اطبع هذه الصفحة


الصحوة وإجهاض المشروع التغريبي...!

د.حمزة بن فايع الفتحي
@hamzahf10000


بسقوط الخلافة العثمانية تسلط الاستعمار الغربي، وتراجع الدور الدعوي العلمي المنظم.
كان التخندق حول العروبة والاشتراكية لمقاومة المستعمر.
بدت مظاهر التفسخ الأخلاقي من خلال النشاط الإعلامي للمتعة، ولم يتجسد واقعيا..!
كان المجتمع بسيطا في البداية وتماهت نخبته مع التيارات القومية، وعامّته مع تأثيرات الإعلام الاجتماعية .
سقط القوميون بهزيمة(٦٧ م) فتراجعوا بالكلية فتصاعد المد الإسلامي.
بدلا من أن تتجه الطفرة النفطية للانفتاح الاجتماعي والإعلامي المشين( كرة وغناء)، دفعت بالصحوة الإسلامية للأمام وعملت على تغذية المشاريع والبرامج.
كانت السبعينيات حقبة النهوض الإسلامي وازدهار المساجد، وتوجت في الثمانينات إلى منتصف التسعينيات .
أُسست جامعات وكليات ومعاهد، رسخت للعلم الشرعي وأسست قواعد دعوية.
في حقبة الثمانينيات طلت ظاهرة (الجهاد الأفغاني)، واحتاجت جموع السنة إلى رمزية تشبه الثورة الإيرانية ٧٩م، لا سيما وقد اتفقت عليه الأنطمة العربية .
حينها تراجع تيار الحداثة المستفيد من الطفرة، من قوة الخطاب الدعوي الذي بات صحويا بعد ذلك.
متانة الطرح، وميول الجماهير الفطرية، ضيقت الفكر الحداثي وبات في مستودع الرعب والهزيمة .
ساند الحداثيين التغريبيون والعَلمانيون، ولكن محاضرة دينية جماهيرية كانت كافية في عزلهم اجتماعيا.
سيطروا على كل النوافذ الإعلامية، ولم يتبق للدعاة سوى المسجد فأشعلها عليهم حربا ضروسا، هدت معاقلهم.
الشريط الإسلامي لعب دورا كبيرا في تتويج الانتصار، وكان كالسلاح البتار في المعركة الفكرية والتربوية .
خطاب الصحوة كان أخلاقيا قيميا في سماته، عظّم العفة والفضيلة، وقفل سائر الأبواب .
كانت حقبة-استُغلت رسميا- للإشغال الاجتماعي ولكنها تمخضت عن نتائج صحوية مباركة.
وجود العلَمين البارزين ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله، زاد من هيبتها وحمايتها.
بعد موت المشايخ الأكابر حصل فراغ قيادي، ومالت إلى الخلاف والانقباض قليلا..!
حصل تراجع نخبوي ثقافي بارز، ودعوي يسير..!
حدث الحادي عشر من سبتمبر استُثمر للنيل من الصحوة وحصل نوع من الانكماش والتطورات.
قل دور بعض القيادات الدعوية، وضعف عطاؤها، ولم تنقلب رأسا على عقب بحمدالله.
دخلت جموع جديدة في الصحوة بشروطها الخاصة من أهمها حب الدين والهوية..!
تراجع المد التغريبي تماما، ولو لم يكن من إنجازات الصحوة إلا ذاك، لكفى.
استطاعت الصحوة الإسلامية إيقاف المشروع التغريبي لأكثر من ربع قرن.
لم تنته الصحوة ولكنها تشكلت لمؤسسات جديدة وتماشت مع المعطيات الحديثة.
تمنّع المجتمع من المظاهر التغريبيّة، راجعٌ الى فضل الصحوة وبنيتها الشرعية .
بعد عقدين من الضخ الإعلامي وتوظيف البرجين والنت والإرهاب، لا تزال فِطَر شبابنا بخير ويمجون الطرح التغريبي الترفيهي.
يشعر الأعادي بالخيبة والحسرة النفسية والمالية من جراء مهانة النتائج (( فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة..)) سورة الأنفال.
خلطهم الأوراق واستعداء السلطة، وتشتيت المخالف أقوى وسائلهم،..!
الدور المسجدي والدعوي ويقظتهما من أمنع الحصون المجابهة لهم.
لا ينقص أهل الإيمان والغيرة، سوى التنظيم وحسن التنسيق، ونبذ الفوضوية وردود الأفعال.
في المرحلة الراهنة التغريب يمارس الشكل التنظيمي الموسع، والمرأة تلعب دورا فيه من خلال الاحتياج الوظيفي والهروب من رهق البطالة والافتقار .
برغم سيطرتهم التقنية والإعلامية، إلا أن الإشراق المسجدي المتوهّج، وتجديد الخطاب الدعوي مما يحجم ويعرقل.
استشعار الهيئات الشرعية دورها المنوط، وإنقاذ نفسها من العزلة، مما يشعل العزائم، ويضاعف من هزيمة أرباب الهزائم..!
لبلاد الحرمين خصوصية التماسك والممانعة وسلامة الفطرة والحفظ الإلهي .
المؤامرات عليها كبرى، وتبقى كبيرة بدينها واجتماعها ونهجها القويم.
على المؤسسات تطوير أدائها، والأفراد تمكين مناعتهم الذاتية، لئلا تتلاعب بهم الأهواء والشهوات .
ليس للتغريب بنية علمية للثبات والمناظرة، وجل اعتماده على الغرب، وأسلحته المرأة والشهوة والاستمتاع في نمط إعلامي فاسق متمرد..!
خطابنا الدعوي والمنبري عليه تجديد نفسه عصريا وعقليا، والوصول إلى كل الشرائح الشبابية..!
التغريب المنظم يحتاج إلى دعوة منظمة، وتنسيق متعاضد، يستثمر فجوات الحياة وفرصها..!
الآن يوجد تغريب جديد متضخم، وصحوة جديدة متمددة، وستكشف المواقف أيهما أحسن تحركا وتقديرا.
الخطاب الدعوي تفاؤلي سينتصر في النهاية إذا أعد للصراع عدته، وعرف أدوات المعركة اللائقة .
للدعوة ظهير ومعين هو الباري تعالى(( ولينصرن الله من ينصره )) سورة الحج. والخصوم تعويلهم مادي صرف، وسيحيط بهم .
المسجد، وطلاب العلم، وحُداة الفكر، والمؤسسات الأهلية، والحضور الالكتروني، لديها قدرة على التصدي، واستطاعت هزيمة قنوات تغريبية خليعة.(( فلا تخافوهم وَخَافُون إن كنتم مؤمنين )) سورة آل عمران.
الانفتاح الإعلامي المتطرف يقابل بانفتاح الكتروني ومسجدي واجتماعي جذاب يخترق كل المجاميع البشرية لا سيما الشبابية..!
انضاف للتغريب إلحاد وشبهات من جراء التواصل المعرفي والمعلوماتي المذهل، وذلك يتطلب جهدا وخطابا جديدا واعيا.
وسائلنا برغم ضعفها أمام إمبراطوريتهم ، إلا أنها مع الاستمرار الدعوي والإصلاحي قاضية عليهم(( فأما الزبد فيذهب جُفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض )) سورة الرعد.

١٤٣٨/٦/١٣

 

د.حمزة الفتحي
  • المقالات
  • رسائل رمضانية
  • الكتب
  • القصائد
  • قراءة نقدية
  • الصفحة الرئيسية