اطبع هذه الصفحة


صائم جائل في السوق...!

د.حمزة بن فايع الفتحي
@hamzahf10000


اعتقد بغضهم، لثقافة مجتمعية قديمة، أن رمضان شهر المطاعم والمشارب، أو أن عاقبة ذاك الجوع والتعب الإفراط الشرائي الغذائي، فاشترى بمبالغة، وادخر بإسراف، ولم يأكل إلا النزر اليسير .

وهذا مفهوم سقيم كان له تبعاته المادية والقيمية على حياتنا العملية والعبادية والاجتماعية، وتعاظم مع أيام الرخاء والرفاهية الاقتصادية ...!

وقد باع قوم من السلف جارية لهم، فلما قرب شهر رمضان رأتهم يتأهبون له، ويستعدون بالأطعمة وغيرها، فسألت، فقالوا: نتهيأ لصيام رمضان، فقالت: وأنتم لا تصومون إلا رمضان، لقد كنت عند قوم كل زمانهم رمضان، ردوني عليهم..!

وحينما تتغير المفاهيم المغلوطة في العبادة تنعكس على بسطاء الناس فيكونون مشاعل في الخيرات، وهذا الأليق بعقلاء المومنين..! خلافا لغيرهم ممن بدلوا وفيه وخالفوا ...!

وكان بعضعم كلما دخل رمضان ، دخل بقائمة توصله لآلاف الدراهم، وتكلفه عناء وجهدا وفاقة..!

ولم يتفكر في مصروفات باهضة، وأوقات مهدرة، وعبادات مضيعة، وأكباد ضامئة، هي أحوج إلى ذلك وأرغب( وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم )سورة المعارج .

والمتسوّقون ما بين صنفين: صنف يهدر الآلاف في المطاعم، وصنف كل يوم جائل بين المشتريات طعاما ولباسا وهدايا وتحفا...!!

وتأمل عاقبة ذلك من: تضييع رمضان، وقلة التزود الإيماني، وإهدار خيرات قد لا تتكرر...!!

والسؤال المطروح الموضوعي هنا: لماذ لا تنشط الأسواق إلا في رمضان، وأين دور عقلائنا ودعاتنا في حماية الشهر والعبادة ووقت الإنسان..؟!!
والسبب والعلم عند الله تعالى:

تناسي فضل رمضان والتفكير العامي البسيط في استقباله بالطعام والانفتاح الدنيوي ، وتوالي الغفلات عن الدار الآخرة والمعاد الخطير المنتظر ( ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه ) سورة آل عمران .

وغياب النشاط الدعوي المبارك، والذي يستثمر وجود الناس في المساجد والتراويح..!

وغلبة الطرح الإعلامي الردئ، والهادف لخطف الشهر، وجعل رمضان موسماً وأداةً للإفساد في الأرض وتكاثر السيئات، والله المستعان .

لا سيما وقد أشرف عليه توجهات علمانية ملحدة، وليبرالية شهوانية، وبدعية منحرفة ، لا غاية لها إلا ترويج المتعة، وجني الأموال، وتغييب القيم والأخلاقيات الدينية والاجتماعية، عبر خطط استراتيجية ومادية، مبذول عليها، ومعتنى بها قال تعالى: ( فسينفقونها ثم تكون عليهم خسرة ثم يُغلبون ) سورة الأنفال .

ومن الأسباب: جفاف الصيام عبادة وذكراً ونوراً، واستسلام الصائم للوقت الضائع، أو مجالسته للعامة والمقصرين فيحمل من أخلاقهم وآدابهم، والتي تفتقر إلى تقديس الوقت، واحترام الزمان، كرمضان وغيره قال صلى الله عليه وسلم ( رغم أنفُ رجل أدرك ومضان ثم انسلخ فلم يغفر له )...!

لكأنه ضيّع الفرصة، وبدد المنحة، وأهان اللحظة، وفَرط في الغنيمة، فكانت نهايته الرُغام، والهوان، وتلطخ الوجه وهو أجمل ما في الإنسان بكل عار وشقاء ومهانة ..!

فلا يستطيع رفعه وقد سفل بالتضييع، وانحط بالمعاصي، وتجهم بالمخالفات والله المستعان...

يا صوام: كل ما لذ وطاب، وتسوق باعتدال، ولا تكن كل يوم في الأسواق، فتضيع ساعاتك، وتتعاظم حسراتك، وتندم ولات ساعة مندم ، قال ابن مسعود رضي الله عنه ( ما ندمتُ على شيء ندامتي على يوم غربت علي شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزد عملي ).

والعجيب أن وسائل الإعلام تزيد الأسواق توقدا وهيجانا فيحصل التنافس، وتنتشر مسابقات وسحوبات، وسيارات لتحويل الشهر الى إيناس وبهجة على هواهم العلماني، أو كما قال كاتب معتوه أخرق: اجعلوه شهر سعادة وليس شهر عبادة يقصد بالموسيقى والرقص..!

وما درى المسكين أن رمضان والصيام مادة متينة للسعادة والحياة الطيبة، ولا تزيدنا عبادتنا فيه إلا سعادة وانشراحا وسرورا ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) سورة الرعد .


وقال في الحديث ( للصائم فرحتان ...) فنهايته للفرح والابتهاج، ولا يكون تعاسة وحزنا إلا حينما نفرغه من مضمونه الشرعي، فننام نهارا أو نتسمر في الأسواق وأمام الإعلام الهابط والمنحل، والله المستعان .

اللهم صُن صيامنا، واحفظ جوارحنا، وجنبنا منكرات الأقوال والأفعال ...!

١٤٣٩/٩/٩



 

د.حمزة الفتحي
  • المقالات
  • رسائل رمضانية
  • الكتب
  • القصائد
  • قراءة نقدية
  • الصفحة الرئيسية