اطبع هذه الصفحة


سير مختصرة لعبرٍ مزدهرة..(٨)

د.حمزة بن فايع الفتحي
@hamzahf10000


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فهذا نقش نوراني على طريق الهمة والمنهج والسلوك، يفيد منه الطلاب، ويستلهم منه النجباء، أردنا وقفه فلم يقف، وحاولنا غلقه فلم ينغلق، فلا يزال في تفجر مدرار، ومنهال مغزار، لأن علوم السلف وكنوزهم لا تزال سيارة، وفي حياتنا حاضرة، وفي مجالسنا عابرة، وخليق بِنَا استثمارها وإيرادها والانتفاع بما طاب منها . وهذا ( نقشها الثماني ) ، أقيدها بتعليق وجيز، وحرف عزيز ، سائلاً المولى تعالى الانتفاع، وحسن العمل والاقتناع، والله الموفق ...
١٤٤١/٥/٩هـ
 



الفاروق والمخاوف الأربع : قال رضي الله عنه : ( إن أخوف ما أخاف عليكم: تغيرُ الزمان، وزَيغةُ عالم، وجدالُ منافق بالقرآن، وأئمة مضلين يضلون الناس بغير علم ). فهذه الأربع لها من التأثير الشيء العجيب، فالزمان يغر بتقلباته، والعالم يفتن بعلمه، والمنافق مجادل عليم اللسان ، والأئمة المصلون لهم نفوذ وملكة ومكانة ، فيخدعون ويزينون، والله المستعان .

الأصمعي وإسناد الفضل إلى أهله : قال رحمه الله :( مِن حق مَن يُقْبِسُك علمًا ، أنْ ترويه عنه ) . فقد صار شيخك، وتفضل عليك، واستفدت منه وأفدت، فلا تتجاهل مِننه، ولا تستعلي على فقهه، فمِن المروءة العلمية إسناد العلم وعزوه الى أهله .

ابن تيمية والحبس الحقيقي : قال رحمه الله:( المحبوس: من حُبِسَ قلبُه عن ربه تعالى والمأسور: من أسره هواه ) . واشتهر عنه ( أنا جنتي وبستاني في صدري أنى اتجهت فهي معي لا تفارقني، أنا سجني خلوة ، وقتلي شهادة ، وإخراجي من بلدي سياحة ) وهي ترياق السعادة باختصار .

سلمان وإدراك الأوائل قبل القلاقل: قال رضي الله عنه: ( لا يزال الناسُ بخير ما بقي الأول حتى يتعلم الآخر، فإذا ذهب الأول قبل أن يتعلم الآخر فذاك حين هلكوا ) .

ابن الجوزي وبكاء المتقين : قال رحمه الله : ( يا كثيرَ الذنوب قليلَ البكاء، إبكِ على عدم بكائك ، كانوا يبكون مع التقوى وأنت تضحكُ مع الذُّنوب ). لأن البكاء مؤشر خشية، وانعدامه في ظروف الذنوب علامة القساوة والبلادة .

علي وشرف العلم وادعاؤه : قال رضي الله عنه:( ‏كفى بالعلم شرفاً أنه يدّعيه من لا يحسنه ويفرح إذا نسب إليه من ليس من أهله ، وكفى بالجهل خمولاً أنه يتبرأ منه من هو فيه ويغضب إذا نسب إليه ). والسبب كونه أرفع المراتب، وتاج التيجان ، يغطى به كل نقص، ويرفع به كل مجد وشرف، فهو شرف الأشراف، ومجد الأمجاد .

الفُضيل وزمامُ الخشية : قال رحمه الله: ( إنما الفقيه الذي أنطقته الخشية، وأسكتته الخشية، إن قال: قال بالكتاب والسنة، وإن سكت سكت بالكتاب والسنة، وإن اشتبه عليه شيء وقف عنده، ورده إلى عالِمه ). والسبب أنه إذا تجرد العلم من الخشية وقع التعثر والتجبر، ولم يبق للعلم طعم وأثر ..!

الثوري وموضع حلاوة الإيمان: قال رحمه الله:( اجتنب المحارم تجد حلاوة الإيمان ). ويتساءل كثيرون لماذا تختفي حلاوة الإيمان، ولا نجد للصلاة ولا الصدقة أثراً وبركة وسرورًا،،،! والسبب يكمن في معاص اقترفت، وذنوب مورست، بلا خشية ولا هيبة ، والله المستعان .

أبو حنيفة وفضل الأشياخ : قال رحمه الله:( ما صليتُ صلاةً منذ مات أستاذي حماد إلا استغفرتُ له مع والديَّ، وإني لأستغفر لمن تعلَّمتُ منه علمًا، أو علَّمتُه علمًا ). وفيه دليل على حفظ مكانة الشيوخ وعظم غرسهم في طلابهم النجباء الأوفياء .

ابن عيينة والميزان الأكبر :( إن رسول الله ﷺ هو الميزان الأكبر ، فعليه تُعرض الأشياء ، على خلقه وسيرته وهديه ، فما وافقها فهو الحق ، وما خالفها فهو الباطل ). لأن الاتباع لا يعرف بالذكاء ولا الاستحسان ، ولا موروثات اجتماعية، بل بسنن شرعية ، عمادها هديُ رسول الله، فهو ميزانها ومعيارها .

الكرماني وصدق الفراسة: قال رحمه الله :( من عمَر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وكفّ نفسه عن الشهوات، وغض بصره عن المحارم، واعتاد أكل الحلال، لم تخطئ له فراسة ). وهذه شروط الفراسة لمن بحث عنها وألهم التوفيق فيها .

ميمون بن مهران وإخلاص القليل : قال رحمه الله: ( إِنَّ أَعْمَالَكُمْ قَلِيلَةٌ ، فَأَخْلِصُوا هَذَا الْقَلِيلَ ). لأن إفساد القليل مؤذنٌ بركوب الوبيل والعيش كالذليل .

الشافعي وامتلاك الكلمة: قال رحمه الله لتلميذه الربيع :( يا ربيعُ ! لا تتكلم فيما لا يعنيك ، فإنك إذا تكلَّمتَ بالكلمة ملكتكَ ولم تملكها ). لأن هذا درب السلامة، وموئل النجاة والاستدامة . وما هلكنا إلا لأن الكلمات ملكتنا وأحرجتنا ...!

الفاروق وفقه القلب: قال رضي الله عنه :( إنَّ لهذه القلوب إقبالًا وإدبارا، فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل، وإن أدبرت فألزموها الفرائض ). لأن الإقبال فيه سعة فلزم الاستثمار ، والإقبال تنغيص فلزم الاقتصاد .

الفيروزا بادي وصحيح البخاري : قال رحمه الله:( قال: إنّـه قرأ صحيح البخاري أزيدَ من خمسين مرة ). وكذا لتكن الهمم، ولمثله تشعل العزمات، وتتحرك الطاقات، فهو أجلّ كتاب وأطيبه وأحسنه، ومن هدي له فقد أصاب روائع الحكم، وانتهى إلى مقاليد الفهم .

ابنُ تيمية وأنفع الأدعية :قال رحمه الله : ( تأملت أنفعَ الدعاء ، فإذا هو سؤال الله العون على مرضاته ، ثم رأيته في الفاتحة في إياك نعبد وإياك نستعين ). لأنه إذا تم العون انفتحت السبل، ونشطت الأعضاء وعلت الهمة، وتدفقت الخيرات من كل مكان ، ومن جميل ما أنشدوا : إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى... فأول ما يجني عليه اجتهادهُ ..!

ابن عثيمين ووحدة الميدان : قال رحمه الله :( ‏لا يثني عزمَك أن ترى نفسك وحيدًا في الميدان؛فأنت الجماعة وإن كنت واحدًا، ما دمتَ على الحق ). والسبب أن لا قيمة للكثرة إذا خولف الدليل، واستُنكر النهج ...!

الألباني والثقافة العصرية : قال رحمه الله :( ولَا يغتر أحدٌ بالثقافة العصرية، فإنها لا تهدي ضالا، ولا تزيد المؤمن هدى إلا ما شاء الله ، وإنما الهدى والنور فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ). وهي نصيحة لكل مغتر بعلوم الغرب وصنائعهم، ويعرض عن الوحي الحق، والهدى المستقيم ، بحجة قلة الحاجة إليه، ويمارس دينه بشكل عامي بسيط ، والله المستعان .

الثوري وحفظ الساعات : قال رحمه الله:( مَن لعب بعمره ضيّع أيام حرثه ، ومن ضيع أيام حرثه، ندم أيامَ حصاده ). ولذلك لا تندم ساعات الحصاد المر، بل اندم على غفلة مبتدئة، وشهوات أغرقتك، ولحظات لم تغتنمها أيام القوة والنشاط .

ابن القيم وفوات حقائق القرآن : قال رحمه الله:( ما أشدَّها من حسرة ، وما أعظَمها من غَبنة على من أفنى أوقاته في طلب العلم ، ثم يخرج من الدنيا وما فهم حقائق القرآن ، ولا باشر قلبُه أسراره ومعانيه ). وهل يصح من طالب علم شقق العلم، وافتض بطون المسائل وغفل أو لم يذق حقائق القرآن ..؟!

ابن عينية والنعمة الفضلى: قال رحمه الله:( ما أَنعم اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - على العِباد نعمةً أفضلَ مِن أنْ عَرّفهم ، أن لا إله إلا الله ). والمعنى أن التوحيد أجلّ النعم، وطريق العبودية والشرف، وحماية من الضلال، وصيانة من الانحراف .

أبو حازم وكتمان الحسنات : قال أبو حازم سلمة بن دينار رحمه الله :( اكْتُمْ حَسَنَاتِكَ أَكْثَرَ مِمَّا تَكْتُمُ سَيِّئَاتِك ) لأنه وسيلة إلى الإخلاص، والسلامة من مدح الناس، وتطلب الرياء، فيخشى أن يفتن بذكرها، فكان كتمانها خبرا لبعض الصالحين .

إبراهيم بن أدهم والجهاد الشديد: قال رحمه الله: ( ‏أشد الجهاد جهاد الهوى ، من منع نفسه هواها، فقد استراح من الدنيا وبلاها ، وكان محفوظا ومعافى من أذاها ) . لأن الهوى بوابة الشهوات والعصمة منه راحة وأمان، وسكينة واستقرار، ولا يتحرك الهوى إلا والشيطان متربص به، يؤازره ويسانده .

ابن حزم والتصدر لخدمة العامة: قال رحمه الله:( ‏من تصدر لخدمه العامة، فلا بد أن يتصدق ببعض من عرضه على الناس، لأنه لامحاله مشتــوم، حتى و إن واصل الليل بالنهــــار ). لأنه يخوض مجالاتهم، ويتعرض لعقولهم وأخلاقهم وأصنافهم، وفيهم ما فيهم من التباين والفهم والشدة والرخاوة، فيتوقع مثل ذلك، فرحب التصبر والتصدق .

ابن قدامة وموانع فهم القرآن : قال رحمه الله:( من موانع فهم القرآن أن يكون التالي مُصراً على ذنب ، أومتصفاً بكبر أو مبتلى بهوى مطاع، فإن ذلك سبب ظلمة القلب وصدئه ). وهذه يجدها بعض فمع صلاحه في الجملة، لا يسلم من حرمان لذة الفهم بسب ذنب مكرر، أو كبر يحول دون التعلم، أو هوى داخلي..!

الشافعي ومنطلق الصلاح : قال رحمه الله :( إذا أردتَ صلاح قلبك أو ابنك أو أخيك أو من شئت صلاحه، فأودعه في رياض القرآن وسيُصلحه الله ). لأن رياض القرآن تزيد في الإيمان، وتصنع اليقين، وتغرس القيم، وتهذب النفوس، وتُصلح الاعوجاج ، وهو غيض من فيض من ثمار هذا الكتاب العزيز .

الفضيل وخير العمل : قال رحمه الله:( خيرُ العمل أخفاه ، أمنعه من الشيطان ، وأبعده من الرياء ). وذلك يصدق في نوافل الصلوات وقيام الليل والصدقات فهي تربيةٌ على الإخلاص .

ثابت البُناني وفائدة ذكر الموت : قال رحمه الله : ( كان يقال: ما أكثر أحدٌ ذِكْرَ الموتِ ، إلا رُئِيَ ذلك في عملِهِ ). حيث يورثه المخافة، ويزرع في روحه حب العمل والاستعداد، وقلة إتيان الشهوات ، ويقل عنده الأمل والتعلق بالدنيا .

ابن مسعود وأكثر الناس ذنوبا: قال رضي الله عنه :( من أكثر الناس ذنوبا يوم القيامة أكثرهم خوضا في الباطل ). لأن الباطل شرٌ متمدد، وشكل جذاب، وشهوات فتانة، تحتوي الناس، بعدُ أن تسلب منهم ألبابهم ، فيلجون فيه بلا تردد ولا حسبان، وتمتلئ الصحائف بما يسوء ويشين ..!

ابن عمر والبدع المستحسنة : قال رضي الله عنه :( كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة ). لأن الاستحسان مرده إلى الشرع وليس العقل والعرف، وبما أن الشارع ذمه فالواجب المتابعة والإذعان .
ابن مسعود ومصدر أخذ العلم : قال رضي الله عنه :( لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم ، عن أكابرهم ، وأمنائهم ، وعلمائهم ). لأن مع الكِبَر الخبرة، ومع الأمانة الثقة، ومع العلم السلامة والنجاة، ومعها كلها الظفر والإتقان .

الزهري وموقف المؤمن من الشرع: قال رحمه الله:( من الله الرسالة، وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاغ، وعلينا التسليم ). فمهما انقدح في ذهنك من ريبة أو تساؤل فقل سمعنا وأطعنا، ولا تفتح للهوى مداخل، ولا للشيطان مسالك ، فدين أهل الإيمان كما حكى الله( ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيتَ تسليما )سورة النساء .

ديدات وعظمة قدرة الله تعالى : قال رحمه الله:( ‏عليك أن تتوقع من الله ، ما لم يتوقعه عقلك ، إنه على كل شيء قدير ). فهي أعظم مما خطر بالبال، وفوق ما يتصور الذهن، لا يعجزه شيء، ولا يتعاظمه أمر تبارك وتعالى، قدرته واسعة، ومشيئته نافذة .

والله الموفق.....

١٤٤١/٥/١٥هـ


 

د.حمزة الفتحي
  • المقالات
  • رسائل رمضانية
  • الكتب
  • القصائد
  • قراءة نقدية
  • الصفحة الرئيسية