اطبع هذه الصفحة


السعة والمرونة في التشريع الإسلامي

د. بدر عبد الحميد هميسه


القرآن الكريم والسنّة المطهّرة هما مصدرا التشريع الإسلامي, وفيهما الغنى والكفاية التشريعية، ففي القرآن الكريم وحده مئات الآيات التي شرّعت الأحكام والقوانين بصورة مباشرة، أو حملت الأفكار والمفاهيم التشريعية التي تُصاغ منها القوانين والأحكام .
كما وردت آلاف الأحاديث النبوية المبيِّنة للآيات التشريعية، والمشرِّعة للأحكام، ويشكِّل المئات من هذه النصوص قواعد تشريعية عامّة تساهم في اغناء التشريع وامتداد آفاقه .

ولقد جاء التشريع الإسلامي ليحقق حاجات الإنسان المختلفة ومنها :

أ ـ الحاجات الأخلاقيّة والنشاطات والأحاسيس النفسية : كالأمن والحب، والقلق والخوف، والاستقرار، والحقد والعدوان والغضب، والقبح والجمال ... الخ .
ب ـ الحاجات والنشاطات العقلية : وتتمثّل في البحث عن المجهول، وتحصيل العلوم والمعارف، وفهم الكون والحياة وما يرتبط به من معرفة الخالق وعبادته ... إلخ .
ج ـ الحاجات والنشاطات المادية : كالطّعام والشّراب والجنس والسّكن واللِّباس والعلاج ...الخ .
د ـ الحاجات والنشاطات الاجتماعية والسياسيّة …الخ .
فقد وضع الإسلام المبدأ المفتوح لإشباع تلك الحاجات، قال تعالى :{ إنّ لَكَ ألاّ تجـوعَ فيها ولا تَعْـرى * وأنْ لا تظـمأَ فيها ولا تَضحى }. (طه / 118 ـ 119).
ويوضِّح القرآن المبدأ الثابت في مسألة الأمن والطمأنينة على النفس والمال والعرض في معرض السؤال الملائكي للباري جلّ شأنه واستغرابهم أن يكون الخليفة في الأرض من يُفسد فيها ويَسفك الدِّماء ؛ فقد جاء ذلك في قوله تعالى :{ وإذْ قالَ ربُّك للملائكةِ إنِّي جاعلٌ في الأرض خليفةً قالوا أتجعلُ فيها من يُفسِدُ فيها ويَسفِكُ الدِّماءَ ونحنُ نُسبِّحُ بحمدِكَ ونُقَدِّسُ لَك }. (البقرة / 30).
وفي قوله : { مَن قتلَ نفساً بغيرِ نفسٍ أو فسادٍ في الأرضِ فكأنَّما قتلَ النّاسَ جميعاً }. (المائدة / 32).
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:لاَ تَنَاجَشُوا ، وَلاَ تَبَاغَضُوا ، وَلاَ تَدَابَرُوا ، وَلاَ تَحَاسَدُوا ، وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ ، لاَ يَظْلِمُهُ ، وَلاَ يَحْقِرُهُ ، وَلاَ يَخْذُلُهُ ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ - قَالَ إِسْمَاعِيلُ فِي حَدِيثِهِ : وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ - التَّقْوَى هَا هُنَا ، التَّقْوَى هَا هُنَا ، التَّقْوَى هَا هُنَا ، يُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَثًا ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ.
- وفي رواية : كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ. أخرجه أحمد 2/277(7713) و\"مسلم\" 6633 و\"ابن ماجة\" 3933 .
وقال صلى الله عليه وسلم : \" إِنَّهُ لاَ يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلاَّ بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ\" أخرجه أحمد 5/72(20971) و\"الدارمي\" 2537 و\"أبو داود\" 2145.
وليس معنى أن القرآن والسنة هما المصدران الأصيلان للتشريع الإسلامي, أن المصادر الأخرى كالإجماع والقياس والمصالح المرسلة وغيرها لا قيمة لها , فعوامل السعة والمرونة في التشريع الإسلامي , تتسع لكل
ذلك , وإن منطقة العفو أو الفراغ تركت قصداً من الشارع ، لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" إنَّ الله حدَ حدوداً فلا تعتدوها ، وفرض أشياء فلا تضيعوها ، وحَرَّم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم ، غير نسيان ، فلا تبحثوا عنها \". رواه الدراقطني وحسنه النووي في الأربعين ، وحسنه قبله أبو بكر السمعاني في أماليه ، وفي إسناده مقال بينه ابن رجب في جامع العلوم والحكم.
والخطاب في قوله : \" فلا تبحثوا عنها \" للصحابة في زمن نزول الوحي ، حتى لا يترتب على بحثهم وتقعرهم تشديد بزيادة التكاليف ، من إيجاب واجبات ، أو تحريم محرَّمات ، ولهذا قال في الحديث الآخر : ذَروني ما تركتكم \" . رواه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة.
وجاء في القرآن الكريم : { يأيها الذين ءامنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم } المائدة : 101.
وإنما سميت \" منطقة العفو \" أخذاً من الحديث الشريف الذي رواه سلمان مرفوعاً : \" ما أحَلَّ الله في كتابه فهو الحلال ، وما حرَّم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو ، فاقبلوا من الله عافيته ، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً \" رواه البزار ورجاله ثقات كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد (7/55) والحاكم في المستدرك (2/375) وقال : صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.، ثم تلا : { وما كان ربك نسيا } . مريم : 64.
فمصادر التشريع الإسلامي كان لها دورها في إثبات الحكم الشرعي , فالقياس وهو \" إلحاق أم لم ينص على حكمه بآخر قد نص عليه ، لعلة جامعة بينهما ، ولم يوجد فارق معتبر بين الأمرين \".
فعله الفاروق \" عمر \" حين أخبره بعض ولاته أن بعض الناس يقتني من الخيل ما يبلغ ثمن الفرس منها قيمة عشرات الإبل ، ومئات الأغنام ، فقال : أنأخذ الزكاة من أربعين شاة ولا نأخذ من الخيل شيئاً ؟! وأمر بأخذ الزكاة منها من باب قياس الأولى ، وهو ما أخذ به الإمام أبو حنيفة.
ومثل ذلك : قياس جماعة من الأئمة \" غالب قوت البلد \" في صدقة الفطر على ما جاء به الحديث من التمر والزبيب والشعير والأقط.
والاستحسان يأتي أحيانا لدفع مفسدة ، أو جلب مصلحة ، ويروى عن مالك أنه قال : \" تسعة أعشار العلم الاستحسان \" . واستدل أئمة المذاهب بالمصالح المرسلة .
وأما العرف وهو : ما اعتاده الناس ، وتواضعوا عليه ، في شؤون حياتهم ، حتى أنسوا به واطمأنوا إليه ، وأصبح أمراً معروفاً ، سواء أكان عُرفاً قولياً ، أو عملياً ، عاماً أم خاصاً.
مثل تعارف الناس على أن السمك لا يسمى لحماً ، وعلى إطلاق \" الولد \" على الذكر دون الأنثى ، على خلاف اللٌّغة.و مثل تعارفهم على البيع بالمعاطاة ، من غير صيغة إيجاب وقبول لفظية.
وقد نوَّه عامة الفقهاء بالعُرف ، وبنوا عليه كثيراً من الأحكام ، واستشهدوا له بما جاء عن ابن مسعود – رضي الله عنه - : \" ما رآه المسلمون حسنأً ، فهو عند الله حسن \" رواه أحمد في كتاب \" السُنَّة \" وليس في مسنده كما وهم بعضهم ، وأخرجه البزار والطيالسي والطبراني وأبو نعيم والبيهقي في الاعتقاد ، كلهم عن ابن مسعود موقوفاً ، وروي مرفوعاً عن أنس بإسناد ساقط . انظر كشف الخفاء ومزيل الإلباس حيث رقم 2214. وقد ظن بعضهم هذا النص حديثاً مرفوعاً ، وإنما هو من كلام ابن مسعود.
وقد بنى الفقهاء الكثير من الأحكام على العرف ,ووضعوا قواعد أصولية له منها : المعروف عرفا كالمشروط شرطا ,والتعين بالعرف كالتعين بالنص .
ومن السعة والمرونة في التشريع الإسلامي قابلية النصوص لتعدد الأفهام , لذا فان الفتوى قد تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والأعراف .
يقول كالعلامة ابن القيم: \"أن الفتوى تتغير وتختلف باختلاف الأزمنة والعوائد، والنيات\" وعقد الإمام ابن القيم لذلك فصله الممتع في كتابه \"إعلام الموقعين\" وقال في مقدمة هذا الفصل \"وهذا فصل عظيم النفع جداً، وقع –بسبب الجهل به- غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه، ما يُعلم أن الشريعة الباهرة- التي في أعلى رتب المصالح- لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد، في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كله، ومصالح كلها، وحكمة كلها...فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل\".
فالشريعة عدل الله بين عبادة ورحمته بين خلقه وظله في أرضه، وحكمته الدارة عليه وعلى صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها، وهي نورة الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل. إعلام الموقعين: جـ 3 ص 14- 15.
وليس معنى هذا أن أحكام الشريعة كلها قابله لتغير الفتوى بها، بتغير الزمان، والمكان والعرف، فمن أحكام الشريعة ما هو ثابت عام دائم، ولا مجال فيه للتغير والاختلاف مهما دار الفك وتغيرت الظروف والأحوال.
فمما تغيرت به فتواهم بتغير الزمن والحال عقوبة شارب الخمر، فإنه لم يكن فيها في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد مقدر وإنما جرى الزجر فيه مجرى التعزير.
روى البخاري عن عتبه بن الحارث: \"أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بنعيمان أو ابن النعيمان، وهو سكران، فشق عليه، وأمر من في البيت أن يضربوه، بالجريد والنعال، وكنت فيمن ضربه\". كتاب الحدود من صحيح البخاري، 6/2488.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: اضْرِبُوهُ ، قَالَ : فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ ، وَمِنَّا الضَّارِبُ بِنَعْلِهِ ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ : أَخْزَاكَ اللهُ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لاَ تَقُولُوا هَكَذَا ، لاَ تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ ، وَلَكِنْ قُولُوا : رَحِمَكَ اللهُ. أخرجه أحمد 2/299(7973) و\"البُخاري\" 6777 و\"أبو داود\" و\"ابن حِبَّان\" 5730.
وأخرج عبد الرازق في مصنفه عن معمر وابن جريج: \"سئل ابن شهاب: كم جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر؟ قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض فيها حداً، كان يأمر من حضره أن يضربوه بأيديهم ونعالهم، حتى يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارفعوا\". المصنف: جـ 7 ص 377.
بل ورد: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضرب شارب الخمر أصلاً في بعض المواقف، وذلك فيما أخرجه أبو داود والنسائي بسند قوي –كما في الفتح- عن ابن عباس: \"أن رسول الله صلى عليه وسلم لم يوقت في الخمر حدا. قال ابن عباس: وشرب رجل فسكر، فانطلق به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيما حاذى دار العباس، انفلت فدخل على العباس فالتزمه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضحك، ولم يأمر فيه بشيء\". فتح الباري جـ 15 ص 77.
ومن ذلك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية من إلزامه –رضي الله عنه- للمطلق ثلاثاً بكلمة واحدة، بالطلاق، وهو يعلم أنها واحدة، ولكن لما رأي إكثار الناس منه، رأى عقوبتهم بإلزامهم به، ووافقه على ذلك رعيته من الصحابة، وقد أشار هو إلى ذلك فقال: \"إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة، فو أنا أمضيناه عليهم\"؟ فأمضاه عليهم ليقلوا منه، فإنهم إذا علموا أن أحدهم إذا أوقع الثلاث جملة وقعت، وأنه لا سبيل له إلى المرأة، أملك عن ذلك. الطرق الحكمية لابن القيم: ص 16- 17 مطبعة السنة المحمدية، راجع في الموضوع ص 33 من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ط. الرياض، وجـ 3 من إعلام الموقعين ص 41، وجـ 1 من إغاثة اللهفان ص 300 وما بعدها.
فكان الإلزام به عقوبة، لمصلحة رآها، ولم يكن يخفى عليه أن الثلاث كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، تجعل واحدة، بل مضى على ذلك صدر خلافته، حتى أكثر الناس من ذلك، وهو اتخاذهم لآيات الله هزواً، كما في المسند وسنن النسائي وغيرها من حديث محمود بن لبيد: فلما أكثر الناس من ذلك عاقبهم به، ثم إنه ندم على ذلك قبل موته، كما ذكره الإسماعيلي في مسند عمر.
فالتشريع الإسلامي يتسع لكل مستجدات العصر , ولا يقف منغلقا أمام ما يستجد من حوادث وأحكام , وهذا يؤكد أن التشريع الذي يصلح لكل زمان ومكان .


 

د. بدر هميسه
  • مقالات ورسائل
  • الكتب
  • وصية الأسبوع
  • سلسلة أحاديث وفوائد
  • واحة الأدب
  • الصفحة الرئيسية