اطبع هذه الصفحة


مثبِّتات رمضانية ..!

د.حمزة بن فايع الفتحي
@hamzahf10000


كثيرا ما تعلو الشكاية في بدايات رمضان من التراجع العبادي، وحصول الملل والاستحسار من بعضنا، فنبدأ بقوة ثم نتراجع، وتكتظ المساجد ثم تقلّ، وتشتعل الهمم ثم تتراخى، وهذه مشكلة مؤسفة، وظاهرة خطيرة، جديرة بإيجاد الحلول والمخارج لها ، ومن ذلك :

١/ سؤال الله البركة والتوفيق :
إذ البركة بها ملاك كل شيء، وحيازة الأفضال، وبلوغ الآمال، قال عيسى عليه السلام: ( وجعلني مباركاً أينما كنت ) سورة مريم . وفِي دعاء القنوت( وبارك لي فيما أعطيت )، فمن وُفق لها طابت حياته، ومن حُرمها فاته الفضل والنور والسرور، واستثقل الطاعات .
والأصل أن يكون رمضان ظرفا معينا على الثبات ولزوم الطريق السوي، لا أن يحصل بعد ثلثه أو نصفه التراجع والارتخاء .
وحكي عن العلامة ابن سعدي رحمه الله: إذا سألتَ الله بلوغ رمضان، فسله البركةَ فيه، لأنك لا تدري ما تصنع فيه..!
ولا ننسى المأثور السني( اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحُسن عبادتك ) .

٢/ فقه الأيام المعدودات :
وأن قلتها وتسارعها يحملنا على المحافظة والجد، والصبر والتجلد، واحتساب الثواب ، برغم ما نشاهد من صوارف ومغريات . وإذا دخلت العشر الأخيرة، تضاعف الجهد، واشتد العمل، لوجود ليلة القدر، ولاقتراب النهاية، وهذا هذا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم .

٣/ الجلسة العصرية :
من أطيب الجلسات، ويكاد يُجمع عليها الصائمون، فيصلون العصر، ثم يقومون إلى مصاحفهم قراءةً وتدبرا وترتيلا، فهذه الساعة المباركة إذا التُزمت يوميا، نفَعت وختمت وأثرت، ..! لا سيما وترنمات القرآن المشعة في القلب، والصانعة لليقين والصبر والتبتل، وهي مما لا ينكر حلاوتها، ولا ينسى جمالها ووقعها. وفينا من يطيلها إلى دنو المغرب وهذا من السابقين ، وطائفة ساعة وهذه من الفائزين، ومختصرة وهذا من المستعجلين، ورابعة تكتفي بمجرد الصلاة وتنصرف إلى التلفاز، وقد تكون من الظالمين..!
ولو تيسر مجاورة الحرمين والمكث هنالك تلاوة وتعبدا واعتكافا، فهو من أقوى المثبتات ، لما وضعه الله في تلك البقعة من قداسة ومباركة، وكل من سكن هنالك، حكى عجائب ما وراء ذلك، نسأل الله من فضله .

٤/ قلة المخالطة :
رمضان وقت من الأوقات ، ولكنه من أنفسِها، وساعاته ثمينة، ولحظاته غالية، وأشد ما يسرق هذه الأوقات الصحبةُ والمخالطة، لا سيما لمن قلّ شأنه، وغلب لهوه ولغوه...! ( والمرء على دين خليله ) كما صح بذلك الحديث .
فتقلل حفاظاً على الوقت، وصونا للزمان، واحتراماً للشهر وحرمته وهيبته ..!

٥/ التواصي المستديم :
من الإخوة الجلساء، وملتقيات الإيمان، ومنتديات التفقه الرمضاني على غِرار التقاء جبرئيل عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومنهج السلف ( تعال بِنَا نومن ساعة ) وتعميق هذه المعاني في رمضان مما يجدد ويثبت ويعين ، قال تعالى:( وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) سورة العصر .

٦/ حفظ الجوارح :
فلا يصح الصوم بلا حفظ للجوارح، وينقص ثوابه، إذا استطال اللسان، ووقع في الناس، ومارس الكذب والغيبة والنميمة، وكل الآفات المرذولة .
ومن المؤسف أننا نصون الفم من الأكل، ولا نصونه من الكلام وبقية الجوارح، فنسترخص الفعائل الأخرى،،مما يضر صومنا ويحرمنا هذا الثبات الرمضاني...!
وأخطرها آفة اللسان، وهو المستهلك عند المقصرين، وما أوتي المرء إلا من خلاله، وما تفعله نزواته، ولما سئل صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس النار: قال:( الفم والفرج ).

٧/ المعنى العبادي لا الاعتيادي:
فصُم عبادةً وديانة، وحاذر الاعتياد والتقليد ، حيث يحملك ذلك على التأمل والتلذذ وحسن الاستعداد، وفِي تذكر البهجة به وامتطاء سلم العزيمة، مما يحي هذا المعنى، فيدخل المرء عبادة لا عادة، ويستشعر ثمرات وبركات ، تُعليه وتثريه . قال عليه الصلاة والسلام:( من صام رمضان إيماناً واحتسابا ..).
فجدد الايمان والاحتساب في حسك الرمضاني وأدائك العبادي، لتقفز من سلم الاعتياد والتقليدية، المانعة للارتشاف الإيماني الوضاء...!

٨/ الجود المتضاعف :
كما هو ديدن رسول الله صلى الله عليه وسلم( فقد كان أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان )
فاجعل من رمضان موسمَ جود وتفاعل وإيجابية ، صلاة وصيام، وذكر وشكر، وخدمة ومعاونة، وصدقة وتراحم ، وكلما سنحت حسنة فلا تؤجلها ، فالأيام معدودة، والأنفاس محدودة . وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك....!

٩/ الرفقة المعينة:
التي تثبّت وقت المحن، وتعين إبان الوحشة، وتساعد وقت الضعف،( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم) سورة الكهف. ومع تحذيرنا من كثرة الاختلاط إلا أنه قد يحتاج إليها بعض الصائمين عونا وتثبيتا ومؤازرة، لا سيما ليالي رمضان بعد التراويح، وما أحلا الاجتماع بهم مذاكرةً وسلاما ومدارسة، وقد كان جبريل عليه السلام يذاكر رسولنا القرآن كل سنة، وفِي ذلك بيان لأهمية الاجتماع بالصالحين .

١٠/ المجاهدة الذاتية :
والتي تقوم على الإصرار المنتج، والتباعد الشديد عن كل ما يكدر صفو رمضان، من مُتع وفتن وشهوات ( وجاهدوا في الله حق جهاده ) سورة الحج .
وهي سلاح المسلم طيلة الحياة، ولكنها تشتد أيّام الشدائد وفِي رمضاء رمضان، حيث الإغراء الإعلامي، والخلاعة الفضائية بلا حياء وخجل..!
قال صلى الله عليه وسلم:( كُتب على ابن آدم حظُّه من الزنا ، مدركٌ ذلك لا محالة، فالعينانِ تزني وزناهما النظر...) أخرجاه .

١١/ أهداف محددة:
يعتزم تنفيذها مهما كانت الظروف، أو حصلت من مشاغل، فيشحذ الهمة، ويعقد الميثاق، على أن يتمها، ويفي بلا نقصان أو تساهل، نحو؛
ختم القرآن عددا من الختمات أو
يراجع حفظه عن ظهر قلب أو..
يصوم بلا كلام ولا لغو ولا تفاحش..
أو يقرأ تفسير القرآن كاملا أو..
يفطر عددا من الصائمين ، وهلم جرا .

١٢/ إحياء سنة الاعتكاف :
وهي الخلوة العشرية، واللحظات الختامية، وتجديدها في حياة الصوام والشباب مطلوب، حفاظا على الوقت، وصيانةً لرمضان، وتداركا للتفريط السابق، وفِي الاعتكاف خلوة عجيبة، ونقاء آسر، وأفانين معشبة، وطاعات دافئة، تزيد المؤمن إيمانا، وتشرح صدرَه، وتفرح نفسه.
قال الإمام ابن رجب رحمه الله في حقيقة الاعتكاف :( قطع العلائق عن الخلائق ، للاتصال بخدمة الخالق ).
وبها سيتضاعف العمل، وتشتد الروح، وتقوى العزيمة، وقد يحرز ليلة القدر، وهو لا يشعر، ولن يبلع أحد مداه إلا من صنع صنعه، ونهج نهجه، والله الموفق .

hamzah10000@outlook.com

 

د.حمزة الفتحي
  • المقالات
  • رسائل رمضانية
  • الكتب
  • القصائد
  • قراءة نقدية
  • الصفحة الرئيسية