف القضية المسئول عنها، فيجيب المفتي بما يظهر له، غير متفطن إلى خبايا الموضوع وخلفياته. ولو عرضت عليه القضية بوضوح، لا تلبيس فيه ولا تمويه، وظهر له من خباياها ما أخفى عنه، لغير فتواه.
والمفتي هنا كالقاضي الذي يحكم بحسب الظاهر، تاركا إلى الله أمر الخفايا والسرائر، وقضاؤه بحسب الظاهر، لا يجعل الحرام في الباطن حلالا، قال تعالى : \" وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) سورة البقرة.
وكل فتوى تحوك في صدر المستفتي، ولا تطمئن إليها نفسه، ولا يستريح إليها ضميره، لسبب من الأسباب المعتبرة، يجب أن يتوقف عن العمل بها، حتى تتضح له الرؤية، ويصل إلى مرحلة الاطمئنان النفسي، بأن يسأل أكثر من مفت، أو يعاود المفتي الأول مرة بعد أخرى، حتى يزول التردد بالتثبت، وينقطع الشك باليقين.
يقول العلامة ابن القيم: \"لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي، إذا لم تطمئن نفسه، وحاك في صدره من قبوله، وتردد فيها، عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ ، قَالَ:أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ لاَ أَدَعَ شَيْئًا مِنَ الْبِرِّ وَالإِثْمِ إِلاَّ سَأَلْتُهُ عَنْهُ ، وَإِذَا عِنْدَهُ جَمْعٌ ، فَذَهَبْتُ أَتَخَطَّى النَّاسَ ، فَقَالُوا : إِلَيْكَ يَا وَابِصَةُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، إِلَيْكَ يَا وَابِصَةُ ، فَقُلْتُ : أَنَا وَابِصَةُ ، دَعُونِي أَدْنُو مِنْهُ ، فَإِنَّهُ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ أَنْ أَدْنُوَ مِنْهُ ، فَقَالَ لِى : ادْنُ يَا وَابِصَةُ ، ادْنُ يَا وَابِصَةُ ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى مَسَّتْ رُكْبَتِي رُكْبَتَهُ ، فَقَالَ : يَا وَابِصَةُ ، أُخْبِرُكَ مَا جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْهُ ، أَوْ تَسْأَلُنِي ؟ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، فَأَخْبِرْنِي ، قَالَ : جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ ، قُلْتُ : نَعَمْ ، فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ الثَلاَثَ ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهَا فِي صَدْرِي ، وَيَقُولُ : يَا وَابِصَةُ ، اسْتَفْ تِ نَفْسَكَ ، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ ، وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الْقَلْبِ ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ. رواه أحمد في «مسنده»: (4/227)، والدارمي في «سننه»: (2/246)، وحسَّنه النووي في «الأربعين»: (192).
وبالجملة فلا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتشهي والتخير وموافقة الغرض، فيطلب القول الذي يوافق غرضه وغرض من يحابيه فيعمل به، ويفتي به، ويحكم به، ويحكم على عدوه ويفتيه بضده، وهذا من أفسق الفسوق وأكبر الكبائر، والله المستعان (إعلام الموقعين لابن القيم: 4/211.
اللهم جنبنا الزلل في القول والعمل , اللهم طهر ألسنتنا من الكذب , وأعيننا من الخيانة , وقلوبنا من الغش والنفاق .


 

د. بدر هميسه
  • مقالات ورسائل
  • الكتب
  • وصية الأسبوع
  • سلسلة أحاديث وفوائد
  • واحة الأدب
  • الصفحة الرئيسية