اطبع هذه الصفحة


سُكر الشهوات...!

د.حمزة بن فايع الفتحي
@hamzahf10000


يعتقد كثيرون أن السكر مخصوص بالخمرة المخامرة للعقل، والذاهبة بالقيم، والملقية في الوحل والأنتان،،، وما علموا أن ثمة سكر آخر، يفعل فعلته في الإنسان، وينزله أسفل سافلين..!

ألا وهو سكر الشهوات ومخالجتها للروح، وافتراسها للقلب، قال تعالى ( لعمرُك إنهم لفي سكرتهم يَعمهون )سورة الحجر.

بحيث يهوى هوى قاتلا، فيهوي به هويا لازمام له ولا خطام،،،! تسوقه الشهوة، وتلف به النزوة ..

قال الشاعر :
ثلاثةُ أحبابٍ فحبُّ علاقةٍ/ وحب تِملاقٍ، وحب هو القتلُ..!
وهذا من حب القتل والذوبان الشهواني الذي يُنكي ويردي ويُنهي، وفي الحديث الصحيح ( حُفّت الجنةُ بالمكاره، وحُفت النار بالشهوات ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله( فهكذا أهل الشهوات الفاسدة، وإن أضرمت قلوبهم نارة الشهوة ليس رحمتهم والرأفة بهم تمكينهم من ذلك، أو ترك عذابهم، فإن ذلك يزيد بلاءهم وعذابهم، والحرارة التي في قلوبهم مثل حرارة المحموم، متى مُكِّن المحموم مما يضره ازداد مرضه، أو انتقل إلى مرض شرٍّ منه....)

وتتوالد تلك السكرة من قلة الطاعات وصحبة الفساق، والتعلق بالصور، وعدم التجديد والمجاهدة والركون لهوى النفس وتزيين الشيطان، واستسهال الصغائر والمناظر المحرمة، والسياحة المحرمة، والترويح الجاني، قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتاب (روضة المحبين) : ( ومن أسباب السكر: حبّ الصور؛ فإذا استحكم الحبّ وقوي، أسكر المحبّ،،،! وأشعارُهم بذلك مشهورة كثيرة، ولا سيما إذا اتصل الجماع بذلك الحبّ، فإن صاحبَه ينقص تمييزه أو يعدم في تلك الحالة بحيث لا يميّز، فإن انضاف إلى ذلك السكر سُكر الشراب، بحيث يجتمع عليه سُكر الهوى، وسُكر الخمر، وسكر لذّة الجماع، فذلك غاية السكر...)

ووسائل الإعلام والطفرة التقنية أتاحت سبلا للفساد، وفتحت منافذ للشر، ذهبت بها أخلاق، وذبلت مرواءات...!

والمرء وقد فُطر على حب تلك الشهوات، لكنه يوظفها في الحلال، ويحصدها من طريق مباحة، وإلا فالبوار والشنار، وقد ذكر الله لنا أنواعًا من الشهوات التي جُبِلَت النفوس على محبتها، هي كما قال تعالى: ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) سورة آل عمران .

وانما تطغى الشهوات ويشتد سُعارها من جراء الآتي :

ضعف الإمدادات الدعوية والغوث الإيماني المطلوب لجماهير الأمة عبر المساجد والمنابر الدعوية والإعلامية.

الطرح الإرجائي في تعاليم الإسلام إعلاما وتثقيفًا واجتماعا، وأن مجرد الإسلام العام كاف في الفهم والتدين والممارسة .

شرعنة بعض وسائل الإعلام الأباطيل، وتهوين الشهوات، وأنها شكل إنساني برئ، يفرضه الواقع والحاجة الغريزية الكامنة .. ( ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيما ) سورة النساء .

استسلام المرء للضغط الاجتماعي والثقافي الراغب في اجتثاث الناس، وتقصيره في عملية المدافعة والمحاهدة ( وجاهدوا في الله حق جهاده ) سورة الحج.

الاستناد الدنيوي والركون إلى دعواتها وزهراتها وإغراءاتها، بحيث يصبح التفكير الأخروي شبه محدود، وبالتالي تعز المواعظ المؤثرة، والأحاديث المرققة للداخل القلبي( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة )سورة البقرة .

إيثار المغانم الدنيوية على الخلود والملذات الأخروية، واستعجال الفاني قبل الباقي( كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة )سورة القيامة. - وكم فيها من شقاء وتبعة، وذل وحسرة، لا تمحوها الأموال ولا الوجاهات، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ( ‏كم من شهوة كسرت جاها، ونكّست رأسا وقبّحت ذكرا، وأورثت ذما، وأعقبت ذلا، وألزمت عارا لا يغسله الماء غير أن عين صاحب الهوى عمياء ). يبقى الوجيه ذليلَ الشهوة الجاني/ لا يغسل المال من هُون وأغلالِ..!

ولا يعي السكرَى بالشهوات أنهم يطبعون في قلوبهم، ويرسمون رسوما تقع منهم كل مقتل، ولا يزيلها وقت ولا نسيان، ولا تندم، ما لم تُقرن بتوبة صادقة، ورجعة للواحد الأحد..!

والواجب نقش القلب بالصدق والحب والرغبة والرهبة من الله تعالى، وهي صور جمالية للتدين الصحيح ، قال العلامة ابن القيم في( الداء والدواء ): ( ‏فالقلب لوحٌ فارغٌ، والخواطر نقوشٌ تنقش فيه ،فكيف يليق بالعاقل أن تكون نقوش لوحه، ما بين كذب وغرور وخدع ).‏

ومن آثارها التعلق بالشهوات، والهزيمة النفسية والأخلاقية، بحيث تنعدم لديه أي قدرة للتصدي والمجابهة، فيبيت كالغريق مستسلما لضغط الشهوات، وهي تغالي في تذويبه وإهدار قيمته وعزيمته..!

ومع الاستدامة الشهوانية وكثرة التعلق، تضعف الروح والذات ولا يستطيعون إخفاءها برغم ما يملكون من دنيا وأموال قال تعالى( ومن يُهنِ اللهُ فما له من مُكرم ) سورة الحج. وقال الحسن البصري رحمه الله: ( إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين، فإن ذل المعاصي لا يفارق رقابهم، أبى الله إلا أن يُذِل من عصاه ).

ومن تبعاتها أيضا: فقدان العقل والتركيز وفهم الأمور، وعدم تقدير العواقب، قال المتنبي: مِمّا أضَرّ بأهْلِ العِشْقِ أنّهُمُ/ هَوَوا وَمَا عَرَفُوا الدّنْيَا وَما فطِنوا
تَفنى عُيُونُهُمُ دَمْعاً وَأنْفُسُهُمْ/ في إثْرِ كُلّ قَبيحٍ وَجهُهُ حَسَنُ..!

وللخلاص من ذاك لابد من المجاهدة ومقاومة هوى النفس وميلانها، وحمل النفس على الخيرات والتباعد من أماكن الهوى ومواده ومقدماته كالجلساء والمجالس، وكثرة الذكر والاستغفار، قال تعالى:( لولا تستغفرون الله لعلكم تُرحمون ) سورة النمل. وقال بشرالحافي رحمه الله : ( البلاء كله في هواك . والشفاء كله في مخالفتك إياه ). وقيل للحسن البصري رحمه الله : ( يا أبا سعيد، أي الجهاد أفضل ؟ قال جهادك هواك ). وفي القرآن:( فلا تَتبِعِ الهوى فيُضِلَّك عن سبيل الله ) سورة ص . فاللهم أعزنا بطاعتك، ولا تذلنا بمعصيتك، إنك جواد كريم...!

١٤٣٩/٧/٢٨

 

د.حمزة الفتحي
  • المقالات
  • رسائل رمضانية
  • الكتب
  • القصائد
  • قراءة نقدية
  • الصفحة الرئيسية